#adsense

مطر: لنا الأمل الكبير بأن يزداد تفاهمنا الوطنيّ عمقًا واتّساعًا

حجم الخط

 

احتفل رئيس أساقفة بيروت المطران بولس مطر بقدّاس أحد القيامة المجيدة ، قبل ظهر اليوم، في كاتدرائيّة مار جرجس في بيروت يحيط به نائبه العام المونسنيور جوزف مرهج والمونسنيور اغناطيوس الأسمر والأبوان داود أبو الحسن ومروان عاقوري وبمشاركة الوزيرين غطاس خوري وبيار بو عاصي والنواب فؤاد السعد ونديم الجميل وإيلي عون والوزراء السابقين وديع الخازن رئيس المجلس العام الماروني وجو سركيس وإبراهيم الضاهر وسخصيات سياسية واجتماعية وحزبية وممثلي القيادات الأمنية والعسكرية . كما احتفل المطران مطر بقدّاس منتصف الليل وبعد الإنجيل المقدّس ألقى المطران مطر عظة جاء فيها:

“أيُّها الأحبَّاء،
عيدُ الفصح في إِيمانِنَا المسيحيِّ وطُقُوسِنَا الكنسيَّةِ هُو عيدُ الأَعيادِ. إِنَّه عيدُ قِيامةِ الرَّبِّ يَسوعَ وانتصَارِهِ على أَكبرِ عَدُوَّين لِلإنسانيَّةِ هُمَا الخطيئةُ والموتُ. كان رُؤسَاءُ اليهود قد تآمَرُوا عليه لِيَقتلُوه ويخلصُوا منهُ، مُتَوجِّسينَ شَرًّا من التَّعاليمِ الَّتي كان يُعلِّمُهَا ومن الأَعمالِ الَّتي كان يَعمَلُهَا، والَّتي رَاحَت تَستَهوِي بِنَظرِهِم عامَّةَ النَّاسِ بشكلٍ خطيرٍ. فَادَّعَى هؤلاءُ بأنَّ مثلَ هذا الانحرافِ الشَّعبيِّ المَشبوهِ قد يُثِيرُ حَفيظةَ الرُّومان فَيأتِي المُحتلُّونَ هؤلاء وَيَعِيثُونَ في الأمَّةِ فَسادًا وتَخريبًا. وهكذا تَوصَّلَ قيافا، وهُو عظيمُ الكهنةِ في تلك السنةِ، إلى القرارِ بأنَّه مِن الأفضلِ أَن يَموتَ واحدٌ عن الشَّعبِ على أَن يَهلكَ الشَّعبُ كلُّه. وَتَوَافقَ وَإيَّاهُم على جريمةِ الغَدرِ بِيَسوعَ.
لكنَّ يوحنَّا الرَّسولَ الَّذي دوَّنَ في إِنجيلِهِ الطاهرِ رَأيَ قيافا ومَوقفَهُ، والَّذي اعترفَ لهُ بأَنَّ كلامَهُ هذا كان بِمَثابةِ نبُوءَةٍ بفضلِ مَوقعِ رئاسةِ الكهنةِ الَّتي كانَ يَشغَلُها، أَعلنَ أَنَّ يَسوعَ لم يكن مُزمِعًا على أَن يَموتَ عن الشَّعبِ وَحَسب، بَلْ على أن يَجمعَ بِمَوتِهِ وقيامتِهِ أَبناءَ اللهِ جميعَهُم إلى واحدٍ (يوحنا 18، 14).
عيدُ الفصح إذًا هُو قمَّةُ التَّدبيرِ الإلهيِّ الَّذي أَعَادَ لِلإنسانيَّةِ فرصةَ الخلاصِ من خطاياها وانطلاقتِهَا من جديدٍ في كنفِ النِّعمةِ الَّتي سَكبَها الرَّبُّ عليها ثَمرةً لِفِداءِ مَسيحِهِ. وإذا ما تَأَمَّلنا بهذه الرَّحمةِ العظيمةِ، وبِتَاريخِهَا مع البشرِ لأَصَابَنَا الذُّهُولُ من قلَّةِ أَمانةِ الإنسانِ الَّذي رَفَضَ مَرَاحِمَ ربِّهِ وتعلَّقَ بِصَغائرَ بَشريَّةٍ لا قيمةَ لها. فاللهُ الَّذي خَلقَنا بِحُبٍّ عظيمٍ ومن دُونِ حاجةٍ منه إلينا، لم يَتركنَا بعدَ خطيئتِنَا بلْ تَحنَّنَ علينا وافتقدَنا من جديدٍ. وكم هي جميلةٌ صلاةُ صاحبِ المزمورِ السبعين الَّتي يقولُ فيها: «لا تنسَ يا رَبُّ الكرمةَ الَّتي غَرَسَتَْهَا يَمِينُكَ». فقد أقدَّمَ افتقادُ الرَّبِّ لنا عطيَّةً ما تَصَوَّرَهَا أَحدٌ، بِتَجسُّدِ ابنِهِ الحبيبِ يسوعَ الَّذي صارَ إنسانًا مِثلَنا وتقرَّبَ منَّا وهُو الإلهُ، فََمنَحنَا من أُلُوهيَّتِهِ وأَخذَ من إنسانيَّتِنا، رافِعًا إِيَّانا بهذا الحبِّ العظيمِ وبقبولٍِ من الآبِ من مرتبةِ خلائقَ على صورتِهِ ومِثَالِهِ، إلى مَرتبةِ أَبناءٍ لهُ وَارِثِينَ لِمَلكوتِهِ. كما وَهَبَ الرَّبُّ لنا في ليلةِ وداعِهِ الأخيرِ نعمةَ حُضُورِهِ السرِّيِّ بالقربانِ الأقدسِ لِيَبقَى لنا زَادًا في طريقِنَا إليه ويكونَ في أَيدِينا عربونًا لِلنَّعِيمِ ندخلُ معه بابَ سَمائِهِ العظيم. وفي قمَّةِ هذا العطاءِ الإلهيِّ لِلبشرِ يأتي صليبُ يَسوعَ عَلامةً لِلحُبِّ الأَكبر، وحامِلاً لنا مُصالحةً يُجرِيها بينَ الإنسانِ وربِّهِ وبينَ الإنسانِ والإنسانِ أخِيهِ، فَيُعِيدَ للأخوَّةِ وَهجَهَا في الكَونِ بعد أن خطَفَت هذا الوَهجَ خطيئةُ قَتلِ أَوَّلِ أَخٍ في التَّاريخِ لأَخيهِ.
عيدُ الفصح إذًا هو البدءُ بتغييرِ وَجهِ الأرضِ وَمَنحِ الإنسانيَّةِ فرصة التَّنعُّمِ من جديدٍ بالحياةِ مع المسيحِ الَّذي أَحبَّنا ومَنَحَنا بِموتِهِ وَقِيامتِهِ المُنتَصِرةِ قوَّةً لخلقِ عالمٍ أكثر إنسانيَّة، قوَامُهُ الغفرانُ وَمحرِّكُهُ المَحبَّةُ. هكذا أَدركَ بولسُ الرَّسولُ دَورَ القيامةِ في إِيمانِنَا المسيحيِّ وفي الحياةِ الَّتي دُعِينا إليها بقوَّةِ هذا الإيمانِ. فنبَّهَ المؤمنين إلى أَنَّ القيامةَ هي حجرُ الزَّاويةِ في علاقتِنَا بالمسيحِ مُعلِنًا في رسالتِهِ الأولى إلى أَهل كورنتس: «أنَّهُ لو كان المسيح لم يَقمْ فتبشيرنا باطل وإيمانكم باطل أيضًا وأنتم بعدُ مُقِيمُونَ بخطاياكم». وقد أضافَ الرَّسُولُ قائلاً: «لكنَّ الحقيقة هي أنَّ المسيح قد قام من بين الأموات وصارَ بِكرَ الرَّاقِدِين». فالموتُ كانَ على يَدِ إنسانٍ هُو آدمُ الأوَّلُ، وعلى يَدِ إنسانٍ أيضًا تكونُ قيامةُ الأموات وهذا الإنسانُ هُو الرَّبُّ يسوعَ المسيح. لذلك أطلقَ بولسُ على يَسوعَ «صفة آدم الثَّاني الَّذي افتتحَ عهدًا جديدًا بقِيامتِهِ مقابل آدم الأوَّل أبي جميعنا الَّذي افتتحَ لنا سابقًا عَهدَ الخطيئة بفعل مَعصِيَتِهِ» (كور 15، 2-20).
مع هذه الصُّورةِ الَّتي تضعُ المُقاربةَ بين الانهيارِ الرُّوحيِّ للخليقةِ في خسارتِها الفردَوس الأَوَّل مع آدمَ العَتِيقِ، وإِعادةِ بناءِ الخليقةِ مع آدمَ الثَّاني الَّذي هُو الرَّبُّ من السَّماءِ، نَتَبيَّنُ أَنَّ الضَيَاعَ الأَوَّلَ قد حدثَ بفعلِ انفصالِ آدمَ العتيقِ عن ربِّهِ «وفتحِه على حسابِهِ». فكانَ أَن حَصَدَ من جرَّاءِ هذا الانقلابِ على أُبوَّةِ الخَالِقِ بَلبلَةً كُبرَى أَفسَدَت حتَّى علاقةَ الأخوَّةِ بينَ أَبنائِهِ الَّذين صَارُوا شعوبًا تُحاربُ بَعضُهَا بَعضًا وتنفثُ سُمُوم الشَّرِّ على وجهِ كلِّ الأرضِ. ولكنَّنا بفضلِ مع هذه الصُّورةِ عينِها نتَبَيَّنُ أنَّ إِعادةَ الخَلقِ رُوحيًّا بالمسيحِ ترتكزُ إِلى عَودةِ الأبناءِ إلى أَبِيهِم وَقُبُولِ اللهِ لهم بفعلِ الفِداءِ العظيمِ، وإِلى استعادةِ رُوحِ الأخوَّةِ الَّتي ضاعَتْ منذُ قَايِين الغَادِرِ بِأَخيهِ هابيل، فبدلَ من أَن يَقبلَ المسيحُ باستمرارِ هذا التَّقتِيلِ بينَ الأخوةِ مَاتَ هُو عن أُخوَتِهِ ليردَّ إليهم بهاءَ الأخوَّةِ وحلاوةَ الحياةِ بها، في كَونٍ متضامنٍ ومتصالحٍ يَرفعُ رايةَ المحبَّةِ.
هكذا تَبدُو المسيحيَّةُ المنطلقةُ من قيامةِ المسيحِ بكلِّ أَبعادِهَا وَمَعانِيهَا، فرصَةً جديدةً مُعطاةً من اللهِ للإنسانيَّةِ، ما يجعلُ نعمةَ الفِداءِ مُكمِّلَةً لنعمةِ الخلقِ، وما يَضعُنا جميعًا في قلبِ مسؤوليَّةِ قُبُولِ هذه العَطيَّةِ في حياتِنَا، فَنَنعمَ بهذا التَّغييرِ ونعملَ من أجلِ إِيصالِ هذه العطِيَّةِ إِلى جميعِ النَّاسِ. إنَّه التَّحدِّي الكبيرُ الَّذي يُواجهُنا أمامَ وَاقعِ القيامةِ. فهَلْ نقبلُ بأن نكونَ قياميِّينَ ونسيرَ مع المسيحِ في عمليَّةِ تَجديدٍ لِنُفُوسِنَا وتجديدٍ لِهذا الكَونِ برُوحِ القيامةِ وَوَهجِ غفرانِهَا ومَحبَّتِهَا، أَو نَبقَى على الخطيئةِ الَّتي ليسَ أمامَهَا من أُفقٍ إنسانيٍّ سوى المزيدِ من الشَّقَاءِ والمزيدِ من ضياعِ الأرضِ لِفرصِ السَّماءِ؟
وكم نَرغبُ أيُّها الأخوةُ أن يَنسحبَ هذا المَوقفُ القياميُّ إلى منطقَتِنَا كما إلى العالَمِ كلِّه. فإنَّ هذه المنطقةَ بحاجةٍ إلى صَفحٍ عن كلِّ رَوَاسبِ الماضي في تاريخِ طوائفِهَا وشُعُوبِهَا وُصُولاً إلى تَخطِّي هذه الرَّواسب، وإلى إرساءِ الأخوَّةِ بينَ أبنائِهَا مع قبُولٍ لِلتَّنوُّعِ الَّذي رَضيَ اللهُ عنهُ سبحانهُ، وشجَّعَ على الإقرارِ بهِ في القلوبِ والضَّمائر. إنَّ هذا الرُّوحَ وَحدَهُ، أَيْ الرُّوحَ الَّذي أطلَقَهُ اللهُ في الأرضِ لِتَجديدِهَا وَتَجديدِ وَجهِ الكَونِ، هُو الكفيلُ بزرعِ السَّلامِ الشَّاملِ في القلوبِ وفي الرُّبوعِ وباستعادةِ فرحِ الحياةِ عندَ أَجيالٍ طالِعَةٍ لها الحقُّ بالعَيشِ وبالكرامةِ والحرِّيَّةِ الخلاَّقةِ المُبدِعَةِ.
أمَّا عندنا في لُبنانَ فَلَنَا الأملُ الكبيرُ بأن يزدادَ تَفاهُمُنا الوَطنيُّ عُمقًا واتِّساعًا، وذلك بحكمةِ فخامة رئيس الجمهوريَّة وقيادَتِهِ الرَّشيدةِ للبلادِ في جوِّ احتضانٍ يخصُّ به الجميعَ. وإنَّنا نُقدِّرُ لِلحكومةِ الجهودَ الَّتي بَذَلَتها لإِنجازِ مشروعِ الموازنةِ العامَّةِ، لِتَذهبَ إلى المؤتمراتِ العالميَّةِ الدَّاعمةِ لِلُبنانَ ومعها مصداقيَّةٌ حولَ استعدادِهَا لإصلاحِ أوضاعِ البلادِ تدريجيًّا وَدونَ إبطاءٍ. غيرَ أنَّ جرحًا نازِفًا في جسمِ لُبنانَ بَقِيَ إلى الآنَ من دونِ مُعالجةٍ فعَّالةٍٍ، أَلا وَهُو جرحُ ثلثَي أهلِ لُبنانَ الَّذينَ أُرهِقُوا دونَ سابقِ إنذارٍ بزيادةٍ على الأقساطِ المدرسيَّةِ لأولادِهِم فيما هُم بمُعظَمِهِم بَاتُوا غيرَ قادِرينَ لِوَحدِهِم على تسديدِهَا. لقد نبَّهَت الكنيسةُ مرارًا بأنَّ هذه المأساةَ ستؤدِّي، إذا ما لم تُعالَج الأُمورُ، لا سمحَ اللهُ، إلى ضربِ التَّعليمِ الخاصِّ، الَّذي قامَ في الوطنِ قبلَ الدَّولةِ والَّذي لهُ فضلٌ حتَّى على إقامتِها، وإلى تشريدِ المعلِّمين والتَّلامذةِ معًا، فيما الدَّولةُ غيرُ قادرةٍ اليومَ ولا غدًا على استيعابِ نصفِ مليون تلميذٍ لبنانيٍّ مُشَرَّدٍ في مدارسِهَا الرَّسميَّةِ، لأنَّ بناءَ مدارسَ جديدةٍ لاستيعابِهِم يتطلَّبُ مالاً وجهودًا، لا نراها اليومَ قادرةً على تأمينِها. فهَلْ يَرضَى المسؤولون بأن نصلَ بالمؤسَّساتِ التَّربويَّةِ إلى هذا المصيرِ وقد وَعَدُونَا خيرًا بمعالجةِ هذه القضيَّةِ الوطنيَّةِ كما يَجبُ؟ وهل يرضى المجلسُ النِّيابيُّ بأَن يُسجِّلَ على نفسِهِ تقاعسَهُ في اللَّحظةِ الأخيرةِ إبَّانَ جَلستِهِ المنعقدةِ في الأسبوعِ الماضِي، لِيتركَ الحبلَ على الغاربِ ويتراجعَ؟ فإنَّنا نَأملُ من هذا المجلسِ عَينِهِ أن يُصحِّحَ هذا الخطأَ الوطنيَّ الجسيمَ قبلَ العشرين من أيَّار القادمِ، أيْ قبلَ تسلُّمِ المجلسِ الجديدِ مسؤوليَّاتِهِ رسميًّا.
فالعيدُ اليومَ منغَّصٌ بهذا الدَّمِّ السَّائلِ من جرحِ لُبنانَ، وقد يكونُ الوطنُ مُقبلاً على خضَّاتٍ واسعةٍ ما لم يَقتنع المسؤولون بواجبِهِم الأساس تجاهَ تعليمِ جميعِ اللبنانيِّين. ونحن لن نتراجعَ عن المُطالبةِ بحقوقِ شعبِنا. فنسأل المسيحَ الرَّبَّ القائمَ من الموتِ، والَّذي تَحدَّى المُستحيلَ ودحرجَ الحجرَ عن بابِ قَبرِهِ، أن يُنِيرَ ضمائرَ مَسؤولينا ويُقوِّي إراداتِهِم، لِمُواجهةِ قضايا الوطنِ الكبرى كلِّها. فَصحَّةُ الوطنِ تكونُ كاملةً أَو لا تكونُ.
وليُعِدْ اللهُ علينا وعليكم هذا العيدَ بتخطِّي الصِّعابِ وإحلالِ الفرحِ والسَّلامِ في القلُوبِ والرُّبُوعِ وكلُّ عام وأنتم بخير”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل