#adsense

“المسيرة” – “حزب الله” والإنتخابات… لماذا هذا الخوف؟

حجم الخط

 

لا يخفي “حزب الله” قلقه من نتائج الإنتخابات النيابية وأكثر من يعبّر عن هذا القلق أمينه العام السيد حسن نصرالله الذي لم يتوانَ عن تكرار تهديده بأنه سيقوم شخصيًا بحولات في مناطق البقاع من أجل دعم لائحته مع حركة “أمل” ومنع اختراقها متجاوزًا التهديدات الأمنية على حياته، ومعتبرًا أن هذه الإنتخابات ربما هي أخطر مما يواجهه من خطر الظهور منذ حرب تموز 2006، وأخطر مما واجهه في الحرب في سوريا. هذا القلق كان واضحًا قبل افتتاح جادة الملك سلمان في بيروت وسيتضاعف بعده، خصوصًا لجهة تقييم الحزب لنتائج هذه العودة السعودية إلى الشارع اللبناني ومن خلال الصورة التي جمعت الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع والنائب وليد جنبلاط حتى لو أتت بعدما تم نسج التحالفات الإنتخابية التي لم تكن على مستوى وحدة هذه العلاقة الثلاثية بين الأقطاب الثلاثة.

تختلف استراتيجية السيد حسن نصرالله كثيرا عن استراتيجة السيد موسى الصدر في مقاربة العلاقة مع مسيحيي منطقة بعلبك والهرمل. الأول يريد مصادرة قرارهم وفرض من لا يمثلهم عليهم في مجلس النواب، بينما الثاني أراد أن يحميهم بعباءته. فأين عباءة السيد موسى اليوم من عباءة السيد حسن؟

بتاريخ 27 حزيران 1975 ودّع الإمام الصدر عائلته ليبدأ اعتصامه الشهير في مسجد الصفا- الكلية العاملية هادفًا وضع حدٍّ لإنقاذ لبنان. وعلى إثر اعتداءات على بلدة القاع وبلدات أخرى أنهى الإمام الصدر اعتصامه متوجهًا إلى اللبنانيين بنداء تاريخي لا تزال أصداؤه تترد حتى اليوم متوسِمًا فيهم المسؤولية للتسامي على كل الصغائر ما عدا المصلحة الوطنية الكبرى. “يا أبناء بعلبك الهرمل الأبطال، أيتها البقاع البطلة، من بيت الله وفي حال المثول بين يديه أوجه إليكم هذا النداء… إنني بعد أن شاهدت أن الأسلحة الفتاكة المنتشرة بين أيدي الناس بدأت تفتك بالوطن فتمزقه، وتفتك بالأبرياء فتشوّه سمعة البلاد والعباد، وتسحق مستقبل المنطقة. إنني بعد أن شاهدت ذلك، ولاحظت أن أية خطوة عنيفة أخرى، مهما كانت النوايا فيها، ستساعد على تمزيق الوحدة الوطنية وعلى تدمير المعالم الإنسانية، لذلك اخترت الصيام والاعتصام… ذلك لكي أضع مع أصدقائي حدًّا للعنف، ونتغلب على السلاح، ونصون وحدة وطننا، ونحمي جوارنا، ونوفّر قوتنا وبأسنا لعدونا. وبالنتيجة نفتح الصفحة الجديدة القديمة التي عشناها وحفظناها فحفظتنا، وأصبح لبنان قدوة حضارية للعالم حتى للبلاد الأكثر تقدمًا… إن أبناء دير الأحمر والقاع وشليفا هم أبنائي كأبناء عرسال والعين واليمونة والهرمل ودار الواسعة، إنكم جميعًا مدعوون اليوم للقيام بالخطوة التاريخية وللتسامي على كل الصغائر، بل على كل أمر عدا المصلحة الوطنية الكبرى وحفظ حقوق الجار لعلّ الله يفرِّج على الوطن ويرحمنا.

إنني أقول لكم أخيرًا، إن كل طلقة تُطلق على دير الأحمر أو القاع أو شليفا… إنما تُطلق على بيتي وعلى قلبي وعلى أولادي، وأن كل فرد يساعد على تخفيف التوتر أو إطفاء النيران، إنما يساهم في إبعاد النار عني وعن بيتي وعن محرابي ومنبري.

إنما أقول لكم ذلك بالحقيقة كل الحقيقة، ولا أبالغ في ما أقول، وسأتوجه إليكم في وقت قريب بإذن الله، فإلى اللقاء مع حفظ الأمانة”.

السيد موسى الصدر كان يريد التوجه إلى المنطقة من أجل بناء السلام فلماذا يريد السيد حسن نصرالله أن يجول فيها من أجل إعلان الحرب؟

ثمة أسباب كثير تدعو “حزب الله” إلى تحصين وضعه الإنتخابي. ولكن من غير أن يحول هذه الجولة الإنتخابية إلى قضية حياة أو موت. بعد انتهاء عملية تشكيل اللوائح الإنتخابية يواجه الحزب تحديات كثيرة:

لم يستطع أن يوافق على ما يقال عن أنه ستكون له الأكثرية النيابية مع حلفائه ولذلك اختار أن يركز على الحصول على المقاعد الشيعية السبعة والعشرين كضمانة للإمساك بقرار الطائفة ولمنع تجاوزه على قاعدة أن كل جلسة لمجلس النواب لا تتأمن فيها الميثاقية الوطنية من خلال مشاركة النواب الشيعة تكون ساقطة.

حتى هذا الإحتكار للتمثيل الشيعي ليس مضموناً لدى الحزب. فهو لم يستطع أن يكون ضمن تحالف قوي يؤمن وصول مرشحه الشيخ حسين زعيتر عن مقعد جبيل بعدما اختار أن يسميه بدلاً من أن يظل من حصة التيار الوطني الحر وكاد يفشل في تشكيل لائحة تضمه، ولا يضمن على رغم ذلك أن تحصل هذه اللائحة على حاصل انتخابي يؤمن فوزه. وهو يخشى أن يتعرض لخسارة أحد المقاعد الشيعية في بعلبك الهرمل نتيجة الإعتراض الشعبي على أداء نوابه ووزرائه في المنطقة، الأمر الذي دفعه إلى إعطاء هذه المسألة أولوية قصوى من دون أن يتمكن من الحد منها وتطويقها. وبالتالي فهو أمام معركة مواجهة على خمسة مقاعد: مقعدين سنيين ومقعد ماروني ومقعد روم كاثوليك ومقعد شيعي، حتى أنه لم يستطع أن يحول دون إعلان الأمين القطري السابق لحزب البعث فايز شكر تشكيل لائحة.

يواجه “حزب الله” مسألة عدم القدرة على التوفيق بين حلفائه. وهذا الفشل ترجم خصوصًا في دائرة الشوف – عاليه حيث ذهب كل من النائب طلال أرسلان والوزير السابق وئام وهاب إلى تشكيل لائحتين مستقلتين لن تتمكنا من الحصول ربما إلا على حاصل انتخابي واحد لمصلحة أرسلان بسبب ترك المقعد الدرزي الثاني فارغاً على اللائحة التي تضم الحزب “التقدمي الإشتراكي” و”القوات” و”تيار المستقبل”.

إذا كان الحزب السوري القومي الإجتماعي تمثل في انتخابات 2009 بنائبين وحزب البعث بنائبين فإنهما في هذه الإنتخابات قد لا يكون لهما أي نائب، ذلك أن مقعد النائب البعثي قاسم هاشم مهدد في دائرة مرجعيون النبطية حاصبيا كما مقعد النائب القومي أسعد حردان بعدما تم إسقاط ترشيح النائب عاصم قانصوه والنائب مروان فارس في بعلبك الهرمل. بالإضافة إلى ذلك فإن “الحزب القومي” ليس له حظ في الحصول على أي حاصل إنتخابي في اللوائح التي دخلها مع حلفاء آخرين وخصوصًا “التيار الوطني الحر”.

كان “حزب الله” يأمل في أن يخترق المقاعد السنية في أكثر من منطقة. ولكن هذه القدرة تبدو محدودة وتكاد تنحصر في مقعدي أسامة سعد في صيدا وعبد الرحيم مراد في البقاع الغربي. أما في طرابلس وعكار فإن حظوظ حلفائه ضعيفة حتى بالنسبة إلى الوزير السابق فيصل كرامي أو النائب السابق وجيه البعريني. وكذلك في بيروت في التحالف الذي يجمعه مع “الأحباش”. وإذا كان يستفيد من تعدد اللوائح في المناطق التي تحصل فيها المنافسة مع تيار المستقبل من أجل تخفيض الحاصل الإنتخابي، فإن من سيفوزون من الأرجح أن يكونوا من منافسي المستقبل ولكن من معارضي “حزب الله” في الوقت نفسه.

ثمة خشية لدى “حزب الله” من التحالف الذي قام في دوائر كثيرة بين “التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل”. هذه الخشية ليست انتخابية فقط وإنما سياسية عبّر عنها أكثر من مرة، وبالتالي يمكن أن تدخل ضمن هذا الإطار رغبة “حزب الله” في أن يتمثل في الحكومة بحقيبة سيادية. لماذا؟ لأن الحزب بعدما كان يكتفي بالتمثيل داخل الحكومة من دون النظر إلى أهمية الحقيبة ينظر اليوم بارتياب إلى مرحلة ما بعد الإنتخابات. ولكن السؤال الذي يجب أن يطرحه على نفسه هو أي حقيبة يريد وهل سيأخذها من حركة “أمل” ومن حليفه الرئيس بري؟ وهل سيؤدي ذلك إلى عرقلة تشكيل الحكومة إذا كان من المسلّم به منذ اليوم أن الإنتخابات ستؤدي إلى تسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة، وطالما أن الرئيس ميشال عون اعتبر أن حكومة العهد الأولى ستكون حكومة ما بعد هذه الإنتخابات، وإذا عرقل “حزب الله” تشكيلها فهل سيعتبر عون أن الحزب يعرقل انطلاقة عهده الذي يكاد يستهلك سنته الثانية؟

ينظر الحزب بقلق أيضًا إلى المؤتمرات الدولية الراعية للوضع في لبنان من مؤتمر روما لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية إلى مؤتمر “سيدر” لدعم الخطة الإقتصادية للحكومة، ويعتبر أن التسويق لهذه المؤتمرات من خلال التركيز على تنفيذ القرارين 1559 و1701 يصب في غير مصلحته الإنتخابية ومصلحته الإستراتيحية، خصوصًا أنه يدرك أن ما يدعيه من انتصارات في سوريا لا يمكن أن يصرفه في لبنان بسبب الإختلاف في طبيعة الوضع بين البلدين وبسبب طبيعة الشعب اللبناني، ولأن الأكثرية من هذا الشعب لا تزال تتمسك بالدولة القوية لا بالدويلة وبرفض عودة عهد الوصاية السورية الذي أطل برأسه من خلال بعض “الودائع” الإنتخابية على بعض اللوائح.

هذه الخشية من نتائج الإنتخابات زادت حدتها بعد مشهد افتتاح جادة الملك سلمان في بيروت. اعتقد “حزب الله” أن السعودية خرجت من لبنان ولن تعود إليه، وأن الرئيس سعد الحريري لن يتمكن من ترميم العلاقة مع المملكة وسيظل أسير نظرية “أن الحزب ساهم في إنقاذه من محنته”. ولكن المشهد آخذ في التبدل وقلق الحزب ترجمه من خلال الهجمة المركزة على عودة الدور السعودي إلى لبنان وهو لا ينزع من حساباته أيضًا أهمية أن تعقد القمة العربية في الرياض في 15 نيسان ومشاركة الرئيس عون فيها، وأهمية عودة الحرارة السياسية إلى العلاقة بين الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع والنائب وليد جنبلاط على قاعدة أن ما بعد الإنتخابات سيكون مختلفاً عما حصل في مرحلة بناء التحالفات الإنتخابية وعلى قاعدة الفصل بين ما هو مصلحة انتخابية ومصلحة سياسية.

ربما من الممكن أن الأفضل للحزب وللسيد حسن نصرالله العودة إلى عباءة السيد موسى الصدر الذي اعتصم ضد الحرب وأنهى اعتصامه مدافعًا عن القاع وشليفا ودير الأحمر والعودة إلى وصايا الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي دعا الشيعة إلى ألا يكونوا إلا جزءا من الأوطان التي ينتمون إليها لا أدوات في مشاريع أكبر منها ومنهم.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

خبر عاجل