عندما خرج البطريرك بشارة الراعي من زيارة رئيس الجمهورية ميشال عون قبل أيام، وصرح نقلا عنه ان لبنان مفلس، لم يكن يقول هذا الكلام من عندياته، وانما نقل بأمانة كلاما سمعه، ولم يتم نفيه منذ أيام. صحيح ان عددا من المسؤولين الكبار يصرون في العديد من اطلالاتهم الاعلامية على تخفيف قلق المواطنين حيال الازمة المالية – الاقتصادية التي يعانيها لبنان، لكن الصحيح أكثر أن المسوؤلين عينهم، والمحيطين بهم، وحتى المحيطين بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي صرح امس بأن لبنان بأمان، ينقلون عنه في مجالس خاصة وجهة نظر مختلفة تماما، كما أنهم يرددون معلومات مفادها ان الحاكم يجول باستمرار على كبار المسوؤلين لكي يحذرهم من اقتراب انفجار ازمة كبرى قد لا يتمكن مصرف لبنان من احتوائها، بالرغم من كل الهندسات التي يقوم بها، وبالرغم من وفرة العملات الاجنبية التي يمتلكها المصرف في احتياطاته. وما الاستعجال في عقد مؤتمر “سيدر- 1” في باريس بعد عشرة ايام، الى جانب كونه اشارة داعمة لرئيس الحكومة سعد الحريري، سوى محاولة تقودها فرنسا من اجل منع انهيار الاوضاع في لبنان، ولا سيما ان الدول العربية الغنية لم تترجم مشاركتها في مؤتمر روما قبل اسبوعين الى افعال ملموسة، ولم تظهر حتى الان نية حقيقية لترجمة حضورها المرتقب في باريس الى خطوات ملموسة بالنسبة الى الاستثمار في البنى التحتية اللبنانية. حتى الان يشارك العرب المعنيون (دول الخليج) بمستويات غير عالية، وسيكون مؤتمر “سيدر- 1″ مؤشرا مهما لناحية انخراط الدول العربية الغنية في الجهود لانقاذ لبنان من الازمة الكبيرة التي يعانيها. إن إخفاء حقيقة الوضع لا ينفع، اننا في قلب الازمة، والتسوية الرئاسية التي ربما منحت لبنان شيئا من الاستقرار السياسي، وإن بشروط ملائمة لـ”حزب الله” اكثر من غيره، لم تنجح في تحفيز نهوض اقتصادي. فالخلل البنيوي الكبير الذي يعانيه الاقتصاد، فضلا عن سوء الادارة، والفساد المستشري، وضمور الخطط الاصلاحية الجدية، واستمرار التعايش بين الدولة والدويلة، حالت كلها دون ترجمة التسوية الرئاسية نهضة اقتصادية، وبقيت البلاد تدور في حلقة مفرغة تفاقمت يوما بعد يوم، الى ان وصلنا اليوم على عتبة الانتخابات، والانهيار الاقتصادي المالي والاقتصادي في الافق المنظور.
ومن يدقق في كلام النواب الذين تعاقبوا على الكلام في جلسة مناقشة الموازنة التي جرى التسرع في توليدها، من اجل حملها الى باريس، يكتشف كم هي الازمة كبيرة. على المستوى السياسي، قلة منهم ناقشت الموازنة بدقة، وبالارقام، وغالبية عظمى القت خطبا رنانة بعناوين عامة، معظمها انتخابي. وهذا ما يدل على حجم المشكلة على مستوى الطاقم الحاكم، أكان في الحكومة أم في مجلس النواب. أما المؤتمرات، فإن نجحت فستشتري لنا وقتا مستقطعا لا أكثر، ما لم يحصل تغيير جذري في طريقة الحكم والحكومة.
إن لبنان، بإعتراف كبار مسؤوليه، يقف على شفير الانهيار، ولكن حجم الجهد لمنع الانهيار لا يزال دون حجم الازمة.