إثنان يمكن مع بعض المبالغة وصمهما بالغرابة والتفلّت، إن لم يكن أكثر، وهما في قمة اهتمامات عالم اليوم: دونالد ترامب وكيم جونغ أون.
وهذان الإسمان المميّزان والمتميّزان بتلك الغرابة وبالتطرّف المسلكي على الرغم من الاختلاف الجذري للنظامَين اللذين يرعيانهما، هما المؤهّلان راهناً لإهداء العالم هديّة استثنائية، لم يتمكّن غيرهما قبلهما، من تحضيرها ولفّها بورق العيد: إنهاء المشروع النووي الكوري الشمالي بعد وصوله إلى الذروة. وبعد أن أصيبت شعوب شرق آسيا ثم باقي شعوب المعمورة، بهلع لا سابق له منذ أزمة الصواريخ الكوبية، من إمكانية وصول التراشق الإعلامي والسياسي والتهريجي، إلى اللحظة الجدّية التامة حيث «الزر النووي» هو «الحل الأخير»!
«رجل الصواريخ» استمرأ الاستعراض على حافّة الهولوكوست الإفنائي.. ورأى أنّ العالم (المبهور بخفّة ظلّه!) يستحق نوبات من القلق المصيري طالما أنه يُعاقِب دولة «السعادة الأبدية» التي دفع جدّه كيم إيل سونغ من أجل بنائها أرواح ثلاثة ملايين كوري! والتي تعرّضت وتتعرّض لحصار «غير مفهوم» و«غير مبرّر»! ولعقوبات قاسية جعلتها غير قادرة على تلبية أبسط متطلبات العيش لأهلها!
والسبب في ذلك، في رأي الحفيد المُلهم، ليست الستالينية المُتبّعة في بيونغ يانغ بقياسات أشمل حتى من تلك التي اعتمدها الرفيق الجورجي في موسكو، وإنما الخارج الذي لم يستوعب ولم يقبل فرادة النموذج الماركسي الأرقى من نوعه، على ما تقول السردية النضالية للنظام!
ومدَّعٍ من ينكر أنّ تلك الاستعراضات الصاروخية كانت شبه عادية أيام أسلاف ترامب في البيت الأبيض.. بل أمكن نظام بيونغ يانغ الخروج بصادراته الخطيرة إلى من يطلبها من «الرفاق» حتى لو كان بعض هؤلاء رفاق درب في عداوة الغرب و«الامبريالية الأميركية» مثل نظام «الولي الفقيه» في إيران. بحيث أنّ المفهوم والمتعارف عليه هو أنّ الصواريخ التي تدّعي إيران إنتاجها وصناعتها هي في واقع الأمر، نماذج منسوخة عن تلك الآتية من كوريا الشمالية.. وكذا الحال بالنسبة إلى التقنية النووية إيّاها!
مع دونالد ترامب صارت الأمور السهلة صعبة!
.. وأضاءت المحاولات الإيرانية، و«ديبلوماسية الصواريخ» الواصلة إلى «حزب الله» في لبنان والحوثيين في اليمن، ثم إلى ما يُقال أخيراً، عن محاولة سورية لبناء مفاعل نووي تحت الأرض، في منطقة حمص.. (؟!) عدا عن تقنية الأسلحة الكيماوية والغازات السامة.. أضاء ذلك كله على مدى خطورة الأداء الكوري الشمالي والذي وصل في قصّة تبادل الفكاهة السوداء عن «الأزرار النووية» إلى حدود لم تتحمّلها حتى الصين وهي التي تُعدُّ شريان الحياة الوحيد الباقي مفتوحاً على كوريا الشمالية..
التصعيد المتبادل وصل إلى الذروة. ولم يقبل ترامب ما قبله غيره، لجهة الابتزاز الصاروخي المعهود. وتبيّن في المحصّلة، أن الحلول العاقلة تحتاج (في بعض الأحيان؟) إلى استثنائيين، في الأطوار الغريبة والسلوكيات النافرة.. وبعد الذروة أخذ (أو يأخذ) المنطق الطبيعي مساره نزولاً باتجاه تفكيك الصاعق النووي، طالما أن «الخيار الأخير» صار محتملاً وجدّياً، وأكبر بكثير من تهريجات الزعيم الكوري الشاب!
وهذه في الإجمال، ليست أخباراً جيدة للقيادة الإيرانية، بل ربما يكون التراجع الكوري أمام التقدم الأميركي – الصيني، أحد أسوأ «التطورات» التي أصابت وستصيب أكثر! المشروع الامبراطوري لصاحب القرار في طهران!