القروض السكنية تحتاج الى قروض

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1653:

توقّفت القروض السكنية المدعومة، أما الأزمة فمستمرّة. حتّى إن الحلول المطروحة هي حلول موضعية ظرفية وليست حلولا للأزمة ككل. تدخَّلَ مصرف لبنان وأصدر التعميم رقم 485 الذي وضع «كوتا» لكلّ مصرف تحدد المبالغ المخصّصة له من هذه القروض، بعد التوجيه بوقف أية قروض جديدة. وأوعز الى المصارف، بإعداد لوائح بملفات القروض السكنية المدعومة التي أعطى المصرف موافقة عليها لأصحابها، بهدف إحصاء حجم تلك القروض التي جُمّدت ملفاتها بسبب الأزمة الأخيرة، من أجل تأمين السيولة اللازمة لها. لكن التعميم الذي كان يُفترَض أن يصدر الأسبوع الماضي، لم يصدر، ولا صدرت تفسيرات لذلك. فإلامَ ستستمر الأزمة؟ وكيف وصلت إلى هذا المأزق؟

خلال العام الماضي بدأت أزمة القروض المصرفية المدعومة تطل برأسها، ولكنها كانت تبدو قابلة للحل. يومها سعى رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للإسكان ومديرها العام المهندس روني لحود للتوصل الى حل، وحقق بالتعاون مع مصرف لبنان الخرق المطلوب في جدار الأزمة. وتم فتح ثغرة فيه تدفقت منها الأموال المطلوبة لسد العجز وإعادة العمل بالمسار الطبيعي لآلية هذه القروض. لكن العلاج لم يدم طويلا، ومنذ منتصف العام الماضي عادت الأزمة تأخذ منحى أكثر تعقيدا. وبدأت الحلول تتصف بالآنية. وبالفعل فإنه لم تمر أشهر قليلة حتى طلب مصرف لبنان من المصارف التجارية وقف العمل بالقروض السكنية المدعومة، الأمر الذي أشاع جوّاً من البلبلة في أوساط المعتمدين على هذه القروض لشراء منزل وتأسيس عائلة.

المسألة لا تقتصر طبعا على شريحة معينة من المواطنين، أو على قطاع من دون سواه. فجميع الدراسات تؤكد أن مثل هذه القروض تشغّل عشرات القطاعات وتساهم بقوة في تحريك عجلة الإقتصاد، المحتاجة اليوم أكثر من أي يوم مضى إلى أسباب دفعها وتسريع حركتها، علّ في ذلك ما يعطي بعض الإنتعاش لاقتصاد بات يعيش على المنشطات.

في صلب الأزمة

في هذا الصدد، يشير مصدر مصرفي إلى أن الأموال الجديدة التي قد يرصدها مصرف لبنان للقروض السكنية المدعومة المُجمّدة، لن تكون بمثابة رزمة تحفيز جديدة، بل حلّا لأزمة ومحاولة للحد من تفاقمها. واقتصر الحل على توفير الأموال للقروض التي نالت الموافقة ودفع أصحابها المبالغ الأولية بعد استكمال الملف، وينتظرون الحصول على المبلغ المطلوب. وذلك لأن أزمة وقف هذه القروض بالتحديد تولّدت منها أزمات إجتماعية وقانونية وعقارية، لا بل نزاعات بين المشترين والمطورين.

الجانب الآخر من الأزمة طلبُ مصرف لبنان من المصارف عدم إطلاق أي رزم أخرى للقروض المدعومة في العام 2018. وهذا الأمر يؤسس، إذا لم يلقَ الحل المطلوب، إلى أزمة جديدة سيواجهها من يخططون لشراء منزل من محدودي ومتوسطي الدخل، وكذلك المطورون العقاريون وجميع القطاعات المتصلة بالقطاع العقاري.

فبعد طلب مصرف لبنان في منتصف كانون الثاني 2018، من المصارف، التوقف عن إرسال طلبات للقروض المدعومة لأنه سيُصدِر تعميماً جديداً. أصدر في 1 شباط 2018 التعميم الوسيط 485 الذي خصّص بموجبه مبلغ 750 مليار ليرة لبنانية للقروض السكنية المدعومة، مع وضع «كوتا» لكلّ مصرف أي حدّاً أقصى يتم تحديده على أساس مجموع القروض المستفيدة من حوافز المصرف المركزي والممنوحة من المصرف المعنيّ في الفترات السابقة. وتم تعديل شروط إستدانة المصارف لتلك الأموال.

لكن المسألة أن المصارف كانت، قبل صدور التعميم 485، قد أعطت موافقات على عدد كبير من ملفات القروض السكنية المدعومة تفوق قيمتها «الكوتا» المحددة لها من مصرف لبنان في تعميمه الصادر أوائل شباط الماضي. مما وضع المصارف وأصحاب الملفات في مأزق يصعب الخروج منه من دون دعم المصرف المركزي. وفي تلك الحال، ليس أمام المصرف سوى أن يطلب من أصحاب الطلبات إما استرجاع ملفاتهم، أو انتظار ما سيقوم به مصرف لبنان تجاه هذه الأزمة، أو التقدم للحصول على قرض سكني غير مدعوم، بالدولار وبفوائد مرتفعة.

فقبل صدور التعميم 485، كانت المصارف تقترض من مصرف لبنان نسبة 90 في المئة من قيمة القرض السكني المدعوم، وبفائدة 1 في المئة. اما بعد صدوره، فلم يعد مصرف لبنان يُقرض المصارف أي نسبة من قيمة القرض المدعوم بفائدة 1 في المئة، بل استبدل ذلك بدعم الفائدة فقط، أي أنه بات على المصرف استعمال أمواله الخاصة للقروض المدعومة والحصول من مصرف لبنان على دعم للفائدة فقط.

حتى هذا الأمر متعثّر الآن والأزمة إلى تفاقم، إذا لم يبادر المعنيون إلى إيجاد الحل الجذري والناجع.

محاولة البحث عن حلول

المطوّرون العقاريون وبعد ضيق المنافذ وتلمُّس بعض الضبابية في الأفق، قاموا بتحرك لدفع الحلول لهذه الأزمة. وقد زار وفد من مجلس إدارة «جمعية مطوري العقار – لبنان» (REDAL) رئيس مجلس الإدارة المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان المهندس روني لحود للبحث في السبل الممكنة لمعالجة القيود التي فرضت مؤخرا على القروض المدعومة للإسكان المعمول بها منذ العام 1999 بموجب بروتوكول التعاون بين المؤسسة ومصرف لبنان وجمعية المصارف. وعرضوا النتائج المترتبة جراء تلك القيود التي تصيب المقترضين والمطوّرين.

واطّلع وفد جمعية مطوري العقار – لبنان من المهندس لحود على الخطوط العامة لدراسة متكاملة يعدها بالتعاون مع مجموعة من المتطوعين حول «سياسة اسكانية متوسطة وطويلة المدى» ستسمح في مستقبل قريب ببدء تنفيذ السياسة الاسكانية الشاملة والمستدامة. ولفت لحود الى الانعكاسات السلبية المترتبة ليس على مستوى القطاع الاسكاني والعقاري فحسب، انما على أكثر من 38 قطاعا تتأثر بعملية الإقراض ونتائجها التي ساهمت وما زالت في حجم الحركة الإقتصادية وعلى الاقتصاد اللبناني برمته وعلى الوضع المعيشي والاجتماعي لفئة واسعة من اللبنانيين .

هذا الوضع دفع برئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى الطلب من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إيجاد حل سريع للإقراض الإسكاني، خصوصا للذين تقدموا بطلبات إقراض، وتم تجميد طلباتهم. وهذا ما قام به المصرف المركزي. ولكن من دون أن يُفسّر أحد للرأي العام، لماذا توقفت هذه القروض وأين صُرِفت المبالغ التي رصدها مصرف لبنان قبل نهاية العام الماضي؟

جوابا عن هذه التساؤلات تشير المصادر المصرفية إلى أن سوء استخدام الاموال المخصصة للإقراض، هو السبب الرئيسي الذي يقف وراء وقف التسليف. خصوصا في المضاربات المالية والعقارية، ما أدى إلى استنزاف السيولة النقدية المخصصة للإقراض. حتى أن المصرفيين يُبدون تخوّفاً من وضع آلية الإقراض للإسكان تحت مجهر الرقابة الدولية للجهات التي تعمل على ملاحقة مصادر تمويل الإرهاب، بعد ان تعززت الشكوك في أن شركات عقارية تابعة لـ»حزب الله» تستخدم الأموال المخصصة للإسكان للقيام بعمليات بناء مجمعات سكنية. وأن ذلك يتم خارج الشروط الموضوعة أصلا لمنح القروض. من هنا يتوقع المصرفيون أن يتضمن التعميم المنتظر صدوره عن مصرف لبنان، تعديلاً في آلية دعم القروض السكنية في اتجاه تشديد الرقابة على آلية منحها والمستفيدين منها. وقالت مصادرهم لـ»المسيرة» إن الحل ربما يكمن في تشديد المراقبة وتعديل بعض شروط الإقراض بحيث لا يُحرم المواطن من حقه في الإستفادة من قرض مدعوم، ولا تُترك هذه المبالغ تذهب هدرا لغير المستحقين ولأهداف لا تتفق أصلا مع الغاية المرجوّة من منح هذه القروض.

وتابعت المصادر أن خلفيات التشدّد في الرقابة وإعادة توزيع المسؤوليات، تتصل بفضيحة تكشّفت في محفظة القروض السكنية المدعومة. حيث تبيّن لمصرف لبنان أنه في الأشهر الثلاثة الأخيرة، استهلكت المصارف نحو 1500 مليار ليرة من المبالغ المدعومة واستنفدت كل المبالغ المخصصة للدعم السكني خلال فترة قياسية. وقد اثار ذلك شبهات وشكّل مفاجأة لمصرف لبنان الذي انهالت عليه طلبات القروض لدراستها وإعطاء موافقته عليها أو رفضه لها. ولاحظ المركزي حصول طلب غير مبرّر على الشقق لا يمكن تفسيره إلا من خلال إمّا نموّ الطلب بوتيرة متسارعة وغير مبرّرة، أو أن مخالفة لشروط منح القروض المدعومة وإفادة من لا يستحق.

… وماذا بعد؟

المهندس لحود أكّد لـ»المسيرة» أن المؤسسة العامة للإسكان تتابع عملها كالمعتاد، ولا ترفض أي طلب يقدم من خلالها، مشيدًا بالتعاون القائم بين المؤسسة ومصرف لبنان والمصارف الخاصة خلال 17 عامًا. لكن مصادر متابعة قالت إن المصارف أوقفت استقبال الطلبات عملا بتعميم مصرف لبنان وأن الطلب المقدّم من خلال المؤسسة قد يتوقف في المصرف. وشككت بالأرقام التي يتم نشرها عن المبالغ التي دُفعت في السابق مطالبة بتعليل كل كلام يصدر بهذا الخصوص، وبتسريع الحلول «فلا تعميم مصرف لبنان الموعود قد صدر ولا آلية منح القروض السكنية المدعومة عادت إلى العمل والمواطنون ينتظرون منذ ثلاثة أشهر»، مطلقة صرخة لاستعجال تسوية الأمر.

ولفتت المصادر عينها إلى أن شروط الإسكان مشدّدة ومحدّدة بحيث لا يمكن استخدامها إلا ممن تنطبق عليهم الشروط ومن ذوي الدخل المتوسط أو المحدود الذين في حاجة إلى مسكن. نافية علمها بما إذا كانت المصارف تقوم بالإقراض بمبالغ كبيرة وبشروط معيّنة بما يمكن الإستفادة منها لمضاربات أو لغيره. وطالبت بفصل القروض الكبيرة عن الصغيرة، وقالت «إذا كانت هناك شكوك حول القروض الكبيرة فليدقّقوا بها ويتركوا القروض الصغيرة لأصحاب الحقوق. وإذا تبيّن أن هناك مخالفات وتحويل إلى الدولار مما يشكل ضغطا على الليرة، فليعاقبوا مرتكبيها، ولكن ما ذنب المواطن العادي ليُحرم من قرض لا يمكنه التملّك إلا من خلاله»؟ ورأت أن الحل هو باستمرار الدعم للقروض الصغيرة عبر المؤسسة العامة للإسكان وإسكان العسكريين لتسهيل أمور هذه الشرائح لأن ليس باستطاعتها الإقتراض من المصارف بالدولار حيث الفوائد مرتفعة جدا.

لكن حتى طلبات القروض التي حصلت على موافقات والتي يجري العمل على استكمالها، فإن الرزمة التي سيدفعها مصرف لبنان لتغطيتها هي من المبالغ المرصودة للعام 2019، ما يعني بحسب متخصصيين أننا نؤجل المشكلة ولا نؤسس لحل دائم يعيد الأمور إلى السكة الصحيحة. واعتبروا أن البداية هي من رصد ما إذا كانت هناك مخالفات وضبطها ومحاسبة مرتكبيها. ولفتوا إلى أن ما عزّز فكرة وجود مخالفات، أنها ليست المرّة الأولى التي يحصل فيها مثل هذه الأزمة. ففي السنوات الماضية عمد عدد من المصارف إلى منح قروض سكنية مدعومة لمضاربين عقاريين. ولم تظهر حقيقة هذه القروض التي بقيت مكتومة لسنوات، إلى أن انفجرت أزمة السوق العقارية ولم يستطع المضاربون بيع الشقق التي اشتروها بالقروض المدعومة.

وتساءل هؤلاء عما إذا كانت المصارف بدأت تموّل مثل هذه العمليات الاستثمارية بواسطة القروض المدعومة مع علمها بمخالفة ذلك لشروط منح القروض المحدّدة من مصرف لبنان؟ وماذا يعني قول حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة ان المركزي ليس لديه رزمة جديدة من الدعم للقروض السكنية سيوضعها في العام 2018 عندما تنتهي الرزمة التي وضعها في شباط الماضي بقيمة 750 مليار ليرة؟

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل