ان التحدّي الرئيسي الذي يُواجه السياسة المالية والاقتصادية في لبنان، على المدى القريب، هو المحافظة على النمو المستدام. لقد تمكن القطاع المالي اللبناني من الازدهار حتى اليوم رغم المضاربات المالية العالمية. إلا أن ارتفاع العجز المزدوج والدَّين العام أبقى لبنان عُرضة لصدمات الثقة والصدمات الخارجية. ومن هنا فإن الإدارة المالية الواعية للحفاظ على ثقة جميع المودعين والمستثمرين، المحليين والأجانب منهم، هي ضرورة حتمية للاقتصاد اللبناني، نظراً لشدّة تعرّض البنوك التجارية لمخاطر الدَّين العام. كما ان البيئة السياسية والأمنية المستقرة والاستمرار في السياسات النقدية أمور ضرورية لإدارة المخاطر بما في ذلك المخاطر الأمنية الداخلية والناجمة عن التوترات الإقليمية وحماية لبنان من آثار الأزمات المرتقبة، إما بسبب التهديدات الإسرائيلية أو بسبب تزايد عدد النازحين.
والمطلوب الآن توجيه كل الطاقات الإيجابية لإقامة مشاريع زراعية وصناعية، لأن الاستمرار في سياسة القروض من البنوك من دون استراتيجية للسوق ستؤدي الى تكرار تجربة اليونان وغيرها من الدول المتعثرة التي وصلت الى طريق مسدود. لم يعد العالم منقسما فقط الى أخيار وأشرار، او شمال وجنوب، او شيوعية وامبريالية، او فقراء واغنياء، وإنما صار العالم هذه الأيام ينقسم ايضا الى مُستهلك ومُنتج، فهناك شعوب منتجة حتى لو كان استهلاكها قليلا، وهناك شعوب مستهلكة حتى لو كان انتاجها قليلا، ولو قرأنا نسبة المستهلكين في المجتمعات العربية والانظمة المالية العربية لوجدناها في اعلى الدرجات، فنحن نستهلك كل شئ تقريبا، وكما يقال «من البابوج الى الطربوش»، ولكن نادرا ما ننتج أي شي. ان الاقتصاد اللبناني قد تحوّل في السنوات العشر الماضية الى اقتصاد مستهلك، بل مستهلك جدا، فترى ان 99% من اللبنانيين يحملون احدث اجهزة الهاتف النقال، وترى ان اجهزة «الآي فون» و«الآي بود» و«اللاب توب» وأجهزة اللمس والهمس صارت جزءاً أساسياً من حياة الأسرة اللبنانية، كما ان اقتناء السيارات الفارهة وارتفاع سعر الوقود جعل من راتب الاسرة مجرد رقم لا يصمد حتى اول اسبوع في الشهر، في حين تتراجع المواصلات العامة الى الحضيض، مقارنة مع الدول المنتجة التي تستثمر اكثر في القطارات والمترو والحافلات العامة. اما في مجتمعاتنا العربية المستهلكة فهي تميل تلقائيا الى شراء سيارات الدفع الرباعي الثمينة كحالة تعبير عن التباهي الفارغ بالنزعة الاستهلاكية التي تتحوّل رويداً رويداً إلى مؤثر مباشر لرفع الأسعار. ان كل جوانب حياتنا تتحوّل الى الاستهلاك، في حين يصبح الانتاج نادرا، فترى 20% من الشعب يعمل ويُعيل، و80% عاطلون عن العمل لا يفكرون سوى في الحصول على قروض والمزيد من الاستهلاك. وكل هذا تعبير عن فشل في سياسة الحكومات المالية التي تدفع المواطن الى اللهاث وراء المزيد من الاستهلاك. وهي مسألة وقت فقط لتنهار الانظمة المالية وتتحوّل الى نموذج فاشل سوف يدرسه طلبة الاقتصاد في عواصم العالم ليتعلموا منه ويتجنبونه.
إنّ لبنان يحتاج اليوم إلى وضع الاقتصاد الوطني على طريق النمو المستدام الشامل. فالنمو المستدام ضروري كي يتمكن لبنان من تحسين وضعه المالي والمضي قدماً لزيادة هامش الحركة المالية العامة والحفاظ على معدل دين قابل للاحتمال وخلق فرص العمل للقوى العاملة المدرّبة ذات الكفاءة والاستثمار في البيئة التي تشهد عجزاً كبيراً ودعم الدمج الاجتماعي. ولقد حالت السمات الصعبة التي ينفرد بها لبنان من حيث النظام السياسي الطائفي والمحيط الجيوسياسي دون نجاح الحكومات المتعاقبة في تنفيذ الإصلاحات اللازمة رغم الاتفاق على محتوى الإصلاحات الضرورية لتحفيز النمو. فقد استمر ازدهار القطاع المالي حتى الآن رغم الاضطرابات المالية العالمية. إلا أنّ العجز المزدوج للمالية العامة ولميزان العمليات الجارية الخارجي والدَّين العام يُبقيان لبنان عرضة للصدمات الخارجية ويحدَّان من هامش حركة النظام المالي العام. ونظراً للحجم الكبير لاستثمار المصارف التجارية في الدَّين العام فلا بد من إدارة المالية العامة بعناية للمحافظة على ثقة المودعين والمستثمرين المحليين والأجانب. كما لا بد من الاستمرار في السياسات النقدية المتينة لإدارة المخاطر وحماية لبنان من آثار الأزمة الاقليمية. فمن المستبعد استخدام الأموال المستثمرة حاليا في الدَّين الحكومي للاستثمار المنتج في حين تستمر السياسة النقدية في التأثير بشكل مباشر على أسعار الفائدة على المديين المتوسط والبعيد. وما يزال القطاع المالي يفتقد إلى حوافز قوية تشجّع على توظيف قدر مؤثر من مطلوباته في الاستثمارات المنتجة.
ويسهم قطاعا الخدمات والتجارة بما نسبته 60% من الناتج المحلي الإجمالي ويوفران 40% من الوظائف؛ ويزخر كلا القطاعين بإمكانات النمو. فقطاع الخدمات وحده وفي مقدمته الخدمات السياحية والمالية التي تشكّل عصب الاقتصاد اللبناني يسهم بحوالى 35% من الناتج المحلي الإجمالي. ويستقبل لبنان تحويلات مالية ضخمة ورؤوس أموال قادمة من الخارج. ومن أسباب تلك الميزة التي يتمتع بها القطاع المصرفي اللبناني الذي تحكمه سرية العمل المصرفي والذي أثبت مرونة كبيرة وقدرة على الصمود أمام الضغوطات الخارجية وانعدام الاستقرار السياسي الداخلي. معظم هذه الموارد المالية تُستهلك أو تُستَثمَر بشكل غير منتج، ما يحول دون التوسع في القدرات الإنتاجية وتحديثها فيعيق بذلك النمو الاقتصادي وإيجاد فرص العمل. وقد شهد الاستثمار زيادة طفيفة انصبَّت بشكل أساسي على قطاع العقارات الذي شكل ما نسبته 70% تقريباً من مجموع الاستثمارات منذ عام 1977. وقد ذهبت معظم الاستثمارات المتبقية إلى الصناعات المعدنية التي تمدّ قطاع الإنشاءات بالبضائع الوسيطة. وتعتمد هذه القطاعات بدورها في الأغلب على عمال غير لبنانيين. ومن هنا فإن التركيز على هذه الاستثمارات في هذه القطاعات يؤثر كثيراً على توظيف المواطنين اللبنانيين بينما تُوجَّه الموارد الإنتاجية إلى الأنشطة التي تقل فيها الفائدة من حيث زيادة الإنتاجية. ويُعدُّ انعدام التوازن على مستوى الاقتصاد الكلي وما ينطوي عليه من مخاطر متوقعة ما يؤدي إلى الارتفاع النسبي في أسعار الفائدة، إلى جانب العوائق الكثيرة التي تحد من القدرة على التنافس وفرص الاستثمار من أهم العوامل المُنفّرة للاستثمارات المنتجة على المدى الطويل في الاقتصاد.
لقد حددت مذكرة البنك الدولي أربعة مخاطر رئيسية، اعتبرت كل منها جسيمة. أولاً، المخاطر السياسية والأمنية. فقد أشارت المذكرة إلى أنّ البيئة السياسية الهشة في لبنان، وتوتر الأمن بالمنطقة قد شكّلا على المدى القصير أهم المخاطر. ثانياً، حددت المذكرة مخاطر الدَّين العام ومخاطر الأزمة المالية، حيث يكمن عدم الاستقرار في النظام المالي الكلي في حجم اختلال التوازن الاقتصادي، وحركة التصاعد في الدَّين العالم، كما حددت المذكرة أيضاً المخاطر المالية الخارجية التي جعلت لبنان معتمداً على تدفقات رأس المال الأجنبي سواء من المغتربين أم من المستثمرين العرب. ثالثاً، خطر برنامج الإصلاح المتعثّر؛ حيث نوّهت المذكرة بخطر المصالح الطائفية ضيّقة الأفق التي تطغي على المصالح الوطنية، والتي من شأنها أن تتفاقم مع زيادة ضغوط النظام الاقتصادي الكلي، خاصة مع الأخذ بالاعتبار السجل الضعيف لتعقب إصلاح السياسات السابق في لبنان. رابعاً، مخاطر المحفظة المتأصلة في الاقتصاد الكلي، والعمليات المؤسسية ومعوّقات القدرات.
لذلك وللتخفيف من تلك المخاطر جزئياً، على الحكومة اللبنانية وضع نصب اعينها برنامجا إصلاحيا ومعالجا للفساد، وعلى استعدادها لتنفيذ تدابير استقرار النظام الاقتصادي الكلي في الوقت المطلوب، وتكثيف الجهود بغية بناء قدرات الإصلاح. لقد أدركت مجموعة البنك الدولي وجود البيئة السياسية الهشة أثناء إعداد قروض السياسة الإنمائية لتنفيذ الإصلاحات الطموحة ضمن البرامج والمؤتمرات الدولية، وقررت مجموعة البنك الدولي خوض المخاطرة المحسوبة والمضي قدماً مع قروض السياسة الإنمائية لتنفيذ الإصلاحات، مؤمنة بوجود نافذة لفرصة لم تتحقق في نهاية الأمر. ومع ذلك، فقد تبين الأثر السلبي المحتمل لهشاشة البيئة السياسية على تنفيذ الإصلاحات المنشودة. والدرس المستفاد هو أنه ربما يكون من الأفضل حيازة سلسلة من قروض السياسة الإنمائية أو شريحة متعددة من قروض السياسة الإنمائية لتنفيذ الإصلاحات، تحدد أهدافاً إضافية أقل طموحاً. لكن سيصبح التقدم نحو الأمام بعيد المنال طالما بقيت التفاصيل في يد الأطراف السياسية اللبنانية الرئيسية ومرتهنة لمصالحها الخاصة في ظل عجزها عن وضع خطة لتحقيق سياسات للحد من الفساد وتطوير برامج انمائية لدعم الاقتصاد الوطني وإخراجه من دائرة الاستهلاك وإعادته الى خارطة الدول المنتجة.
* خبير مالي ومحلل اقتصادي.