بولتون.. مزوّد الرئيس بالبنزين الفكري لإشعال الحروب

كتب مايكل هيرش مقالا في موقع “بوليتيكو”، تناول فيه استبدال الرئيس الأميركي دونالد ترامب لـ”جون بولتون” ذي المزاج المتقد، بمستشار الأمن القومي “اتش. آر ماكماستر” الحذِر.

ورأى الكاتب ان ترامب بذلك يحرر نفسه من آخر الرهانات على أحاديته الصارمة بشكل متزايد، في ما يتعلق بالشؤون الدولية. ومن المحتمل أن تتجاوز آثار هذا التغيير الدراماتيكي كثيرا، تجدد احتمال قيام الولايات المتحدة بمهاجمة كل من إيران وكوريا الشمالية بسبب برنامجهما النووي، وهو ما دافع عنه بولتون بقوة.

وبولتون صاحب الخطاب الفظ والحاد، هو خبير متدرّب في القانون الدولي من جامعة ييل، أمضى وقتا طويلا في البحث عن منصب في هذا المجال. هو من نزع الشرعية عن فكرة القانون الدولي ذاتها، وعن الإجراءات والمنظمات الدولية المتعددة الأطراف. وهكذا يمكن أن نتوقع من بولتون أن يزود الرئيس بالبنزين الفكري الذي يحتاج إليه لإشعال الحروب على عدد من الجبهات العالمية، بما في ذلك حرب تجارية متصاعدة.

لا يهادن

خلال العقود التي قضاها في واشنطن، اكتسب بولتون سمعته كأحد الصقور القوميين المتشدين الذين لا يهادنون. ولكن الشيء غير المفهوم هو أن بولتون يتخذ هذه المواقف بعناية وتفكر وثبات، كمفكر تحرري متشدد كان يؤمن بشدة أن الولايات المتحدة قد سلمت سيادتها لفترة طويلة جدا لمعاهدات ومنظمات متعددة الأطراف، بما فيها الأمم المتحدة. وذهب في مقالات وخطب له، إلى حدّ التساؤل عما إذا كانت “العالمية” أو القانون الدولي لهما أي شرعية بموجب الدستور الأميركي. ففي مقال نشره عام 2000، في مجلة شيكاغو للقانون الدولي تحت عنوان “هل يجب أن نأخذ الحكم العالمي على محمل الجد؟” طرح بولتون الجدل السياسي الأميركي على أنه صدام بين “طرفين”، أحدهما ما وصفه بـ”الأميركيين” مقابل “أنصار العولمة”. وأنه، بصفته “راض بأميركيته”، شارك في معركة خاسرة من أجل روح أميركا ذاتها. وكتب بولتون يقول: “وجد الأميركانيون أنفسهم محاطين بجيوش صغيرة من أنصار العولمة، حيث يتشبث كل منهم بمعاهدة جديدة أو مقترح متعدد الأطراف مفضّل له”.

ثم شرع بولتون في مهاجمة كل المواثيق المتعددة الأطراف، بما في ذلك بروتوكول كيوتو لعام 1997 بشأن الاحتباس العالمي، واتفاقية الألغام الأرضية في أوتاوا، والمحكمة الجنائية الدولية. كما هاجم اتفاقية الأسلحة البيولوجية ومنظمة التجارة العالمية، اضافة الى معاهدات أخرى متعددة الأطراف، وما زال يفعل ذلك. ومن المرجح أن تحظى التعريفات التجارية الجديدة الاحادية الجانب التي فرضها ترامب ضد الصين، بموافقة مستشاره للأمن القومي.

وكتب بولتون منذ سنوات أن العولمة «تمثل نوعًا من التكتلات العالمية من الحكومات وجماعات المصالح، وكانت تكلفة ذلك بالنسبة للولايات المتحدة تعطيل السيادة الشعبية وإضعاف قوتنا الدولية، ووضع القيود على خيارات وحلول سياستنا الداخلية والخارجية». وهذا يجعل بولتون على طرف نقيض من إجماع ساد على مدى سبعين عاما وقاد السياسة الخارجية الاميركية منذ الحرب العالمية الثانية، أي أن عالمًا قائمًا على التعاون والقانون بدلٌ من التناحر.

واترلو  دبلوماسية

ويكمن وراء موقف بولتون الحالي المعارض لأي اتفاق مع كوريا الشمالية و”الإتفاق النووي” مع إيران ، تاريخ طويل من المماحكات الداخلية التي تعيد إلى الاذهان عزمه الذي لا يتزعزع لوضع نظريته الأحادية موضع التنفيذ. ولأن كوريا الشمالية تمثل “تهديداً وشيكاً”، فقد كتب الشهر الماضي مقالة في صحيفة “وول ستريت جورنال” بعنوان “المبرر القانوني لضرب كوريا الشمالية أولاً”، قال فيه “إنه أمر مشروع تماماً” أن تضرب الولايات المتحدة دون النظر الى أي عمل متعدد الأطراف. وبالمثل، فقد كتب عن إيران، يقول إن الاتفاقية النووية التي تفاوضت عليها إدارة أوباما والتي وافق عليها مجلس الأمن الدولي كانت بمنزلة “واترلو دبلوماسية”!

وخلال فترة توليه منصب نائب وزير الخارجية لشؤون الحد من التسلح في ادارة جورج دبليو بوش ، وفي وقت لاحق سفيراً للأمم المتحدة، أغضب بولتون غالبًا حلفاء الولايات المتحدة بمواقفه المتشنجة، لدرجة أن سعى وزير الخارجية آنذاك كولين باول ومن ثم كونداليسا رايس من بعده، الى التخلص منه. وفي اجتماع عقد في لندن في نوفمبر 2003، اشتكى وزير الخارجية البريطاني جاك سترو لنظيره الأميركي من أن المواقف العدائية لبولتون تجعل من المستحيل التوصل إلى اتفاق حول برنامج إيران النووي.

وفي نفس العام، أقنع المسؤولون البريطانيون البيت الأبيض بإبقاء بولتون خارج الفريق الذي يتفاوض مع ليبيا للتخلي عن برنامجها النووي مقابل تخلي الولايات المتحدة عن خطط تغيير النظام.

الصوت لأصحاب الغرائز

لقد أثبت بولتون اخلاصه الشديد لوجهات نظره الفلسفية. وطوال مسيرته الحافلة بالتوتر في الأمم المتحدة ووزارة الخارجية (قال لي ذات مرة في مقابلة عام 2002 إنه شعر بأنه محاط بـ”الأعداء” في وزارة الخارجية)، لم يقبل بأي تدخل من الحلفاء وخاصة من موظفي الأمم المتحدة. وقبل أن يصبح سفيراً في الأمم المتحدة، اشار بولتون بشكل مؤسف الى أنه “إذا نقص مبنى المنظمة الدولية في نيويورك عشرة طوابق، فلن يفرق ذلك شيئاً”.

والآن، حين يدخل بولتون الادارة في وقت يمنح فيه ترامب الصوت الاعلى لأصحاب الغرائز المناهضة للعولمة والمؤيدة للأحادية، فما من شك ان بولتون سيشجع هذه النزعات. وسوف يكون تواقا للمضي قدما في رؤى “أميركا أولا” التي تبناها ترامب منذ حملته الرئاسية: أن الولايات المتحدة تستطيع ويجب عليها أن تعمل بمفردها كما يحلو لها. وقال ترامب في خطابه الذي ألقاه كمرشح في ربيع عام 2016، والذي حدد فيه ملامح السياسة الخارجية: “لن نسلم هذا البلد أو شعبه بعد الآن إلى أغنية العولمة الكاذبة. فالدولة القومية تظل هي الأساس الحقيقي للسعادة والوئام. وأنا متشكك في الاتحادات الدولية التي تقيدنا وتؤدي إلى انهيار أميركا. ومن الآن فصاعداً ستكون أميركا أولاً”.

ولم يكن سلف بولتون، الجنرال ماكماستر ، وهو ضابط في الجيش، ذا موقف متساهل من العولمة، لكنه كان يحث الرئيس على توخي الحذر في الانسحاب من التعاون المتعدد الأطراف. وكان كل من ماكماستر ووزير الخارجية المخلوع ريكس تيلرسون قد أيدا في الآونة الأخيرة إيجاد سبيل للحفاظ على الإتفاق النووي الإيراني، وكانت وجهات نظرهما السياسية وخلافاتهما في بعض الأحيان في الأسلوب هي التي تثير غضب الرئيس. أما الآن، مع جون بولتون ، ووزير الخارجية الجديد، المتشدد مايك بومبيو ، من المرجح أن يحصل دونالد ترامب على مساعديْن يؤيدان كل خطواته.

المصدر:
الجريدة الكويتية

خبر عاجل