#adsense

“المسيرة” – الإنفاق الإنتخابي يتخطّى السقوف… أموال طائلة تتقاسمها الخزينة والإقتصاد

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1654:

صحيح أن الإنتخابات، وخصوصا بالنسبة إلى اللبنانيين، تعني أن الديمقراطية ما زالت بخير. وهي تُطلق بلا شك دينامية تفتقد مثيلها المجتمعات خارج الزمن الإنتخابي. لكنّها من زاوية أخرى، لها أثر إقتصادي كبير كونها تدفع إلى ضخ الأموال في السوق، وهذا ما يؤدي ولو بنسب مختلفة بحسب البلدان والظروف، إلى زيادة النمو وتحريك عجلة الإقتصاد. والإنتخابات النيابية التي يجري التحضير لإجرائها في 6 أيار المقبل، تندرج حكما ضمن هذا الإطار، لا سيما أن القانون الجديد حدّد أبواباً عدّة للإنفاق لم تكن واردة في القوانين السابقة. منها قيمة القسم المُتحرك من الإنفاق، كذلك بالنسبة إلى تحديد سقف الإنفاق الانتخابي للائحة بـ 150 مليون ليرة عن كل مُرشّح ينضوي فيها. ويُشكّل هذا البند الذي لم يكن موجوداً في القانون السابق، إضافة بارزة وأهمية كبيرة… فإلى أي مدى يؤدّي حجم هذا الإنفاق إلى تحريك الإقتصاد، وكيف ينظر إليه الإقتصاديون؟

يُعتبر من النفقات الإنتخابية: كل إنفاق مباشر أو غير مباشر يهدف الى التسويق لمرشّح أو لكيان سياسي في الإنتخابات. والنفقات تبدأ منذ إعلان ترشيح الفرد ولغاية إنتهاء عملية الفرز وتشمل: إتصالات – هاتف – إنترنت – الإعلانات في وسائل الإعلام والمواد الدعائية والتسويقية مثل طبع وتوزيع المنشورات والملصقات الأعلانية والصور – بدل النقل والمواصلات – التكاليف الإدارية كبدل إيجار المكتب الإنتخابي – رواتب الموظّفين – السكرتير – الحاجب – تكاليف البريد منه وإليه – نفقات الإجتماعات العامة – بدل أتعاب المندوبين الماليين ومساعديهم الحراس الشخصيين المستشارين – النفقات المرتبطة بتوظيف أعضاء الحملة الإنتخابية كالمتخصصين في المكننة في إدارة الحملة الإعلانية.

ويقدّر خبراء الإقتصاد أنّ سقف الإنفاق في الإنتخابات النيابية المقبلة، سيتخطّى عتبة المليار ونصف المليار دولار، وأنّ هذه الحركة سترفع النمو الإقتصادي بين النصف في المئة والواحد في المئة، خصوصاً أنّ القانون النسبي مع الصوت التفضيلي يزيد من حدة المنافسة في كل المناطق، ما يحتّم زيادة في الإنفاق.

 

إيجابيات إقتصادية وسياسية

يعاني لبنان منذ سنوات من تردٍّ إقتصادي وتراجع في النمو وضيق في السيولة، تآلفت جميعها لخلق جوٍ ضاغط حرّكته المبادرات الخجولة لكنها لم تنتشله تماما من حفرة الركود. ومع أن البعض توسّم خيرا من عودة المؤسسات إلى العمل منذ بداية العام الماضي، إلا أن ما حصل لم يكن بالقدر المرتجى وظلّت الحال دون المأمول. اليوم وعشية الإنتخابات النيابية وما يتوقعه الإقتصاديون من إنفاق عالٍ بموجب القانون الجديد، وما يمكن أن يُنفق بموازاة ذلك في طرق غير مباشرة وكذلك عبر الإلتفاف على القانون، يُنتظر أن يشكل محرّكا مهمّاً للإقتصاد خصوصا أن هناك مؤشرات أخرى عديدة منها، أنها الإنتخابات الأولى بعد تمديد لأكثر من ولاية نيابية كاملة، وأنها تُجرى على أساس قانون نسبي أطلق بقوّة سباق التنافس بين المرشحين على الصوت التفضيلي، وهي المرّة الأولى التي يصل فيها عدد المتقدّمين لخوض الإنتخابات النيابية إلى 976 مرشحا. وطبعا غيرها العديد من المؤشرات.

ويرى الإقتصاديون أن هناك مستويين في مسألة تأثير الإنفاق الإنتخابي على الإقتصاد. يعود الأول إلى حجم الأموال التي ستُضخ في الحملات الإنتخابية، الأمر الذي يسرّع حركة القطاعات الإقتصادية المرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بهذا الموضوع. والثاني يتعلّق بالثقة التي تشيعها إعادة تشكيل السلطة والأمل الذي عادة ما يعلّقه الناس على السلطات الجديدة والوعود الكثيرة التي على أساسها اختاروا ممثليهم إلى الندوة البرلمانية. وفيما تبدأ مفاعيل الأول قبل الإنتخابات، تظهر مفاعيل الثاني بعدها.

وتُقدّر «الدولية للمعلومات» مجموع الإنفاق الذي يُجيزه القانون بنحو 468 ملياراً و500 مليون ليرة، أي نحو 312 مليون دولار، مُشيرة إلى إمكانية مُضاعفة هذا المبلغ نظرا إلى ما ستكون عليه العملية الانتخابية من حماوة. وبالتالي فرفع السقف المالي المسموح بإنفاقه لكل مرشح، يُشجّع على شراء الأصوات الانتخابية. كذلك أتاح القانون بعض البنود مثل تغطية نفقات استقدام الناخبين من الخارج، وأجاز تقديم بعض «المُساعدات والتقديمات»، وهذه كلها تفتح أبواب الإنفاق على مبالغ أكبر مما هو محدّد في القانون.

وثمّة من يؤكد أن هيئة الإشراف على الإنتخابات لن تكون قادرة على مراقبة ضبط كل عمليات الإنفاق الإنتخابي. ويرى هؤلاء أنّ تحديد سقف للإنفاق هو بند أساسي من الإصلاحات السياسية، للحدّ من شراء الأصوات، غير أنّ المراقبين يُشكّكون بإمكانية الدولة على الإشراف أو على مراقبة ما يُنفقه كلّ مرشّح على حملته الإنتخابية بشكل دقيق، لا سيما أنّ عدد المرشّحين النهائي قارب الألف مرشّح. وبالتالي فهناك نفقات كثيرة غير ظاهرة للعيان لا يُمكن للدولة أن تُسجّلها لا تتعلّق بالإعلانات والبوسترات والمقابلات وسوى ذلك. وهذه الثغرة قد تفتح الباب واسعاً أمام بعض المرشّحين من أصحاب الرساميل الى استغلالها وتقديم خدمات لناخبيهم من دون أن تُسجّل ضمن سقف الإنفاق على حملتهم الإنتخابية.

 

فرصة مهمّة للإقتصاد

“المسيرة” سألت الخبير الإقتصادي الدكتور لويس حبيقة عن مدى مساهمة الانتخابات النيابية في تنشيط الإقتصاد، وعلى أية مستويات يتم ذلك؟

في هذا الصدد رأى الدكتور حبيقة أن إجراء الانتخابات النيابية هو قبل كل شيء تأكيد على استمرار الديموقراطية في لبنان، وهذا أمر صحّي في الحياة السياسية اللبنانية، ومن الطبيعي أن تكون له انعكاسات على المستوى الإقتصادي المرتبط سلبا أو إيجابا بالأوضاع السياسية. والديموقراطية أساسًا تعتمد على الانتخابات بخاصة انتخابات المجلس النيابي، لأن هذا الأخير يعطي الثقة للحكومة وهو أيضًا من ينتخب رئيس الجمهورية، وهناك قانون انتخابي جديد مما يبعث الأمل أكثر في لبنان.

وأضاف: أنه من الناحية الإجتماعية، فالإنتخابات النيابية تحرّك المجتمع اللبناني بطريقة المنافسة الإيجابية بين العائلات والأحزاب والمناطق والطوائف، وتضفي أجواء إيجابية. أما من الناحية الإقتصادية، فهناك مسألة الإنفاق الإنتخابي لما يزيد على الـ900 مرشح للنيابة سوف يُنفقون الأموال مما يحرك العجلة الإقتصادية من مطاعم وفنادق ومواصلات وغيرها وسوف ينعكس الأمر إيجابًا على النمو الإقتصادي، وكذلك وسائل الإعلام التي سوف تنتعش بفضل الانتخابات النيابية، ما ينتشلها من أزمة تراجع مداخيلها في السنوات الماضية. ولفت إلى أن الحيوية الإقتصادية جراء الانتخابات النيابية، سوف تتأتّى من صرف أكثر من مليار دولار، ومهما كانت النتائج سوف تطوى صفحة قديمة ويبدأ العمل بصفحة جديدة في تاريخ لبنان.

وعما إذا كان الأداء السياسي غير السليم والأخبار عن صفقات أثّر في الفترة السابقة على الإقتصاد؟ أشار حبيقة إلى أن القرارات الخاطئة تنعكس على الإقتصاد، مما يؤثر سلبًا على النمو والحركة في البلد، وعلى ثقة الأجيال الجديدة بمستقبل لبنان، لذلك فهذه السلوكيات تُعتبر مضرّة ولها تأثيرها المهم على الإقتصاد، ويجب تجنّبها مهما كان الدافع أو السبب، آملا في أن تكون الإنتخابات محطة لتصحيح هذا المسار. خصوصا أن وصول وجوه شابة وناشطة الى البرلمان يخلق معارضة بنّاءة في الحياة السياسية، وهو أمر صحّي باعتبار أن الوجوه الجديدة يُنتظر أن تصحبها حركة جديدة في البرلمان، آملا في أن يصل أكبر عدد من المعارضين لكل أشكال الفساد. واعتبر أن الأمر يعود بالطبع الى اللبنانيين في حسن اختيار تلك الوجوه في صناديق الإقتراع.

من جهة ثانية، أشار حبيقة إلى أن تشكيل مجلس نيابي جديد ومن ثم حكومة جديدة، يُفترض به أن يُشيع جوّاً إيجابيا فيشجّع تدفّق الإستثمارات التي تراجعت خلال الفترة الماضية ما أثر على النمو. فالاستثمارات مهمة للبنان سواء أكانت محلّية أو أجنبية. وتوقّع أن تظهر الاستثمارات بعد الانتخابات النيابية شرط أن تعمل الحكومة الجديدة بجد على مكافحة الفساد وتسهيل الإجراءات الإقتصادية وخلق الجو الإيجابي المطمئن، بحيث يكون هذا الهدف من أولوياتها.

 

مجالات زيادة الإنفاق

هناك ملاحظة مهمّة يركّز عليها الإقتصاديون هي أن القانون لم يُلزم المُرشّح برفع السّرية المصرفية عن حساباته أو عن حسابات الأصول والفروع، بل نصّ فقط على إنشاء حساب لحملته الانتخابية. ويعتبرون أنه في هذه الحال يمكن للمرشح أن يلجأ إلى الصرف من حساباته غير المخصصة للإنتخابات، ولن يُعرف مصدر الأموال التي تنفق على الحملة ما إذا كانت من حساب الحملة أو من حسابه الخاص. وهذا الأمر تكتنفه الصعوبات لناحية إجراء ملاحقة للكشوفات المالية، وهو ما يسمح للمقتدرين بتخطّي السقف المحدد للإنفاق. وكذلك فإن تشريع المُساعدات والتقديمات التي تُقدّمها مؤسسات قد تكون مملوكة من أحد المُرشحين، يدفع بدوره إلى زيادة الإنفاق.

فمن المرشحين من يلجأ إلى توظيف ناخبين بهدف كسب الأصوات ولا يمكن أن يُعتبَر ما يتقاضونه، من ضمن الإنفاق الإنتخابي. وهناك أيضا العديد من الأبواب للنفقات السرّية التي لا تخضع للمراقبة، لكنها في النهاية تزيد الكتلة النقدية التي ستدخل السوق وهي بدورها تزيد من نمو الإقتصاد. يضاف إلى ذلك ما تدفعه الدولة من جهتها كبدل حجز للعسكريين لتأمين أمن الإنتخابات، وبدل أتعاب لرؤساء الأقلام وما يرافق اليوم الإنتخابي من نفقات. وهي بدورها أموال ستُضَخ في السوق.

وباب الترشح للإنتخابات النيابية الذي أقفل على 976 مرشحّاً، أدخل إلى خزينة الدولة من هذه الترشيحات مبالغ كبيرة وهي خارج إطار الإنفاق الإنتخابي. فدفْع كل مرشّح 8 ملايين ليرة لخوض الإنتخابات، جمَعَ 7 مليارات و808 ملايين ليرة، أي ما يُساوي 5 ملايين و205 آلاف دولار، هذا فقط من طلبات الترشيح. وهذه المبالغ لا يحقّ لأي مرشّح استرجاعها في حال فاز أو لم يفز في الإنتخابات، أو في حال خاض الإنتخابات أو انسحب منها لسبب أو لآخر، ما يعني أنّها دخلت الى خزينة الدولة.

ويشير الخبراء والمتابعون إلى أنه منذ اليوم بدأت تظهر الخروق لقانون تحديد سقف الإنفاق، والمرشحون يتبادلون التهم على هذا الصعيد، علما أننا بعدُ على مسافة شهر ونصف من موعد الإنتخابات. ويتوقع هؤلاء، إستنادا إلى ما يظهر حتى الآن من تفلّت، أن يرتفع الإنفاق إلى سقوف أعلى بكثير مما هو محدد في القانون، معتبرين أن هذا الإنفاق لا بد إلا أن يسري في مفاصل الإقتصاد، دافعا فيها حيوية افتقدتها منذ زمن.

 

الإنفاق الإنتخابي في القانون الجديد

حدّدت المادة 61 من قانون الانتخاب سقف المبلغ المالي الأقصى المسموح لكل مُرشّح إنفاقه أثناء فترة الحملة الانتخابية، على النحو الآتي: قسم ثابت مقطوع، يُقدّر بـ150 مليون ليرة لبنانية، يُضاف إليه قسم مُتحرّك مُرتبط بعدد الناخبين في الدائرة الانتخابية الكبرى التي ينتخب فيها وتُقدّر بـ 5 آلاف ليرة لبنانية لكل ناخب.

كذلك حدّدت المادة نفسها سقف الإنفاق الانتخابي للائحة الانتخابية بمبلغ ثابت قدره 150 مليون ليرة عن كل مُرشح ينضوي في اللائحة. ولم يكن هذا البند مدرجا في القانون السابق، وهو يُشكّل إضافة بارزة، ويحتوي على أهمية كبيرة نظراً إلى أهمية اللائحة التي يوليها بها القانون الجديد. وبذلك يُصبح السقف المالي لكل مرشح منضوٍ تحت لائحة (المقطوع الثابت من دون القسم المتحرك) نحو 300 مليون ليرة (150 مليوناً كسقف ماله و150 مليوناً كسقف ماله المحدد لكونه منضوياً تحت اللائحة).

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل