“المسيرة” ـ ما تتأخر عليي يمّي…

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1654:

بالبسمة أكيد نحكي عنكنّ، أنتنَّ أمهات، العذراء تضحك لكنّ أندمعُ نحن؟!

ثمة شجن دائم في الحنان لماذا؟! هو فيض الحب يأخذنا الى ذاك الدمع الرقراق حين نحكي عنكِ، ولا أريد ان نحكي إلا بالبسمة، أو لنقل بفرح ولو كان مشوبا بالدمع…لا لا اضحكي أرجوكِ، ابتسمي أمي، أمهاتنا، اضحكي فأنتِ أم يا سيدتي، اضحكي رجاء، لكِ ما لك من ثروات في الأرض والسماء، وان كنتِ تنظرين الى التراب أحيانا بلوعة الشوق المدمّر. الدني أم يا ست الستات، هكذا يقولون في الضيعة والمدينة وكل بقعة تنبض حياة في الأرض، الدني أم يا ست الحبايب يا شعاعا من ضوء العذراء مريم، يا شهبا من قلب يسوع ينبض فينا لأجلنا.

الدني أم وها أنتِ تقفين يوم عيدكِ الى قبر، لماذا تفعلين؟! عودي الى بيت الفرح، ننتظركِ جميعا لنقبّل يديكِ ونحمل إليكِ الهدايا، ثمينة غير ثمينة لا يهم، خد وردة بسيطة وتغرقين في بحر الامتنان الرقراق من دمعكِ ليش هيك يا أمي؟ لا تجيبين أعرف، ثمة هدية منتظرة… ما عادت منتظرة، ناقصة، ثمة من كان يجب ان يحمل إليكِ الورود فصرت تحملينها أنتِ إليه في بيته الأبدي، وبيته الشهادة، هناك حدّ شيخ شباب الشهداء يسوع، هناك صارت العذراء أمه تنتبه إليه، تراقبه، تسأل عنه، تلحق به الى الباب لتسأله «تروقت امي؟ شو بطبخلك اليوم؟ لبست منيح برد برا، ما تنسى زوادتك يا عمري، سوق ع مهلك يمّي، ما تتأخر عليي خلّص المتراس طل ع رفاقك تطمّن ع بلادك وارجعلي دخلك يمّي»… ومنهم من لم يعد، حمل زوادة التراب وحضنها لتحضنه أمه في السماء وبقيتِ أنتِ في الشوق والانتظار…

يا أم شهيد وقفتِ عند قمّة العز، من غِمر الزعل الرب فتح لكِ جنّة، شو انك حلوة بس تدمعي ع خيال ضحكة خجولة وأنتِ عم تذكري شهيدك، شو فيكِ كرامة بس تبكي ع خيال الفخر وأنت عم تحكي عن شهيدك، شو فيكِ قوة بتخجّل متخاذل جبان متردد وقت تعلّي قلبك تـ يصرخ وينده ع القلب الغايب عنك، يا أمًا سكنكِ الوجع لا تبكي هو يوم عيدك، والعدرا لاحقتك ع الدعسة…. وماذا نكتب لكِ بعد يا أمًا يا أم الشهيد؟! أكتب لكِ بخجل المعاناة، وأنتِ تمسحين دمعاً مالحاً سميكاً يحفر أخدود الألم في وجهكِ، أرجوكِ لا تحزني أكثر، أنتِ رفعتِ الأمومة الى مصاف القداسة، قدمتِ قلبك ذبيحاً فوق أرض وطن، علّمت ابنا ان يكون رجلاً مقاتلاً لأجل الكرامة فانزرع في الأرض ليس تراباً، إنما بخوراً ليبقى لنا فوق الأرض عزاً وأرزاً ووطناً. أقبّل الألم والعنفوان والدمعة المشوبة ببسمة الرجاء حين تتلقين هدية أو قبلة ابن وابنة وأحفاد يفخرون بالشهيد، لكن يفخرون أكثر بمن علّم الشهيد قيم الشهادة وحب الأرض.

في مدرسة الضيعة وفي موضوع الإنشاء تحديدا كان السؤال البدهي «صف شعورك وعواطفك في عيد الأم»، يومذاك لم نكن نفهم أساسا ما معنى كلمة «أم شهيد»، فكنا نستفيض بصفصفة الحروف والمشاعر البريئة، وذات مرة كتبتُ في مسابقة الإنشاء «أحلا أم تلك التي تضحك وهي حزينة»، ولم أعرف ما قصدت ولا أبعاد الحروف، يومذاك وقف أستاذ العربي وسط الصف وسألني «شو بتقصدي فيرا؟» ارتبكت وخفت وأجبت مترددة «شفت أم بالضيعة ابنها قالوا عنو شهيد، لمّا عايدها ابنها التاني صارت تبكي وتضحك بذات الوقت»، توقف الأستاذ للحظة عن الكلام ونظر إليّ بعمق، ثم تقدم مني وأنا أتعرّق خوفا، قبلني في جبيني «برافو برافو برافو بكرا بس تكبري شوي بتفهمي ليش بكيت الأم وضحكت بذات الوقت»… ولما كبرت وصرت في قلب قلب القضية رأيتهن، بالمئات، بالمئات يا عالم وهن يحضن الورد فوق صورة شهيد، يبكين قليلا ثم يبتسمن لأبنائهن في الحياة، هن ملزمات ان يفعلن، ملزمات ان يبتسمن دائما للحياة ولو كان الألم كأس القلب اليومي، يا إلهي أي حب فائق هذا؟

اسمعي يا ست الستّات، اسمعي ولا تبكي، اسمعن يا أمهات هذه الأرض الخصبة الصعبة المستحيلة الغنية البخيلة الطمِّيعة التي لا تشبع منا ولا نشبع منها، وفي آخر سطر كان يجب ان يكون هو الأول، وبكلمات قليلة أيضا، لو عرفنا كم أنت تحبّين لجعلنا بلادنا جنّتك وليس جحيم خوف يذيبكِ، لكن، ومن جهة ثانية يمّي، ولأننا أبناؤك، ولأنك الأم اللبنانية المثالية الخصبة الحب ذاك، أصبحنا نحن كذلك، أحببنا الأرض يمّي بسب ما زرعتيه فينا من فائض الحب، استشهدنا يمّي لأنك أنتِ بالذات من حضّر لنا بدلة القتال، غسلتها وكويتها ووضعتها على حافة الفراش، لنلبسها نظيفة حين نهرع لنمرمغ بها تراب الأرض، وعادت البدلة إليكِ حمراء خضراء، ابتسمي يا غالية، لك مجد الحب، العذراء تحضنك في كل خطوة، عيشي فرح الحياة، تليق بك كل البسمات والضحكات العالية العالية.

بحبك يمّي أنت أحلا صورة عن أمهات بلادي، ولك كل حقول الزهر وبالألوان كلها… أنتِ أحلا ما في الدنيا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل