#adsense

“المسيرة” – وها أنا أرفع عنكم مسامير العالم…

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1655:

 

 

شو عم تعمل فوق هالصليب وحدك بهالليل؟ نزال شوي ارتاح يسوع. ليش بعدك معربش ع الوجع؟ شو بدك بهالشوك والدم ينزّ من جرحك علينا وخز ضمير وجع عمر؟ لماذا تبقي عينيك علينا مثل خنجر بقلب جرح؟ كفّ عن البكاء أرجوك، قلبي ينزف ولست قادرة أن أطالك بيدي كي أُنزلك عن الصليب! ليك أنا شو هالمغرورة التافهة صدّقت نفسي أني أستطيع أن ألمسك. طيب إنزل قليلا واسترح واكسر مزراب الدمع فينا، سيطلع عليك الصباح وأنت وحيد معلّق على خطايانا في ساحات الأيام، وما ان تطلع الشمس سننسى ونشيح بوجهنا عنك ونركض على دروبنا، وتبقى أنت مثلما أنت، وحدك تحت الليل معلق على هذا الصليب، إنزل قليلا ربي، ها قد قرعت أجراس القيامة…

 

 

كانت بدأت الشمس الباهتة تشق طريقها الى السهول، يجب أن نستيقظ فثمة ما هو استثنائي ينده علينا، هناك عند أقدام الصليب، ثمة إله شاب مصلوب متوّج بالشوك ينتظر زهورنا الصغيرة، زهور الحقل، ديك الحجل، عصا مار يوسف، شقائق النعمان وما شابه، زهور الحقل كأنها تنبت يوم الجمعة ذاك، كأن الطبيعة تتحضّر لعرس الألم، ولا يكتمل العرس من دون الزهور والعطر والدمع والفرح. كيف نفرح وجسدك منخور من الوريد الى الوريد بالمسامير والأشواك وطعنات الرماح؟! كيف نفرح والدماء تحفر فوق وجهك أخاديد الألم؟ ومع ذلك تلتفت بين الألم والألم إلينا وتبتسم، من فوق الخشبة تبتسم وهم يمعنون في الطعنات، لتطمئن إلينا، لتتأكد أننا ولو لحقنا بك الى القبر، سنحمل الكفن ونجعله عطرنا ونعلن على الملأ يا عالم القبر فارغ، يسوع مش هون، وين يسوع؟ اسألوا فيرونيكا، المجدلية، سمعان بطرس، توما ذاك الذي أوصيت به أمك العذراء؟!

هو يوم، الجمعة العظيمة، يوم اختصر الكون بكلمة، الحب. مشيت معك درب الجلجلة وأنا ملاصقة للحائط، لم أجرؤ على الاقتراب أكثر، تصوّر أي جبن هذا، أي تراجع تخاذل انهيار، أي موت هذا يا ربي وأنا أنكرك بحضورك؟! مشيت قرب حائط البشر المتجمد بالحقد، وإذ تقترب صبية رائعة الجمال منك، يا للجرأة كيف فعلتها؟ فعلتها فيرونيكا ومسحت وجه يسوع، انطبعت الملامح بالدماء فوق القماش الأبيض، صار الوجه علامة الأيام، عرفنا كيف كان وجه يسوع، شعره المطعّج وكأنه مجدول، عيناه الواسعتان حيث يموج الحب الفائق، حيث الله تماما، كيف تجرأت تلك الشابة على اختراق العسكر الروماني وحقد اليهود، لتنتشل من يسوع وجهه وليصبح وجهنا على مدى الدهور؟ دقت الساعة الثالثة، طعنوا بالرمح قلب الذي به كل شيء كان، دقت الساعة الثالثة، مات يسوع على الصليب، شُققت الصخور وتفتّحت القبور وصارت الخشبة التي قالوا إنها خشبة العار، صارت خشبة المجد والخلاص، أيقونة الحياة لنا، سهرنا قبالة القبر، نريد أن نتأكد أنه سيقوم من بين الأموات وسيقهر الموت بالموت، نريد ان نشهد على الحدث الذي لم يتمكن قلم حتى الآن من وصفه، ولا قلب من ان يستوعبه، «يسوع  هو فائض نور، هو شعلة تتقد في القلب وتجتاح كل ما فينا ولا تنطفئ”، قال مرة مار بطرس. لم نستطع ان نكمل المراقبة وخذلنا يسوع للمرة الثانية، في الأولى حين غلبنا النعاس في جبل الزيتون ولم نكمل السهر معه والصلاة في ليلته الأخيرة قبل ان يعتقلوه، والثانية الآن من أمام القبر مباشرة حين سقطت الرموش فوق أهداب قلة الإيمان، نعسنا، استسلمنا، نمنا بدل ان نسهر لنراه يدحرج الحجر ويخرج بوشاحه الأحمر محاصرا بالنور كيف فعلنا، كيف استطعنا ان نغفل عن اللحظة؟ أين يسوع؟ ماذا فعلتم بربنا يا كفّار يا قتلة، وين يسوع يا مجدلية؟ ضعنا، ضاعت الحياة، انتهينا في إنسانيتنا، أصبحنا لوحدنا تعصف فينا ريح الضياع والخطيئة والموت، أين أنت إلهي أجبنا أرجوك؟ سرقوا يسوع، اختفى يسوع، ربي دخيلك عد… وبعد ثلاثة أيام بلياليها ونحن ندور في فراغ الحياة وخوائنا وقلة إيماننا تائهون نسأل عن المصلوب، وإذ يصرخ بنا الصوت إياه «إهدأي يا صبية أنا هنا»، وشعشعت الحياة من جديد، ها هو ينتفض على القبر، يدحرج خطايانا من قمم الموت ليصعد بنا الى حيث ريح الحرية، الحياة، الحب، السلام، الضوء، الضوء يا عالم، أنا هنا، أنا المسيح، أنا إلهكم أعلن عليكم القيامة، أعلن لكم مجد الرب الآتي، أشنّ عليكم حبا يفوق أي تصوّر، أي حب على الأرض، أعلن لكم الانتصار، احملوا صليبكم بفرح عظيم وأنا أنتظركم دائما لأرفع عنكم مسامير العالم… المسيح قام يا عالم.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل