كان اللقاء دافئاً. لغة الجسد أكدت هذا، عندما سيطرت ملامح ود وحماسة على المحادثات التي استمعنا اليها بين الرئيس دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بحضور نائب الرئيس ووزير الطاقة ومستشار الأمن القومي. لم يكن الأمر مفاجئاً، فمنذ زيارة ولي العهد الى البيت الأبيض العام الماضي، حرص ترامب على إستدعاء كبار معاونيه ليستمعوا الى الرجل الذي سيصنع التغيير ويواجه التحديات، ليس في السعودية وحدها بل على مستوى المنطقة، حيث تلعب الرياض دوراً محورياً حاسماً.
الحديث عن المشاريع المشتركة التي وفّرت ملايين الوظائف في أميركا والسعودية يشكّل استكمالاً طبيعياً للإتفاقات الضخمة التي أقرتها “قمة الرياض”، قد حرص ترامب على إسماع ضيفه، أنها “كانت أروع الإجتماعات التي عقدتها”.
لكن الزيارة الماراتونية التي يقوم بها ولي العهد لمدة ثلاثة أسابيع، تأتي على مفترقات حاسمة، ليس بالنسبة الى تعميق التعاون بين البلدين الحليفين منذ ثمانية عقود كما يقول ولي العهد، داعياً الى التنقيب في “غوغل” لمعرفة حقيقة السعودية وحقائق التاريخ، بل أيضاً بالنسبة الى التطورات الإقليمية التي تستحوذ على إهتمام البلدين وتتطلب تعميق التعاون والتنسيق لمواجهتها. التعاون في سياق مروحة من المشاريع العملاقة، التي وُضعت لتطوير مستقبل المملكة، والتي سيكون لأميركا دور في الإسهام فيها من مشروع “نيوم” الى “رؤية ٢٠٣٠”، ووضع منهجية مشتركة لمواجهة التحولات العاصفة في الإقليم، كالمضي في محاربة الإرهاب وإستئصاله، والعمل على ترسيخ الأمن والإستقرار وهو ما يستدعي مواجهة العربدة الإيرانية في دول الإقليم. كان الكلام واضحاً “إيران ليست نداً للسعودية التي ستعمل بسرعة على تطوير قنبلة نووية إذا قامت إيران بذلك”، والحكومة السعودية أقرت عشية الزيارة إنشاء ١٦ مفاعلاً نووياً للأغراض السلمية، والمضي في محاربة التطرف الذي يخرب المنطقة: الفكر الإيراني وكذلك الفكر الإخواني الذي سنلغيه تماماً “ولن يوقفني شيء عن متابعة المسيرة الإصلاحية… وحده الموت سيوقفني”.
هذه السياسات لا تثير إعجاب أميركا والدول الغربية والعربية فحسب، التي تعرف أهمية الدور السعودي في رسم مستقبل المنطقة والتوازنات الدولية، بل تثير حماسة الشباب السعودي الذي يشكل ٧٠٪ من المجتمع، وكل هذا محط إعجاب وإهتمام المسؤولين الرسميين الذين يلتقيهم ولي العهد في واشنطن، ورجال الكونغرس في نيويورك، إضافة الى كبار المسؤولين الماليين.
لن يغيب عن “سيليكون فالي” التي زارها في الماضي، لأن مشاريع الحداثة والتقنيات المستقبلية هي من صلب خطط “نيوم” و”رؤية ٢٠٣٠” ولهذا سيستكمل إتصالاته مع كبرى الشركات التكنولوجية “غوغل” و”آبل”، وبالضرورة شركة “لوكهيد مارتن” لتصنيع السلاح.
ثلاثة أسابيع وعشرات اللقاءات، في جولة عاصفة وهو الذي يقول لشبكة “سي بي أس”: “أنا وزملائي نعمل الى آخر الليل في مكتبي”.