
تشع شمس نيسان في حديقة معراب، ثمة الكثير من الجلبة والحراك فوق، لا أعرف اساسًا ما اذا كان المكان ينام او يستريح، لا نعرف ما اذا كان ثمة تعاقب فوق لساعات الليل والنهار، لا اعرف ما اذا كان للسكينة زاوية خاصة به فوق، اللهم الا تلك اللحظات القليلة الهاربة التي يسرقها سمير جعجع، انا متأكدة انه يسرقها، ليعيد التفكير العميق قبل الانطلاق بخطوته التالية والتالية والتي بعدها وبعدها.
شمس نيسان سخية في معراب، وكذلك شمس كانون وشباط وآب، كلها شموس تدور في فلك المقر الذي لم يعرف الراحة مذ لحظة دخول الحكيم اليه بعد عودته من الاعتقال. محطات كثيرة كبيرة سجلتها أروقة المكان وناسه وأشجاره وشموسه، ولم تقف دورة الحياة عند اي منها، مصير المكان الاستمرار والاصرار والعناد، العناد اتسمعون؟!
مثل اليوم منذ ستة اعوام حاولوا اغتيال سمير جعجع بالرصاص من الغابة المحيطة بمعراب، حتى هذه الحادثة صارت عابرة في تاريخ المقر، فوق يصنعون التاريخ ويذهبون مباشرة لصنع تواريخ اخرى، اخترقت الرصاصات حائط المبنى وبالاعجوبة نجا الحكيم. باعجوبة وليس أقل، ثمة يد امتدت لتردع الغدر والحقد والجريمة، ليس عن جسد الرجل المناضل وحسب، انما عن لبنان، ونحن كل لحظة، كل ثانية نعرف ان لبنان ارض وقف لربنا ولن يريد ان يفرّط بوقفه لاحد. طويت الحادثة في ملفات الدولة، التي يغلفها غالبًا الغبار حين يتعلق الأمر ببعض الأشخاص، ثمة غبار غب الطلب في الملفات الأمنية للدولة، منها من لا تلحق ان يصلها الغبار ومنها من يصبح العنكبوت بيتها المحكم الخيوط، محاولة اغتيال سمير جعجع صارت في بيت العنكبوت ولا بأس، لا بأس، حسبنا ان الرجل انقذته الاعجوبة، والاهم ان الوطن ايضًا نجا معه وليس اقل من ذلك.
دخلت الرصاصات في الحائط لكنها دونّت في سجلات معراب، هذا مكان كما ذكرنا، يُصنع فيه تاريخ مجيد حقيقي من تاريخ لبنان، تاريخ يليق بعظمة هذا الوطن، بابطاله، بشهدائه، بمناضليه، بماضيه وحاضره لاجل مستقبله، فلن يتوقف على لحظة اخترقت رصاصة المكان، لكنه في المقابل يحتفظ بالرصاصات في جيبه، تحتفظ معراب بالرصاصات ليس لتنتقم، لا مكان لمنطق الانتقام هنا، هنا نقاوم، نواجه، نحاور، نطلق العمليات الانتخابية، نقيم الاحتفالات الدينية والفنية والندوات، نصنع وطنًا يشبهنا، ونريد ان نعممه على كل مساحات الـ10452 كيلومترًا مربعًا تلك، ونعمل المستحيل لاجل ذلك. انقف عند رصاصة خائبة ارتطمت بحائط لان رب السما شاء ذلك واحبط محاولة ناس من اهل الارض؟
الرصاصة لا زالت في جيب معراب، ولكن معراب صارت ابعد بكثير بكثير من حدود المكان والرصاص والحقد المرصود لها، صرنا على مساحة وطن نوزع مرشحينا، صرنا أهم الاحزاب وأثرها عراقة في مفكرة العالم، صرنا أكثر الأحزاب نظافة وكفاءة وشفافية واحتراما لحالنا ولمواطنينا ولحقوق الناس، صرنا اكثر الاحزاب المناضلة لأجل الانسان في لبنان، ولاجل المواطنية الصحيحة، انقف عند حدود رصاصة وحائط؟!
هنا معراب، وها هو سمير جعجع يتمشّى تحت شمس نيسان، يقطف مواسمه ويملأها في كوارة لبنان، اساسًا هو لا يفعل غير ذلك، يزرع ويحصد ليملأ خوابي لبنان بالخيرات، لذلك ثمة من يتربص به، من يهيىء له الرصاص حزمًا حزمًا، وهو يرد برصاص يقتل ابشع ما في الانسان، الحقد، يدير الخد الايسر، يتمثّل بالسيد المسيح، والخد الايسر ليس استسلامًا انما قصف بوابل الصمود والعناد على الاستمرار في طريق الحق، واعرف، اعرف ان يسوع معه ومعنا وان خدنا الايسر جاهز لكل الصفعات المرتدة الى اصحابها، هكذا علّمنا يسوع وهكذا تمشي معراب بكل فخر تحت نيسان لكن…ما زالت الرصاصات في جيبها الى ان يحين الوقت، واوقاتنا ليست متحفزة الا للعدالة.
