
“بنو معروف” أكثر من يفهم الموارنة… وأكثر من يفهم “بني معروف”، “النواة الصلبة للموارنة”، “القوات اللبنانية”…
هاتان الجماعتان هما صاحبتا “الفكرة اللبنانية” و”أقنومها” الأول الحرية منذ “يوحنا مارون” وليس انتهاء بـ”فخر الدين” “الأيقونة المارونية”…
عصفت “لعبة الأمم” بهاتين الجماعتين.. لكن بصرف النظر عن “لحظات” الضياع والتقلبات و”اليوميات السياسية”، تبقيان الأكثر شبها، والأكثر فهما لبعضهما البعض في العمق…
هذه هي حقائق التاريخ الصلبة، ومن يقرأ التاريخ جيدا يعرفها… وهنا تبرز معاناة الجماعتين عبر المراحل، لأن أكثر من يدرك هذه الحقيقة، أعداء لبنان، في حين أن بعض بنيه يغرق في الزبائنية والنفعية والوصولية، طلبا لمصلحة آنية رخيصة أو درءا لخطر يتوهّمون الخضوع سبيلا لتجنّبه…
إثر انتهاء الحرب وفي أوائل تسعينيات القرن الماضي، صعد وفد “قواتيّ” إلى المختارة بتكليف من سمير جعجع، الذي لم يصعد للمحاذير الأمنية المعروفة، للقاء رئيس الحزب “التقدمي الإشتراكي” النائب وليد جنبلاط ، وتقدّمت الوفد ستريدا جعجع . كان الهدف استكمال الحوار الذي كان قد بدأ قبل أشهر والتمهيد والتأسيس ل”مصالحة الجبل” وطيّ الصفحة الأليمة نهائيا مرة واحدة وأخيرة…
أكثر من أدرك الخطر الآتي عليه لا محالة إن قدّر للمصالحة أن تتمّ، كان حافظ الأسد ، الذي كان يحضّر لتأبيد الإحتلال السوري على لبنان وابتلاعه نهائيا. لم يكن ليقف متفرجا على وحدة الجبل تتحقق أمام ناظريه، من دون أن يتصدّى لها بكل ما يملك…
كان الأسد الأب يدرك، أن وحدة الجبل والتلاقي بين الدروز والموارنة، يعني عودة الروح إلى “الكيانية اللبنانية”.. كان يدرك أن نهوض لبنان يعني اهتزاز “نظام الإستبداد” في دمشق… وكان ما بات معروفا…
على هامش اليوم القواتي في المختارة، وقف مسؤولان من فريقي الحماية يتحادثان.. نظر “الإشتراكي” إلى ستريدا وقال ل”القواتي” ممازحا: “معلّمك مذوق”.. فما كان من الأخير إلا أن تطلّع صوب “نورا جنبلاط” ليردّ التحية بأفضل منها قائلا: “ومعلّمك كمان إستاذ بالذوق”…
تعكس هذه الملاطفة على بساطتها وعفويتها وتلقائيتها بين مسؤولين على مستوى القواعد- وهما الخارجان من حرب ضروس شهدت مواجهات عنيفة دامية بينهما- حقائق راسخة في وعيهما ولاوعيهما، بعيدا عن أي حسابات، حقائق تتخطى السياسة بمفهومها الضيّق ويومياتها المملّة التافهة، لتغوص في حقائق التاريخ…
القارئ الجيد للتاريخ لا تأخذه “لحظاته” العابرة، إذ يعرف حقائقه. سمير جعجع ووليد جنبلاط قارئان جيّدان للتاريخ، بحقائقه العميقة، وهما يدركان تماما، رغم كل الظروف المعاكسة في اللحظة الراهنة، يدركان أن المستقبل لهما، وما تحالفهما اليوم في الإنتخابات النيابية المقبلة في أيار سوى تأكيد على ذلك، فيما نرى في المقابل “سقوط” بعض “حديثي النعمة” في السياسة، ممّن لا جذور تاريخية لهم، في “إغراءاتها” الآنيّة الزائلة…
يمشي جنبلاط وجعجع في حقول ألغام زرعها “الغيارى” من كل حدب وصوب، “الأقربون” قبل الأبعدين. لكنهما يتكئان على التاريخ ويعملان بوحي حقائقه، وهدفهما الأول صون “مصالحة الجبل” مهما تطلب الأمر، إذ يدركان أن في حمايتها وترسيخها سيكون للجماعتين التاريخيتين الكيانيّتين المستقبل وقيامة لبنان لكل بنيه…
والسلام
