.jpg)
قبل قرابة شهر من المنازلة الإنتخابية المتخالطة والمتقاطعة، يجدر التوقف عند بعض التناقض بين ظواهرها وخفاياها، لمحاولة جلاء جانب من حقائقها، وفرز الواقعات عن التهويمات تحت دخانها الكثيف.
– في الواقعة الأولى، هناك فريقان متواجهان على أساس سياسي واضح ومحسوم هما: فريق “حزب الله” مع حلفائه من أحزاب ومستقلين من جهة، وفريق ينتمي في شكل أو آخر إلى أهداف “ثورة الأرز” ويمكن وضعه تحت العنوان السيادي، ويضم “التقدمي الاشتراكي” و”القوات” والكتائب” و”الأحرار” و”اليسار الديمقراطي” واللواء ريفي وشخصيات مستقلة، برغم تلاقيهم في دائرة وتباعدهم في أخرى.
فكما أن فريق “حزب الله” يخوض الانتخابات تحت عنوان “المقاومة والممانعة” مع إضافة جديدة هي مكافحة الفساد، يخوض الفريق المواجه انتخاباته تحت عنوان “السيادة ومكافحة الفساد”، وقد نجح في المحافظة على ثوابته سواء في الشعار او في تشكيل لوائح منسجمة من الخط السيادي نفسه.
وبين هذين الفريقين هناك فريق ثالث يضم التيارين الأزرق والبرتقالي لم يعتمد مبدأ سياسيًا حاسمًا بل نسج تحالفاته على أساس براغماتي مصلحي عددي في كسب المقاعد. مع الإشارة الضرورية إلى أن الأزرق حافظ على نسبة مرتفعة من التحالفات السيادية وخرقها في عدد من الدوائر لمصلحة البرتقالي شريكه في السلطة، فيما اعتمد هذا الأخير خيارًا مركنتيليًا منفعيًا خالصًا في تحالفات متلاطمة ومثيرة بتناقضها، والثابت الوحيد فيها هو مواجهتها، بل عدائيتها الموصوفة، لكل الأحزاب والفاعليات المسيحية ذات الوزن، حتى أن المراقبين تساءلوا عن حقيقة ابتعاد “تيار العهد” عن القوى المسيحية والحزب “التقدمي الاشتراكي” فقط طالما أنه يرفع شعار الانفتاح والتلاقي مع جميع المكونات، ويطرح نفسه كطرف حريص على الشراكة الوطنية.
ـ في الواقعة الثانية، أن “التيار العوني”، وتحت دخان خلافه مع “حزب الله” في دائرة كسروان – جبيل، سعى ويسعى عمليًا الى تعزيز موقع “الحزب” في سائر الدوائر. ففي بعبدا عقد تحالفًا متينًا معه، وكذلك في بيروت الثانية، وفي عاليه الشوف. بينما عكف عن سابق تصور وتصميم على تشتيت الأصوات المعارضة لـ”حزب الله” في بعلبك – الهرمل والبقاع الغربي ومرجعيون حاصبيا، وأراحه في زحله وجزين – صيدا مقابل ما لديه من أصوات ولو محدودة في المتن وعكار والكورة والبترون.
وحتى في دائرة جبيل – كسروان، سهّل وبرّر التيار العوني لـ”شريكه الاستراتيجي” لعب دور قيادي وتغطية مرشحه الهابط بالمظلة لترؤس لائحة واستدراج مرشحين متهافتين إليها لتأمين الحاصل الانتخابي.
وإلى ذلك كله، يلاحظ المراقب أن هناك نوعًا من التواطؤ السلبي او الاتفاق الضمني على مستوى معين من التناقض في الخطاب السياسي وتبادل الانتقاد كوسيلة لشد عصب قواعدهما.
ـ في الواقعة الثالثة، ليس لالتزامات تيار “المستقبل” بدعم التيار العوني في بعض الدوائر، تحديدًا في زحلة والأشرفية والكورة والبترون وزغرتا، أي تفسير في السياسة بمعناها كمبادىء وخط ونهج وأهداف وطنية. لأن توجيه أصواته لمصلحة اللوائح العونية يعني دعمًا واضحًا لحليف “حزب الله” الذي لا ينفك يعلن عن متانة التحالف الاستراتيجي مع هذا الحليف الذي يغطي سلاحه في الداخل والخارج، تأسيسًا على النص الثابت في “ورقة التفاهم” ببندها العاشر. مع أن الرئيس الحريري يكرر دائمًا تناقضه الاستراتيجي مع “الحزب” ووظائف سلاحه.
وفي هذه الثغرة ما يثير أكثر من علامة استفهام حول الدوافع التي لا يمكن وضعها إلّا في خانة المنافع.
إن براغماتية التيارين قد لا تأتي بما يتوقعانه من نتائج وحصاد مقاعد. لأن السياسة القائمة على الاستقامة ووضوح المواقف ونصاعة الأهداف لم تصبح من الماضي، بل لا يزال لها ناسها ومريدوها، وهم ليسوا قلّة.
وليس من السهل جر الناخبين إلى خيارات لا تشبههم، فلذلك يجب ألّا يفاجئهما عدم شهية القواعد لالتهام الأطباق الجاهزة.
وليس خافيًا أن خلوة الثلاثي الحريري جعجع جنبلاط الأخيرة تركت ارتياحًا واسعًا لدى القواعد الشعبية لـ”انتفاضة الاستقلال”، فهذه القواعد لم تفترق بفراقهم، بل فرضت إرادتها على لقائهم لا العكس.
يبقى أن الحسابات غير المريحة لدى بعض القوى، وأبرزها “حزب الله”، ستدفعها إلى اعتماد إجراءات وأساليب غير عادية وغير مشروعة، وقد باشرت بتنفيذها فعلاً، منها توظيفات العجلة وتسخير السلطات وإمكانات الدولة وترك الأموال الانتخابية على غاربها، ومنها طلائع الضغوط الأمنية وممارسات الترهيب كما جرى للشيخ عباس الجوهري…
ومن يدري، ربما أن استشعار الخسارات يبدّل المسارات، بما فيها مسار الانتخابات!