“المسيرة” – “فيروس داء الكلب” من أين أتى وكيف يعالج؟

 

كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” -العدد 1654:

فيروس داء الكلب من أين أتى وكيف يعالج؟

حاصباني: على البلديات التعاون للقضاء على ظاهرة الكلاب الشاردة

أبي حنا: أعالج من 5 الى 6 إصابات بالفيروس يوميًا

لم يكن ينقص اللبنانيين إلا داء جديد يزيد قلقهم المرضي المزمن، ففوق كل الهموم اليومية أتاهم همّ داء الكلب!! من أين جاءت هذه المصيبة؟! وكيف يصاب الكلاب بهذا الداء وما هي أسبابه وعوارض الإصابة به وسبل علاجه؟!!

لم تمر أيام على الذكرى الأربعين للضحية الأولى لظاهرة داء الكلب المتفاقمة، وخسارة شباب لبنان لإبن الـ 21 عامًا إيلي نافعة، حتى عاد كابوس الكلاب المسعورة من بلدة الدوير الجنوبية والاعتداء على سيدة وطفلين حال أحدهما كانت حرجة! فإلى متى سيبقى هذا الخطر الجديد يهدّد اللبنانيين من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب؟

دولة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة العامة غسان حاصباني يرد ويوضح، واختصاصي الأمراض الجرثومية الدكتور بيار أبي حنا يجيب عن كل علامات الاستفهام التي ارتسمت حول هذا الخطر الجديد القديم.

 

قبل 21 كانون الثاني لم تكن عضّة كلب مصاب بداء الكلب خبرًا يستحق التداول في وسائل الإعلام والتواصل وعلى كل شفة ولسان. قبل مأساة إيلي وحيد أهله الذي دخل في هذا التاريخ في غيبوبة إنتهت في 10 شباط بوفاته متأثرًا بعوارض داء الكلب لم يكن في بال أحد أن عضة كلب قادرة على فعل القتل في لبنان. فقبل وفاة إيلي المؤلمة سجّلت 10 آلاف حالة عولجت باللقاح والمصل ونجى كل الذين تعرضوا لحادثة مماثلة، كما أكد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني في مؤتمر صحافي خصّصه لظاهرة التحذير من الكلاب الشاردة وتهديدها للسلامة العامة وانتشار داء الكلب. كان على وزير الصحة أن يدقّ جرس الإنذار، ويوضح أن «منذ العام 2001 وحتى 2018 لم تسجّل سوى حالة وفاة واحدة بداء الكلب من أصل أكثر من 10 آلاف حالة عولجت، وهذه الوفاة ناتجة عن إعطاء معلومات خاطئة للجهاز الطبي. وفي المقابل سُجلت في الفترة ذاتها 11 حالة وفاة لأشخاص لم يتوجهوا الى مراكز الوزارة لتلقي اللقاح والعلاج وما زال تحقيقنا جاريًا للتأكد من أي خلل في اعتماد البروتوكول الطبي واتخاذ الإجراءات الطبية اللازمة في هكذا حالات».

من الواضح أن ظاهرة انتشار داء الكلب تتفاقم مع تداعيات النزوح السوري على مختلف الأصعدة في لبنان، من هنا لفت حاصباني في مؤتمره الى أن مراكز الوزارة استهلكت في العام 2017 نحو 5 آلاف لقاح  و500 وحدة مصل، فيما لم يتعد الاستهلاك في العام 2012 الألف و 400 لقاح وعددًا أقل بكثير من الأمصال.

وكشف حاصباني ان هذا الارتفاع المقلق في الاستهلاك ناجم عن تداعيات النزوح السوري، وإقامة آلاف العائلات في الخيم في ظلّ ظروف صعبة تعرضها للاحتكاك بالحيوانات البريّة والكلاب الشاردة، وواجب على وزارة الصحة تأمين العلاج اللازم للنازحين كما للبنانييّن على نفقة الدولة اللبنانية منعًا لانتشار العدوى. فداء الكلب مرض فيروسي يمكن الوقاية منه باللقاحات وبحسب منظمة الصحة العالمية يظهر في أكثر من 150 بلداً حول العالم. وتتسبّب الكلاب في الدرجة الأولى بحالات الوفاة الناجمة عن داء الكلب البشري حتى تصل إلى 99 في المئة من مجموع حالات العدوى بداء الكلب المنقولة إلى الإنسان. وقد حددت منظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية لصحة الحيوان ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة والتحالف العالمي لمكافحة داء الكلب هدفًا عالميًا يتمثل في إنهاء حالات الوفاة البشرية الناجمة عن داء الكلب بحلول سنة 2030.

اختصاصي الأمراض الجرثومية في مستشفى رفيق الحريري الحكومي الدكتور بيار أبي حنا يشرح لـ»المسيرة» أسباب تفاقم ظاهرة انتشار داء الكلب وعلاقة ذلك بالنزوح السوري من خلال معاينته للكثير من الإصابات يوميًا. يقول: «من خلال تسجيلنا لتاريخ المريض المصاب لاحظنا أن معظم الإصابات من النازحين السوريين الذين يقطنون في الخيم على الحدود مع سوريا. هناك نوع من الهلع من الموضوع، والأطباء البيطريون يؤكدون أن الفوضى في المعالجة هي التي زادت من مخاطر داء الكلب وأدت الى زيادة إستهلاك اللقاح زيادة في الحذر. لكن ذلك أدى الى نفاذ الكمية المتاحة من اللقاح والمصل في المستشفيات في العام 2016 كما أكد وزير الصحة أخيرًا، فكانت التعليمات بضرورة تقصّي الحقيقة حول الإصابة بفيروس الكلب مع الحرص على عدم حجب العلاج عن أي مصاب لم يتأكد من دفتر لقاحات الكلب الذي هاجمه وعضّه. فإذا كان الكلب ملقحًا على صاحبه أن يبرز دفتر لقاحاته. تعليمات وزارة الصحة كانت صارمة وواضحة «أوعا تبخلوا باللقاح على حدا!».

على رغم الكلفة العالية للقاح والمصل إلا أن سائر المستشفيات الحكومية في لبنان تقدمها مجانًا لكل مصاب مهما كانت جنسيته وعلى مدار 24 ساعة، ويؤكد د. أبي حنا أنه يعالج 5 أو 6 حالات يوميًا عندما يكون في خدمة الطوارئ، وغالبًا ما يُنقذ العلاج المصاب الذي يحضر فور إصابته بعضة الكلب، إلا أن الخطورة تبدأ مع ظهور عوارض الإصابة بداء الكلب، عندها يكون قد فات الأوان وبدأ الفيروس بتعطيل أجهزة الجسم الى أن يصل الى تدمير خلايا الدماغ فتصبح الوفاة حتمية.

لا يعيش الكلب المصاب بالفيروس أكثر من 10 أيام لذا ربما لم تجد فِرَق وزارة الزراعة وبلدية شكا الكلب المصاب الذي عضّ إيلي نافعة فقد يكون نفق بعد أن عضّ أكثر من حيوان في محيط البلدة. أما الإنسان المصاب فيعيش أكثر ويمكن أن يقاوم بحسب موقع الإصابة فكلما إقتربت العضّة من الرأس كلما زاد الخطر من تلف خلايا الدماغ، وهذه كانت حال إيلي فقد تلقى عضّة الكلب، لسوء حظه، في وجهه وقرب عينه. ويضيف د. أبي حنا أن الجرح الناتج عن العضّة يجب أن ينظّف ويبقى مفتوحًا، ومن الأفضل وضع مصل اللقاح في مكان الجرح».

بحسب الدليل الإرشادي لمنظمة الصحة العالمية، فإن تنظيف الجروح الفوري والدقيق بالصابون والماء عقب مخالطة حيوانات يُشتبه بإصابتها بداء الكلب أمر بالغ الأهمية ويمكن أن ينقذ المصاب بشكل حاسم. ويراوح معدل فترة حضانة داء الكلب من شهر الى ثلاثة أشهر، لكنّه قد يراوح بين الأسبوع والسنة بحسب موضع العضّة وسرعة دخول وانتشار الفيروس.

مناشدة وزارتي الصحة والزراعة القضاء على هذا التهديد الجديد لصحة الناس وأمنهم الصحي ضرورة، ويلفت د. أبي حنا الى أن الخطر يمكن أن يتعدى الكلاب المصابة بالفيروس الى باقي الحيوانات التي قد يهاجمها الكلب المصاب مثل القطط مثلا الأقرب للأطفال.

ومن هنا كانت مناشدة وزير الصحة للبلديات وإعلانه دقّ جرس الإنذار. وفي خطوة احترازية وجهت وزارة الصحة العامة في 17 تشرين الأول 2017 كتابا الى وزارة الداخلية والبلديات للإيعاز الى من يلزم التعاون مع وزارة الزراعة لتلقيح الحيوانات البرية والكلاب الشاردة. فواجب البلديات عدم التلكؤ في معالجة موضوع  الكلاب الشاردة، وبالطبع ليس إبادتها بل تلقيحها واتباع كل الوسائل الصحية والبيئية القانونية.

ودعا حاصباني اصحاب الحيوانات الأليفة الى تلقيحها دوريًا لدى الأطباء البيطريين والاحتفاظ بسجلات التلقيح الخاصة بالحيوان، لأنه وعلى عكس الاعتقاد الشائع فإن القسم الأكبر من الإصابات ناجم عن حيوانات أليفة، ويجب عدم الاستخفاف حتى بالإصابة بالخدش لأن الأمر قد يهدّد حياة الإنسان في حال كان الحيوان مصابًا بالفيروس.

أعراض الإصابة بداء الكلب

الأعراض الأولية لداء الكلب هي الحمى التي تترافق مع ألم شديد وشعور غير عادي بالوخز أو الحريق في موضع الجرح. ولدى انتشار الفيروس في الجهاز العصبي المركزي، يظهر التهاب تدريجي ومميت في الدماغ والنُخاع الشوكي. وقد يصعب التشخيص السريري لداء الكلب ما لم توجد علامات رهاب الماء أو رهاب الهواء الخاصة بالداء. ويمكن أن تنتقل العدوى لدى تخالط مادة ملوثة أي اللعاب بشكل مباشر مع الغشاء المخاطي البشري أو الجروح الجلدية الحديثة.

أما العلاج الوقائي بعد التعرض لداء الكلب فهو العلاج الفوري الذي يحول دون دخول الفيروس إلى الجهاز العصبي المركزي الأمر الذي يتسبب بالموت الوشيك. ويبدأ أولًا بالغسل الجيد بالماء والصابون أو بمادة منظّفة أو بمادة البوفيدون اليودي والعلاج الموضعي للجرح في أسرع وقت ممكن بعد التعرض للاصابة. ثانيًأ التلقيح عبر سلسلة من جرعات اللقاح المضاد لداء الكلب. ثالثًأ، إعطاء مصل الغلوبولين المناعي المضاد لداء الكلب.

اللقاح الوقائي لدى الانسان

حول اللقاح الوقائي يؤكد د. بيار أبي حنا أن هناك لقاحات وقائية مضادة لداء الكلب البشري كما باقي اللقاحات المضادة للأمراض الفيروسية، لكن يوصى باستخدام هذه اللقاحات لدى الأشخاص الذين يمارسون بعض المهن شديدة التعرض لخطر الإصابة بالداء مثل العاملين في المختبرات الذين يتعرضون للفيروسات الحية من فيروسات داء الكلب، وللعاملين في مكافحة الأمراض الحيوانية في البلديات ومؤسسات الرقابة الصحية وحراسة الأحراج المهددين من خلال أنشطتهم المهنية أو الشخصية بالاحتكاك المباشر بالخفافيش أو القوارض أو غيرها من الثدييات التي يحتمل إصابتها بالعدوى كابن آوى والنمس وغيرها.

ويوصى أيضاً باللقاح الوقائي للمسافرين الى المناطق الموبوءة بالداء لا سيما الأطفال من بينهم وهم الأكثر عرضة للإصابة من خلال اللعب مع الحيوانات والتعرض لعضّاتها.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل