#adsense

“مورين” القديسة اللبنانية المتنكرة..تحدت بصبرها ذكورية المجتمع

حجم الخط

كتبت جوزفين حبشي في مجلة “المسيرة” – العدد 1655:

 

 

كان لنا في لبنان القديسة مارينا إبنة القلمون، فأصبح لدينا اليوم فيلم ديني تاريخي روحاني روائي طويل، نحني له الرأس، ليس إيمانا برسالته الدينية المؤثرة وحسب،  بل احترامًا لمجهوده الفني والتقني والتصويري، وقوة رسالته الإنسانية والروحانية قبل الدينية.

 

 

إنه فيلم «مورين. القديسة المتنكرة» (أي مارينا باللغة السريانية) من كتابة وإخراج طوني فرج الله ومن إنتاج «الأكاديمية اللبنانية للسينما (LFA) «و»سبيريفيلم»، ومن توزيع سليم رميا. وقد تولت تنفيذ الإنتاج والمشاركة في التمثيل، النجمة تقلا شمعون فرج الله، إبنة الكاهن المتشربة الإيمان المسيحي بقدر تشربها الفن الراقي، إضافة الى نخبة من أهم الممثلين الذين تألقوا جميعهم في تجسيد شخصياتهم، مثل كارمن بصيبص ومنير معاصري وأويس مخللاتي وحسن فرحات وسمارة نهرا ومنير كسرواني ورينيه غوش وأجيا أبو عسلي والقديرغسان مسعود.

لقد نجح «مورين» في تخطّي ما تعاني منه الأفلام الدينية عادة من ضغط التابوهات والممنوعات والمحاذير في تعاطيها مع موضوعات لها علاقة بالله والقديسين والأنبياء. فكما هو معروف، لا يزال عالمنا (الشرقي والغربي) يعجز عن الفصل بين الدين والفن، بين الواقع والخيال، بين ما كتب في الكتب المقدسة كوثائق تعتبرها المراجع الدينية مستندات حقيقية، وبين الرؤية السينمائية التي لا تحدها حدود ولا يعنيها استعادة الواقع بحذافيره، بل تسعى للترويج لفكرة أو عبرة غالبا ما تكون إنسانية.

شريط «مورين» لم يواجه انتقادات وتحفظات دينية، فرسالته الإنسانية العابقة بالشجاعة والقدرة على تحمّل الظلم وتحدي الظروف في سبيل تحقيق الحلم الأغلى، هي الأقوى. بدورها قصة قديسته مؤثرة وغير معروفة كثيرا، والفيلم  يحترم التاريخ والوقائع بإعادة تجسيد تلك الفترة بشكل مقنع جدا، على رغم بعد اللغط الدائر حول بطلته  التي تُكرّم في أكثر من كنيسة شرقية، ولكل من تلك الكنائس رواية عنها مختلفة شكلا وموحدة مضمونا. كما تُكرّم أيضا عند الدروز الذين يطلقون عليها اسم الست شعواني.

قصة القديسة مارينا  المعروفة بمارينا الراهب تعود لسنة 620 ميلادية بحسب الفيلم، هي ولدت في القلمون قرب طرابلس، وتوفيت والدتها أثناء ولادتها، فرحل والدها (حسن فرحات) وترهّب، وتركها مع جدها الكاهن (منير معاصري) الذي رباها الى حين أصبحت شابة (كارمن بصيبص). مارينا أحبت لبنون (بول سيف اللافت جدا في إدارة تصوير الفيلم ) وصدمت بخيانته لها وبموت جدها وعودة والدها من الدير، فقررت الترهّب على رغم استحالة دخول الفتيات الأديار والترهّب في تلك الفترة. وهكذا قصت شعرها الطويل وتنكرت بزي راهب وانطلقت مع والدها الى دير قنوبين في الوادي المقدس وأطلق عليها اسم مارينو وعرفت بتقواها وزهدها.

وعندما سيرسلها رئيس الدير (غسان مسعود)  بمهمة إلى إحدى القرى، ستضطر للمبيت مع أحد الرهبان في خان امرأة تدعى رحيل (تقلا شمعون) لديها ابنة أخ عاهرة (وفاء حلاوي)  تغار من مورين، وأخرى بسيطة عقليا وحامل (رينيه غوش). وعندما سيكتشف حمل الفتاة، ستتهم الأخت الاخرى مورين بالأمر، وطبعا ستصمت مورين وتتحمل الظلم وتطرد من الدير وتجبر على تربية الطفل في كهف بارد وفارغ، في ظل فقر مدقع وظروف مناخية قاسية. وهنا تحل عجيبة مارينا التي استطاعت إرضاع الطفل من صدرها، فتحولت شفيعة كل الأمهات اللواتي جف حليبهن. ولم تكشف حقيقة مورين إلا عند وفاتها. وحسب الفيلم لم تدفن مورين في مقابر الدير بل في إيطاليا، وستعود رفاتها قريبا الى لبنان.

بدوره الفيلم سيعود بالخير على لبنان وعلى السينما اللبنانية التي بدأت تلمع عالميا، ولا بد أنها ستتابع مع هذا الشريط الذي يعتبر سابقة في عالم الأفلام الدينية  الطويلة من ناحية تنفيذه الراقي المستوى واحترامه المصداقية. ما شاهدناه أثناء متابعتنا العرض الخاص بهذا الفيلم التاريخي الديني، هو شبه «معجزة» تحققت، فالشريط تقنيا وفنيا أكثر من جيد على رغم بعض التطويل والبطء في الإيقاع، وعلى رغم التركيز على سرد القصة (بإطار مشهدي رائع) أكثر من الاهتمام بإبراز التطوّر الروحاني عند شخصية مورين التي لم تجعلنا نقتنع كثيرا بعلاقتها القوية بالله التي دفعتها لسلوك درب الرهبنة  والتنسك والتضحية فعلا.

فعلى ما يبدو مخرج العمل وكاتب نصه فضل ان يحوله شريطا روحانيا  يخاطب الجميع (لا المسيحيين فقط) برسالته ومشهدياته ومصداقيته في نقل الواقع، واقع ذلك الزمن القديم، من دون تجميل. وربما لذلك السبب لم يتم التركيز على العلاقة  المباشرة بين الله ومورين، بل سلط الضوء على سرد القصة الاستثنائية لتلك المرأة الشجاعة والصبورة التي تحدت التقاليد والمجتمع الذكوري في سبيل تحقيق حلمها. حلم قدم، يا للأسف، بشكل مسطح من دون ان نشعر فعلا أنه أساسي في حياة مورين، وكان يمكن إظهار مدى تعلق مورين به وبالله بطرق عديدة.

وباستثناء ذلك، لا يسعنا سوى ان نرفع القبعة لمميّزات الفيلم الكثيرة. فتماما كما تحدت مورين المجتمع الذكوري سعيا وراء تحقيق حلمها الأغلى بخدمة الله والتنسك له، تحدّى الفيلم صعوبة إيجاد التمويل الكبير في سبيل تحقيق حلمه بسينما نفتخر بها.

التمويل هو التحدي الأصعب بالنسبة لكافة صناع السينما، فكيف بالأحرى إذا كان الفيلم تاريخيا ويتطلب ديكورات واكسسوارات محددة وبناء مواقع تصوير خاصة ملائمة لتلك الحقبة، لتجيء النتيجة مقنعة وغير مصطنعة. وهذا فعلا ما لفتنا في فيلم «مورين» الذي جاء بخيلا بعض الشيء بالحوارات (وهذه نقطة تحتسب لصالحه)، لصالح  مشهدية مبهرة أعادت تجسيد تلك الحقبة الزمنية باتقان، من خلال مواقع تصوير جبلية وبحرية ملائمة تماما لمجريات القصة، وديكوراته  البانورامية الطبيعية والمبنية، والبلدة التي تم التصوير فيها (بلدة «طير حرفا» الجنوبية على حدود فلسطين الشمالية، إضافة الى  مواقع قرب قلعة المسيلحة البترونية وقرب وادي قنوبين) وأزيائه الكتانية واكسسواراته (الفخاريات) والبيوت المعتقة، وكلها عوامل تجعلنا نشيد بالإدارة الفنية (art direction) المميّزة جدا في هذا الشريط. إضافة  طبعا الى التصوير الساحر وخصوصا في ظروف مناخية قاسية، تحت ثلج حقيقي وليس مؤثرات بصرية، وهذه من أصعب المهمات خلال تنفيذ فيلم سينمائي، لأنها تخضع لمزاجية الطقس والضوء والرياح، لا لمشيئة فريق العمل.

الممثلون الذين ارتدوا «الخيش» ونزعوا عن وجوههم ألوان الماكياج الصارخ وآثار عمليات التجميل ومبضع الجراحين، ولم يخافوا من التجاعيد والشعر المنكوش واللحى غير المهذبة بالمقص، تقمصوا شخصياتهم ببراعة وتلقائية وطبيعية تحاكي تجسيد كبار النجوم العالميين لأدوارهم عادة.

تقلا شمعون سيدة الأداء الصادق تصعقنا بنظراتها حتى من دون ان تتفوه بأي كلمة، منير معاصري بأدائه الصامت المعجون بالانفعالات، هو من دون أدنى شك قيمة مضافة للفيلم، تماما مثل منير كسرواني وحسن فرحات. رينيه غوش تثير القشعريرة في الأبدان بطريقة تجسيدها دور الفتاة البسيطة عقليا.

أيضا شكّل حضور كل من السوريين غسان مسعود (النجم العالمي الذي سبق ان قدم دور صلاح الدين في الفيلم العالمي Kingdom of Heaven من إخراج ريدلي سكوت) وأويس مخللاتي، قيمة  كبيرة للشريط، ليس بحجم دورهما الضيق بمساحته، بل بعمق الشخصية وثقل حضورها.

وتبقى كارمن بصيبص التي تؤدي من خلال هذا الفيلم، أول بطولة مطلقة لها، بعد مشاركة في الفيلم اللبناني «تلّتت» مع منال ملاط وسينتيا كرم وطوني عيسى، وعدد من المسلسلات المصرية واللبنانية مثل «لآخر نفس» و«الزيبق». حتما تلفت كارمن بصيبص بدور أساسي ومحوري، صعب جدا جسديا ومعنويا، تخلت عن جمال الأنثى، فبدت حتى بشكلها الذكوري جميلة وتشع بنور سلام داخلي.

«مورين. القديسة المتنكرة» حاليا في جميع الصالات اللبنانية.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل