#adsense

“المسيرة”: الحكومة تتهندم للقاء المانحين في باريس.. هل ينجح “سيدر” في عملية الإنقاذ المطلوبة؟

حجم الخط

 

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1655:

هل حقاً قطعت الحكومة نصف الطريق لكسب ثقة الدول الداعمة للاقتصاد اللبناني في مؤتمر باريس (سيدر) في 6 نيسان المقبل، بإقرارها موازنة 2018، ومناقشتها في المجلس النيابي مخفِّضة العجز عما كان عليه العام الماضي؟ لا شك في أن هذا المطلب كان أحد شروط مساعدة لبنان في البرنامج الاستثماري الذي سيقدمه للمؤتمر بقيمة تفوق الـ 16 مليار دولار، تنفق على مدى 12 سنة. جو التفاؤل والوعود الكبيرة التي تحدث عنها المسؤولون اللبنانيون، لا تجاريها نظرة خبراء الإقتصاد ومعطياتهم، لناحية حجم الإيجابية التي سيجنيها لبنان من المؤتمر. أو بمعنى آخر حجم الحماسة الدولية لدعم بلد يبدو عاجزاً عن الإلتزام بالحد الأدنى من الأسس المهيِّئة لاستقطاب هكذا إستثمارات. فهل ما تضمّنته الموازنة من إصلاحات كان كافيا؟ وهل ما يُنتظر من باريس4 سيكون كافيا أيضاً؟

عدّاد مؤتمرات باريس لدعم لبنان ماليا واقتصاديا بلغ الرقم 4، فارتأى البعض أن تُطلَق عليه تسمية «سيدر1». ربما جاء ذلك للدلالة على أن هذا المؤتمر ليس تكملة للمؤتمرات السابقة بحيث لا يحمل تداعياتها وأعباءها. وربما جاء للإيحاء بأن هناك توجّها جديدا يجري التعاطي من خلاله مع وسائل إنقاذ لبنان من الجنوح نحو يونان2، مع ما يعني ذلك من ركود في الإقتصاد، وارتفاع في الدين العام، وتراجع في النمو، واجتماع هذه العوامل لدفع أي اقتصاد إلى حافة الإفلاس.

صحيح أن الحكومة اللبنانية حاولت أن تتبرّج وتتأنّق لتظهر في الشكل الأفضل أمام عيون العالم الشاخصة إليها في العاصمة الفرنسية. لكن ثمّة ما هو أكثر من ذلك ينتظره المؤتمِرون الذين لا ينثرون الأموال يمينا وشمالا من غير سؤال. وهناك من يقول إن الحكومة اللبنانية الحاملة إلى باريس برنامجا للإستثمار لا حقيبة لجمع المال، تعرف تماما ما ينتظرها، وتعرف أيضا ماذا تنتظر. على وقع هذه التحضيرات يمكن القول إن مؤتمر «سيدر» انطلق عمليا قبل أيام من الموعد الرسمي. فبالتوازي مع مناقشة الموازنة في المجلس النيابي، اجتمع في باريس ممثلون عن 43 دولة تحضيرا للمؤتمر ولتهيئة أفضل الأجواء المساعدة على إنجاحه.

موازنة على قياس المؤتمر

عملت الحكومة لخفض موازنات الوزارات بنسبة 20 في المئة، بعدما اعتبرت المؤسسات المالية الدولية أن على لبنان إدخال إصلاحات وخفض العجز والحد من استنزاف قطاع الكهرباء للنفقات. وهكذا جاءت الموازنة متضمّنة إصلاحات وحوافز لكلّ القطاعات، مما حقق وفراً ولو محدوداً في الوزارات، جعلها تستقر على أرقام 2017 بعجز اعتبره الرئيس سعد الحريري مقبولا. وقال وزير المال علي حسن الخليل «إذا سارت الأمور كما هو متوقع مع مجموعة إصلاحات نسقنا فيها مع مؤسسات دولية، يمكن أن تكون لدينا فرصة في نهاية 2018 لتحقيق نسبة نمو تتجاوز التوقعات، أي 2 في المئة إلى 2.5 و3 في المئة». لكن وزراء «القوات اللبنانية» شددوا على ضرورة إجراء إصلاحات بنيوية، معتبرين أن المجمِّلات الشكلية لا تكفي.

فالمشاريع التي أعدّها لبنان لمؤتمر «سيدر» ضمن برنامج الاستثمارات العامة (CIP) ستطرح للبحث وفق اولوياته وستواكبها مجموعة اصلاحات. فهناك اتفاق مع الجانب الفرنسي لاستحداث جهاز لمتابعة المشاريع المقدّمة لمؤتمر «سيدر» يضم ممثلين عن الدولة والمستثمرين، وذلك حرصا على تحقيق الإصلاحات من دون أي خلل أو خطأ، وضمانا لمكافحة الفساد الذي يعيق عادة المضي في مشاريع استثمارية كبيرة. وقد سبق لمجلس النواب أن أقر مشاريع تحتاج إلى تنفيذ، وظهرت حيالها رغبة من الصناديق العربية والدولية في التفاوض مع لبنان لتنفيذها، وبدأ البحث في بعضها حتى قبل مؤتمر باريس.

وعليه فالحكومة اللبنانية تعتبر أن مشروع موازنة 2018، فيه الكثير من الحوافز والاصلاحات التي تساعد على دعم مواقف لبنان واستراتيجيته في المرحلة المقبلة، أبرزها مشروع البرنامج الاستثماري الوطني للبنى التحتية المتضمّن مواضيع كتلك المرتبطة بالنقل العام والسكك الحديد والأَنفاق. فهناك دراسات ومشاريع تنفيذية ستقدم الى مؤتمر «سيدر» على أمل أن يحظى لبنان بكل الأموال اللازمة لها أي حوالى 16 مليار دولار، خلال عشر سنوات.

ففي رزمة المشاريع الاستثمارية التي ينوي لبنان طرحها، كمية من المشاريع الصغيرة في قطاع المياه يقدر عددها بـ200 مشروع من أصل 285 مشروعاً، قيمتها الإجمالية 7.6 مليارات دولار، ومشاريع للطاقة بقيمة 5.8 مليارات دولار وهي ذات مردود مالي مضمون. ومن المشاريع المقترحة أيضاً، الطريق الدائري لبيروت الذي يتطلب 5 سنوات لإنجازه، ومشاريع مائية وأخرى تطويرية في مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ طرابلس والسدود ومعامل الكهرباء، وقد لقيت اهتماماً من عدد من الدول لا سيما دول الخليج. وهذه المشاريع يمكن تمويلها عبر هبات أو قروض ميسّرة، فيما المشاريع الكبرى سيتم درس مردودها وآليات تمويلها، ومن بينها القروض المدعومة.

اللافت في الأمر أن لبنان سيحصل على الاموال بنتيجة «سيدر»، كقروض وليس كهبات. وبالتالي، فلبنان هو من سيحدد الاولويات للمشاريع التي سينفذها من خلال هذه القروض، ومجلس الوزراء سيقر المشاريع المختارة لتنفيذها، من ناحية نوعية المشروع أو مكانه الجغرافي، ما يعني أن الإستدانة مستمرّة وأن ارتفاع كلفة الدين ونسبته إلى الناتج المحلي سيستمران في النمو. هذا فضلا عن الإستنسابية في التنفيذ.

أما في ما يتعلّق بالإصلاحات المطلوبة من لبنان فيعلم الجميع أن الإصلاحات بنظر المجتمع الدولي تعني زيادة الضرائب ورفع الدعم عن السلع وخصخصة بعض مرافق القطاع العام إضافة إلى محاربة الفساد، وهي أمور غير سهلة في لبنان بل تبدو مستحيلة. والدول المانحة لن تقدّم المبلغ كلّه إلى لبنان المطلوب منه تسوية أوضاعه قبل المؤتمر عبر خفض عجز الموازنات إضافة إلى وضع خطة إقتصادية للمستقبل، لأنه بهذا العجز لن ينال الدعم المادي المطلوب. فخفض الإنفاق يقتصر على الإنفاق الجاري الذي يشكل 25 في المئة فقط من الموازنة، ولا يطال خدمة الدين العام وبند الأجور البالغ 75 في المئة منها. لذلك فإن قيمة الخفض ستكون قليلة ولا تكفي. فكيف ستتصرف الحكومة لإقناع المجتمع الدولي بتخطي كل هذه العقبات؟

إقتراحات وخارطة طريق

رئيس الرابطة العالمية لخبراء الإقتصاد في لبنان وعميد كلية إدارة الأعمال والإقتصاد في جامعة الحكمة البروفيسور روك-أنطوان مهنا، اعتبر بداية أن الموازنة بحالتها الحاضرة هي موازنة صورية فقط للذهاب إلى المؤتمر، ولا تتضمّن إصلاحات إنمائية ولا خطة إقتصادية. وقال لـ»المسيرة» إن «ما تم فعله هو خفض العجز بنسبة 20 في المئة أي من 8000 مليار ليرة إلى 7000 مليار، لكن هذا من دون التحويلات لعجز الكهرباء التي أخرجوها من المعادلة وحولوا تمويلها إلى سندات الخزينة بقيمة 2100 مليار ليرة. وإذا أضفنا كلفة عجز الكهرباء نصل إلى عجز بقيمة تفوق الـ9000 مليار ليرة، وهذا من دون احتساب فوائد سندات الخزينة لنفقات الكهرباء، ومن دون احتساب ارتفاع أسعار النفط، ما سيوصل العجز إلى حوالى 10,000 مليار ليرة. يضاف إلى أن نسبة النمو ستبقى خجولة أي في حدود 2 في المئة ما يعني أننا سنصل في نهاية العام إلى دين يفوق الـ 90 مليار دولار».

وتابع «من هنا التطلع إلى مؤتمر «سيدر». والخطة المقدّمة إلى المؤتمر كلها في البنى التحتية. وتقديري أن المبالغ التي سيحصل عليها لبنان، قد لا تفوق الـ4 مليارات دولار، وهذا غير كاف لسد العجز فكيف لخفض الدين العام»؟ وأشار إلى أننا «في «باريس 1» تلقينا هبات وقروضا ميسّرة بقيمة 659 مليون دولار وطلب المانحون إصلاحات لم يلتزم لبنان بتنفيذها. وفي «باريس 2» جمع لبنان مليارين و600 مليون دولار. وفي «باريس 3» وصلت قيمة القروض المدعومة إلى 7 مليارات و600 مليون دولار، لكن أيضا لم تحصل إصلاحات هيكلية تعيد بناء الإقتصاد. في حين أن لبنان اليوم وسط شلل إقتصادي غير مسبوق، فهناك أزمة النازحين الضاغطة واقتصاد سوري داخل الإقتصاد اللبناني. ولذلك فمن دون الإصلاحات يبقى مؤتمر «باريس 4» مجرد إبرة مورفين حتى لا ينفجر الوضع الإقتصادي ويدفع بالنازحين السوريين إلى شواطئ أوروبا».

وقال «اليوم عندنا فرصة لإقرار موازنة تحد من الهدر مثل السفرات غير الضرورية وبدل إيجارات الوزارات والإدارات العامة فلماذا لا نقدم عليها؟ ومع أن إصلاح القطاع العام الذي يستنزف 37 في المئة من النفقات بات أكثر من ضرورة، نجد أن سياسة التوظيف والزبائنية السياسية العشوائي مستمرة وبوتيرة أعلى، مما يزيد الهدر». وشدد البروفسور مهنا على أن «الفساد يكلف لبنان بحسب البنك الدولي 5 في المئة من الناتج المحلي أي حوالى 10 مليارات دولار سنويا. والكهرباء مغارة علي بابا، فلو بنينا معمل توليد لإنتاج 1300 ميغاواط لبلغت التكلفة مليار و300 مليون دولار وينتهي بناؤه خلال سنة ونصف. فلماذا نصر على البواخر بكلفة متقاربة، وهي مستأجرة فيما المعامل تبقى لنا، ويمكن ان ننفذها عبر شراكة مع القطاع الخاص»؟

وأضاف «صحيح أن قانون الإطلاع على المعلومات موجود لكنه غير مكتمل، والهيئة العليا لمكافحة الفساد غير موجودة عمليا، وهذا كله نتيجة سوء الإدارة. من هنا نقول إن لدينا فرصة الآن هي الإنتخابات النيابية، فليعمل المواطنون على تصحيح المسار وعندها لا تعود هناك حاجة لمؤتمرات دعم خارجية. يجب التخلص من أصحاب الوعود الكاذبة فمن يكذب اليوم يكذب غدا. وإذا كان الناس راضين عن هذا الواقع فلينتخبوا الأشخاص أنفسهم، وإذا لم يكونوا راضين فلينتخبوا سواهم ممن يوحون بالثقة من أصحاب المشاريع الشفافة لإنقاذ البلد. ولينتخبوا الشخص المناسب للمكان المناسب ممن يحملون برنامجا لتحويل إقتصاد البلد من ريعي إلى منتج».

مؤشرات وأسباب موجبة

الأسباب الموجبة لانعقاد المؤتمر استندت بحسب الخبراء إلى مؤشرات رئيسة، أبرزها أزمة البطالة التي تضاعفت إلى 20 في المئة، وباتت تزيد على 30 في المئة بين الشباب بعد تدفق اللاجئين السوريين. وتقادم البنى التحتيّة التي يستهلكها 6 ملايين شخص مقيم فيما هي مُعدّة لخدمة 3 ملايين فقط. وأيضا تراجع نمو الناتج المحلي من 8 في المئة قبل أزمة اللاجئين إلى 1 في المئة بعدها. ويتوقع أن تكون التمويلات المنتظرة قادرة على خلق فرص عمل تقدّر بنحو 120 إلى 160 ألف فرصة عمل سنويّة، ومن المتوقّع أن تحقّق معدّلات نمو مباشر وغير مباشر بنسبة 6 الى 8 في المئة.

وثمّة مسألة أخرى تقع تحت الضوء في قاعة المؤتمر هي أن هناك عددا من الدول المشاركة تريد أن تجعل منه محطة سياسية أيضاً وليس إقتصادية فحسب، من خلال إيصال رسائل الى الحكومة اللبنانية تتعلق بدور حزب الله في الحياة السياسية اللبنانية وأثر ذلك على إعاقة الإصلاحات وإشاعة الفوضى ما يزيد عجز لبنان حيال الإلتزام بوعوده الإصلاحية تجاه المجتمع الدولي. وثمة من يتحدث عن مواقف سياسية يجري التمهيد لإدخالها في صلب القرارات والتوصيات التي يمكن أن تصدر عن مؤتمر «سيدر» ولو أتت في صيغة كلمات أو تلميحات.

فالاهتمام الفرنسي لإنجاح المؤتمر، بحسب المتابعين، لا يلغي ضرورة إقدام لبنان على خطوات أساسية في مجال الإصلاحات المطلوبة والتي من شأنها أن توفر البيئة المؤاتية لتحقيق النجاح المرتقب للمؤتمر، والتي تعتبر في الأساس شرطاً أولياً للتمويل. فالعديد من الدول المشاركة سأل حتى قبل انعقاد المؤتمر عن الضمانات بتنفيذ الإصلاحات انطلاقاً من أن الوعود الإصلاحية اللبنانية التي كانت قد أعطيت في مؤتمرات باريس 1 و2 و3، لم يتم الإيفاء بها.

يجزم الإقتصاديون والمتابعون أنه مهما كانت نتائج المؤتمر فلبنان سيعود منتصرا من باريس. فالمبالغ المنتظر جمعها حتى وإن كانت دون المبلغ المحدد في الدراسات، تبقى مهمّة في هذه الظروف، لافتين إلى أهمية أنها ستدفع على مراحل وسيكون إنفاقها مراقبا، وهذا ما يعطي جرعة دعم للبنان. ومن إيجابيات المؤتمر أيضًا اكتشاف اللبنانيين أن الموازنات تنجز بسرعة متى قررت حكوماتهم ذلك. وردا عن سؤال عما يجب أن يكون عليه المواطنون من أمل وتفاؤل بالمستقبل؟ يقولون كيف لهذا التفاؤل أن يصمد في بلد ينخره الفساد ويُنقل عن أعلى مسؤول فيه أنه مفلس؟.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل