“المسيرة” – واشنطن: ترامب يكمل فريق الصقور: بولتون بعد بومبيو

ترامب يكمل فريق الصقور: بولتون بعد بومبيو

هل ساعدت كوريا الشمالية سوريا في بناء مفاعل جديد؟ وكيف سترد واشنطن؟

كتبت “المسيرة” – العدد 1655:

تعيين جون بولتون مستشاراً جديداً للأمن القومي في البيت الأبيض، وإقالة المستشار الحالي الجنرال المتقاعد أتش أر ماك ماستر، شكل خطوة مفاجئة وضخمة على مستوى الإدارة الأميركية الحالية، بعد إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون وتعيين مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية مايك بومبيو وزيراً لكي يترأس الدبلوماسية الأميركية وهو الشخصية التي تتبوأ هذا المنصب الرفيع من موقعه الأمني الإستخباراتي، هذه التغييرات تعطي المؤشر الواضح على نهج إدارة الرئيس دونالد ترامب في السياستين الداخلية والخارجية، والتي ستسلك بالتأكيد طابعاً متشدّداً في الملفات الخارجية ولا سيما في شؤون المنطقة وخصوصاً تجاه إيران، إضافة إلى قضايا شائكة أخرى مثل ملف كوريا الشمالية وروسيا.

وقد وصفت صحيفة نيويورك تايمز تعيين بولتون بعبارة اختصرتها بالتالي: «الجيد بخصوص تعيين جون بولتون مستشار ترامب الجديد للأمن القومي، هو أنه يقول ما يفكر فيه، والسيء فيه هو ما يفكر فيه». يأتي هذا التعيين في وقت يُفترض أن تبدأ فيه مفاوضات تاريخية مع كوريا الشمالية، ومع اقتراب الحسم في مستقبل الاتفاق النووي مع إيران الذي كان جون بولتون، السفير الأسبق للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، من أشد منتقديه.

يعتبر بولتون من المدافعين الشرسين عن استخدام القوة في الساحة الدولية، وهو لا يتفق مع الرئيس الأميركي في كل الملفات. وعلى رأس هذه الملفات حرب العراق التي ساهم بولتون في إطلاقها، بينما عبر ترامب أكثر من مرة عن معارضته لها. وبالإضافة إلى موقفه الداعم لاستخدام القوة ضد كوريا الشمالية وإيران، لبولتون أيضا آراء واضحة فيما يتعلق بملف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، ويُجمِع المراقبون في واشنطن على أن يدعم بولتون توجها صدامياً وحاداً مع روسيا.

 

 

يوصف بولتون وهو السياسي الأميركي البالغ من العمر 69 عاماً بأنه من الصقور المحافظين، مع أنه يرفض تصنيفه في هذه الخانة،ويُعتبر بأنه ثالث شخصية تشغل منصب مستشار الأمن القومي في عهد ترامب، وهكذا يؤكد المراقبون في واشنطن أن ملفات كوريا الشمالية والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني والملف الإيراني هي المسائل التي ستشهد تحركاً وتغييراً لافتاً طوال فترة تولي بولتون منصبه في البيت الأبيض، أما فيما يتعلق بالحرب في سوريا فيقف مستشار الأمن القومي الأميركي الجديد ضد الرئيس السوري بشار الأسد ويسعى لتغيير في سوريا، في انسجام مع موقفه الصارم ضدّ إيران.

 

الملف الإيراني

لعل أبرز مؤشر على التشدّد الأميركي المنتظر في التعامل مع إيران وحتى قبل أن يتسلم جون بولتون مهامه رسمياً مع بداية شهر نيسان، هو الكشف عن اجتماع رسمي ومهم عُقد في البيت الأبيض، وضمّ مستشاري الأمن القومي للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حيث ناقش هذا الاجتماع القضايا ذات الأهمية الاستراتيجية للدول الثلاث، بما في ذلك الجهود المشتركة لمواجهة التأثير الخبيث للنظام الإيراني وسلوكه الاستفزازي. وشارك في الاجتماع مسؤولون كباراً من وزارات الخارجية والدفاع والخزانة والوسط الاستخباراتي، وقد وافق القادة بحسب المعلومات الرسمية، على الاجتماع بشكل ثلاثي منتظم لتطوير وتنفيذ أطر مشتركة للحد من التهديدات للأمن الإقليمي ولتحقيق المزيد من الأمن والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط.

ويأتي هذا الاجتماع بمثابة دعم مباشر لتوجه الرئيس ترامب ومستشاره الجديد للأمن القومي حول تحديد مصير الاتفاق النووي مع إيران في شهر أيار المقبل، وهذا التوجه سيقوم على توقعات عدة: فإما أن تنسحب واشنطن من إتفاق الملف النووي أو تطالب بإدخال إصلاحات جذرية عليه من أجل وضع المزيد من الضوابط التي تمنع النظام الإيراني من النجاح في نهاية المطاف في انتاج أسلحة أو قنبلة نووية، وهذا التوجه لن تتراجع عنه الإدارة الأميركية الحالية التي أبلغت وفق ما قالته مصادر مراقبة في واشنطن، حلفاءها وأصدقاءها كما الدول الموقعة على الاتفاق أنها لا تثق مطلقاً بنظام ولي الفقيه في طهران لأنه قادر عن التهرب من ضوابط الاتفاق والتلاعب به حتى في ظل بعثات المراقبة التابعة لمنظمة حظر الأسلحة النووية. وبالتالي فإن هذا النظام قد يصل في نهاية المطاف إلى التهرب من كل التزاماته الدولية كما يفعل دائماً، وقد يصل إلى مرحلة التسلح النووي.

من هنا تشير المصادر إلى أن مستشار الأمن القومي الجديد يذهب أبعد من المطالبة بالانسحاب من الاتفاق مع إيران أو المطالبة بإصلاحه، بل الأكثر من ذلك، هو يدعو إلى استخدام القوة ضد إيران وقلب النظام فيها. وذلك على عكس توجهات وزير الخارجية المُقال أخيرا ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيمس ماتيس اللذين لا يحبذان الانسحاب من الاتفاق التاريخي.

ويؤكد المراقبون أن إيران ليست في أفضل حالاتها في هذه المرحلة، حيث أنها ستخسر حتماً من بعض الانفتاح الدولي الذي حظيت به منذ التوقيع على الاتفاق معها في العام 2015، حيث زارها منذ ذلك الحين عدد من المسؤولين الأوروبيين، أما اليوم فهناك إدارة أميركية على نقيض إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. فلا تساهل مع إيران حتى في الملفات الإقليمية أيضاً، كما أن الوضع الداخلي الإيراني ليس على أحسن ما يرام  حيث يتراجع الاقتصاد في الداخل ولا يحقق أي تحسن يذكر على الرغم من رفع العقوبات وضخ بعض الأموال. ويضاف إلى ذلك الوضع الداخلي السياسي من خلال صراع الأجنحة داخل النظام الإيراني نفسه وعودة النقمة الشعبية من خلال التظاهرات التي شهدها العديد من المدن الإيرانية والعاصمة أيضاً قبل أن ينجح الحرس الثوري في قمع حركة الاحتجاج من جديد. وبالتالي يعتبر المراقبون أن المرحلة الحالية هي الفضلى والمناسبة، للحصول من ايران على تنازلات في مفاوضات مجددة حول الاتفاق النووي تقطع عليها أي مجالات لتطوير قدراتها النووية، إضافة إلى الضغط على طهران لإبعاد تأثير قواتها ودورها الإقليمي من الخليج وصولاً إلى ساحات القتال في سوريا.

المفاوضات مع كوريا الشمالية

تؤكد المصادر المتابعة في واشنطن أن المفاوضات التاريخية المرتقبة والمباشرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في الأشهر المقبلة، ستركز على أولوية رئيسية ومهمة وتتمثل في طلب واشنطن الصريح من النظام في بيونغ يانغ وقف مبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط بشكل دائم نظراً لأن هذه المسألة وصلت إلى مراحل خطرة جداً، بالإضافة إلى التهديد الذي مثله ولا يزال النظام في كوريا الشمالية لدول الجوار في شبه الجزيرة الكورية، فإنه زاد في المرحلة الأخيرة من تهديداته بضرب الولايات المتحدة واستهداف المدن الأميركية بالصواريخ العابرة للقارات.

وأبرزت معاهد الأبحاث في واشنطن الأدلة على دور كوريا الشمالية في بناء مفاعل لإنتاج مادة البلوتينيوم في سوريا عام 2007، وقد أعلنت اسرائيل صراحة قبل أيام أنها دمرت المفاعل السوري في أيلول من ذلك العام، متسببةً بمقتل عدد من العمال الكوريين الشماليين الموجودين في الموقع. وكان إليوت أبرامز، الذي كان مسؤولاً بارزاً في «مجلس الأمن القومي» الأميركي خلال إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش قد أعلنأن «سوريا شكّلت سابقةً مريعة لمسألة منع الانتشار النووي»، مضيفاً أن «كوريا الشمالية أفلتت عملياً من العقاب في عملية بيع الأسلحة». ويخشى الخبراء أن تكون بيونغ يانغ قد ساعدت سوريا على تطوير أصول نووية أخرى. فقد أصدر «معهد العلوم والأمن الدولي» ومقره واشنطن تقريراً دعا فيه مفتشي الأمم المتحدة إلى زيارة موقع بالقرب من بلدة القصير الغربية في سوريا، مشيراً إلى أن نظام الأسد قد يكون بنى منشأةً لتخصيب اليورانيوم هناك، بمساعدة بيونغ يانغ.

ووصف مفتشو الأمم المتحدة كيف هرّبت شركات تجارية كورية شمالية أطناناً من المعدات الصناعية إلى سوريا خلال السنوات القليلة الماضية لما بدا أنه لأغراض بناء منشأة جديدة لإنتاج الأسلحة الكيميائية. وتضمنت الشحنات، التي تم تتبعها من قبل العديد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بلاطات مقاومة للأحماض وأنابيب من الصلب غير القابل للصدأ وغيرها من المواد المرتبطة بهذه المرافق. وكشفت الأمم المتحدة عن أربعين شحنةً سابقة لم يتم الإعلان عنها مرسلة من كوريا الشمالية إلى مركز بحوث جمرايا السوري، أي الهيئة التي تشرف على إنتاج الأسلحة الكيميائية، بين عامَي 2012 و2017وكشفت الأمم المتحدة أيضاَ أن بيونغ يانغ كانت ترسل مهندسين إلى مصانع سورية لإنتاج الأسلحة الكيميائية والصواريخ خلال الأشهر القليلة الماضية. واستناداً إلى إحدى الدول الأعضاء، تمّ إيجاد عناصر كورية شمالية في منشآت مماثلة في كل من حماة وعدرا وبرزة. أما الهدف المفترض لوجودهم فكان مساعدة الجيش السوري في عملياته ضد عناصر المعارضة السورية.

وبحسب المصادر فإن الإدارة الحالية أدركت فشل المفاوضات السابقة التي أجرتها الإدارات الأميركية المتعاقبة مع النظام الكوري الشمالي، والنتيجة تمثلت في أن بيونغ يانغ واصلت تصدير التكنولوجيات العسكرية الخطيرة إلى الخارجعلى الرغم من فرض عقوبات دولية متشددة، مما أدى إلى توفير أسواق لتصدير بعض من إنتاجه النووي بشكل كبير في السنوات الماضية.

قلق من التعاون بين بيونغ يانغ وطهران

وفي سياق متصل تبدي واشنطن قلقاً واضحاً من التعاون الصاروخي والنووي المشتبه به بين كوريا الشمالية وإيران. ففي أيلول الماضي، قام «الحرس الثوري الإسلامي» بعرض صاروخ بالستي جديد  حمل اسم «خورمشهر» في إطار العرض العسكري السنوي في طهران. ويقول محللون فنيون إن السلاح يشبه إلى حدّ كبير صاروخ «بي أم 25» الكوري الشمالي، الذي يصل نطاقه إلى مدى 3500 كيلومتر، وهي قدرة قد تسمح لإيران بضرب العواصم الأوروبية. وقد كانت نسخ صواريخ «شهاب» الإيرانية السابقة شبه مطابقة لسلسة صواريخ «نودونغ» الكورية الشمالية، كما أن وكالات الاستخبارات الغربية تعقّبت تبادلات ثنائية منتظمة لعلماء ومهندسين، واليوم يحاول المسؤولون تحديد ما إذا كان هذا التعاون لا يزال وثيقاً وما إذا كان قد توسّع ليطال الحقل النووي.

وفي حين لا تبدي الإدارة الأميركية وفريق الرئيس ترامب أي تفاؤل مسبق بخصوص نتائج المحادثات المرتقبة مع كوريا الشمالية، إلا أن المسؤولين المعنيين بقضية هذه المحادثات يعدون الملفات اللازمة التي قد تقنع ما وصفوه بـ»الديكتاتور» الكوري الشمالي بتقديم التنازلات في برنامجه النووي مقابل حصوله على إغراءات مشجعة وكبيرة قد تؤدي في النهاية إلى التراجع عن طموحاته الهجومية مقابل تحسين وتثبيت وضعه لاعباً في شبه الجزيرة الكورية، وتؤدي أيضاً إلى تطوير الأوضاع الداخلية في بلاده تسمح له من جديد بتثبيت عرشه في السلطة ويشعر حقيقة أنه ليس بحاجة مطلقة إلى السلاح النووي لتكريس نفوذه في الدخل وفي المنطقة الكورية.

زيارة بن سلمان

شكلت الزيارة الطويلة التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة والتي شملت واشنطن ونيويورك وبوسطن وسياتل ووادي السليكون ولوس أنجلوس وهيوستن، إحدى أهم المحطات في تكريس العلاقة الناشئة بين ولي العهد والإدارة الأميركية الحالية،وقد ركزت جولاته ومحادثاته خارج العاصمة الأميركية على اجتذاب التكنولوجيا والاستثمارات لخطة الإصلاح الجذرية التي يقوم بها والمعروفة بـ«رؤية السعودية 2030».

وفي موازاة هذا الاهتمام السعودي بخطة التطوير الداخلية، أكدّ مراقبون تابعوا هذه الزيارة عن كثب أن ولي العهد السعودي ركز في اجتماعاته في العاصمة الأميركية على كيفية تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط وعلى الخطر القادم من إيران، لجهة تركيزه على أن النظام الديني في طهران يشكل تحدياً سياسياً ودينياً لدور الرياض القيادي التقليدي في العالمين العربي والإسلامي، ويعتبر المراقبون أن المخاوف السعودية تركز على التكتيكات الهدامة للنظام الإيراني في ساحات المعارك الجديدة المحتملة مثل البحرين، و«المنطقة الشرقية» الغنية بالنفط ذات الأغلبية الشيعية في السعودية.

وفي الوقت نفسه، أكدّت السعودية من جديد اهتمامها الخاص ببناء مفاعلات للطاقة النووية المدنية، حيث يتنافس اتحاد بزعامة شركات أميركية على تقديم عطاءات بخصوص هذا المشروع. وأظهرت الرياض نيتها في تثبيتحقها في تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك. وقد حذر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بنفسه في موقف صريح أعلنه من واشنطن من أنه إذا طوّرت إيران سلاحاً نووياً، فإن المملكة «ستحذو حذوها في اسرع وقت ممكن.»

وفي الشأن الإقتصادي والاستثمارات فقد نقل ولي العهد السعودي رسالة طمأنة إلى رجال الأعمال والشركات الكبرى في القطاع الخاص الأميركي وهي أنّ السعودية مكان جيّد للاستثمار وريادة الأعمال، وأن ثمة فرصاً متكافئة لرواد الأعمال وأنّ القواعد والقوانين واضحة ومطبّقة بشكل متجانس وشفاف.

وفي هذا السياق ناقش ترامب والأمير محمد بن سلمان اتفاق العام الماضي، حول تنفيذ استثمارات سعودية مع الولايات المتحدة بقيمة 200 مليار دولار، بما في ذلك مبيعات كبيرة من الأسلحة الأميركية. وأشار الرئيس الأميركي صراحة على أن المبيعات العسكرية تساهم فى توفير أربعين ألف وظيفة للأميركيين، وبدا أن ولي العهد السعودي أعطى إشارات مطمئنة خلال زيارته العاصمة الأميركية بأن أعلن، إن التعهد السعودى باستثمارات بقيمة 200 مليار دولار قد يصل إلى 400 مليار دولار عندما يتم تنفيذه بالكامل.

وفي المحصلة يعتبر الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس أنه من الواضح أنّ السعودية تشهد ثورةً من الأعلى لا تسعى إلى تغيير طبيعة الاقتصاد السعودي فحسب، بل الأعراف الاجتماعية للبلاد ومجتمعها أيضاً. وتمثّل «خطة التحوّل الوطني» السعودية نموذجاً جديداً للعصرنة، وعلى هذا الأساس، يشير السفير روس إلى أن للولايات المتحدة مصلحةً كبرى في نجاح هذه الخطة، ولا سيّما أنّه لم يظهر في السابق أي نموذج ناجح للتطوّر في الدول العربية الكبرى.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل