
ليس مهما أن يستعيد لبنان ثقته بنفسه او ثقة العالم فيه، بمقدار ما يهمّ إستعادة ثقة اللبنانيين بالطبقة السياسية التي وعدت بالإصلاح ومحاربة الفساد، في تسلسل وعود لم تتوان عن إطلاقها منذ بدء الألفية الثانية لتحلّ ضيفة على المؤتمرات الباريسية ولم يرفّ لها جفن حين تخلّفت طوعا…
ليس مهما أن يتغنّى لبنان بمظلة دعم دولية لم يشعر للحظة أنها رُفعت، بدليل بلوغ الكباش السياسي حافة الإشتباك في الشارع من دون أن يترجم خللا أمنيا وخيم العاقبة. الدعم الدولي قائم طالما بقي نحو 1.5 مليون لاجئ سوري مقيما على أراض لبنانية “آمنة” وبعيدا من “مناطق فصل” سورية لم تولد في لحظة دولية ضعيفة.
ليس مهما أن يعزّز لبنان خانة “الإنجازات” بنحو 11 مليار دولار، قروضا وهبات، فهي مراقبة بعناية ومشروطة بوضوح، وتاليا لن تبلغ كلها مبتغاها، إن إنحرف لبنان عن مسار الإصلاح الذي وعد به. هذا ما أكدته مؤتمرات باريس الثلاثة التي بالكاد إقتلعت نصف ما جنته الطبقة السياسية في مناخ إقتصادي ملائم للإقتصاد العالمي أكثر مما تتيحه دورات النمو المتباطئة هذه الأيام.
غرّدت المديرة التنفيذية للبنك الدولي كريستالينا جورجيفا قائلة “إن هذه الأموال ستدعم النمو وايجاد فرص عمل” من دون ان تحدد الشكل الذي ستكون عليه. شهادة تختزن الكثير في “يوم العمل المثمر” (يوم مؤتمر “سيدر”)، وتوحي بأن الشروط صارمة في سير التطبيقات، وتتلاقى مع إشارة وزير الاقتصاد والمال الفرنسي برونو لومير إلى ضرورة أن يتأكد لبنان أن فرنسا والمجتمع الدولي “يدعمان المزاوجة بين الإصلاحات والإستثمارات”. والرهان في أن يفلح الزمن في محو ما لطختّه الأيادي رغم أن السلطة لم تبذل جهدا منظورا لتنظيف ما تثيره من شبهات في أداء لا يحتاج إلى تقييم…
لقد أقفل “سيدر” على منسوب مرتفع من شعارات مستوحاة من حماوة أول دورة إنتخابية منذ الـ2009، وفجّر بمضمونه الرقمي المزدحم بالمليارات، سلسلة مخاوف ومشاعر من سياسات حكومية تستمر في رهن مستقبل اللبنانيين إلى مزيد من ديون لم تُحتسب آثارها مسبقا على الإقتصاد كما على الربط بين المساعدات والتوطين!
خلص مؤتمر “سيدر” إلى دعم لبنان بنحو 11 مليار دولار مرفقة بوعود إصلاحية مشروطة زمنيا. وأثار تساؤلات لم تستحق توضيحا لطمأنة اللبنانيين الخائفين على المصير بعد 6 أيار/مايو (موعد الانتخابات النيابية). فالمشهد الرسمي إقتصر على دفاع إتهامي “لتغطية الفشل في تقديم أي مشروع منتج، فيما حققنا نحن رئاسة قوية وميثاقا وموازنة وإصلاحا سيستمر”… والعبرة في التنفيذ لا الكلام.
أقرّ البيان الختامي لـ”سيدر” بأن المجتمع الدولي يعتبر “أن لبنان يواجه صعوبات تعيق نموّه الإقتصادي، وهو أمام منعطف وبحاجة للتضامن والدعم”. لكن، في الجلسات المغلقة، قيل إن الشروط واضحة لجهة تسليم الأموال بين 8 و10 سنوات، وبينها قروض من البنك الدولي (4 مليارات دولار) ممنوحة مسبقا ولم يتصرّف بها لبنان لعجزه عن تمويل الشق المالي المتعلق به. وتشمل إصلاحات في 10 قطاعات يفترض بلبنان ترتيبها وفق أولوية قطاعه الخاص: الطاقة عبر رفع التعرفة وتنفيذ مشاريع الشراكة مع القطاع الخاص، تحرير الاتصالات وتسهيل إستثمار القطاع الخاص، وضع إستراتيجية شاملة للجمارك لتسريع المبادلات التجارية، الإلتزام بتنفيذ تدابير تعزّز الشفافية والمساءلة وتحديث قانون التوريدات العامّة.
لم يتوانَ صندوق النقد عن مطالبة لبنان بسياسات تقشفية تقوم على:
– خفض عجز الموازنة بنسبة 5% للسنوات الخمس المقبلة. وهذا تحدٍ للمنتفعين من مسارب الإهدار، ويجب أن يطبق ضمن منظومة محاربة الفساد المقدّرة كلفته الإقتصادية بنسبة 9% من الناتج المحلي وبمقدار 10 مليارات دولار سنويا! آفة إستدعت موقفا لافتا من “حزب الله” لإعتبار الفساد “أولوية” سيقاتل لمكافحتها وسيتظاهر رفضا لإغراق البلاد في حلقات جديدة من الديون.
– البدء بخفض الدين العام. أي خفض نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي التي إرتفعت مجددا إلى 150%، وهي من الأعلى عالميا. علما إن إنخفاضها السابق كان بفضل تدهور أسعار النفط وليس بسبب إصلاحات مالية.
– إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين التغذية وخفض أعبائها بما يخفّض الدين العام. وهنا سؤال عن كيفية الإصلاح: هل مع صفقة البواخر التي كادت تعطّل مجلس الوزراء أم بدونها؟
– مكافحة الفساد. ويعني إستنفار أجهزة الدولة وعدم حصر المسؤوليات بوزارة إكتفت بوضع خطط ودراسات رغم أن الوصفة العلاجية معروفة وموجودة في تقارير دولية ومحلية.
– الإلتزام بتدابير صندوق النقد للتوصل إلى أهداف وردت في ورقته التقييمية عن لبنان. أي بما يشمل التحذيرات من تمادي الدولة في الغرق بالفساد وتقاعسها عن الإصلاح.
– تقييم الإستثمار العام وتحديد الثغرات في الإدارة العامة قبل البدء بتطبيق الخطة الجديدة. أي تصغير حجم الدولة في الإقتصاد وتخفيف أعبائها لجهة التكاليف والتعويضات، عبر إصلاح إداري غير ممزوج بأهداف وغايات خاصة لا عامة.
وكانت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD واضحة حين حدّدت شروط المساعدة بالإلتزام بمعاييرها للحوكمة والتنافسية، وصوغ قوانين الضرائب الجديدة، وصوغ قانون جديد للمشتريات العامة، و”رقمنة” الحكومة أي مشروع “الحكومة الإلكترونية” E-Government، وتحسين بيئة الأعمال بالشراكة مع الإتحاد الأوروبي لضمان فتح مجالات أكبر للشركات الصغيرة والمتوسطة.
قطار الإصلاحات إنطلق من “سيدر” قبل أسبوع، والرهان على أن يسبق وصول الـ11 مليار دولار ليكفل النهضة المنتظرة. وبدل التلهي بنفي “صفة” المدقق الرسمي الفرنسي لمؤتمرات باريس الذي تناقلت شهادته مواقع التواصل، كان يفترض التدقيق بتأكيده وجود “فساد غير مسبوق في لبنان” وصعوبة منحه “ثقة عمياء”، وقوله “لقد زودنا الحكومة منذ 1999 بالتوصيات اللازمة لتقليص الدين العام. لكن عبثا، وما من وصف افضل من الوضع السرطاني”.
عند حدود قطاع غزة، نشأت قبل أسبوع “جمعة الكاوتشوك” التي أطلقها فلسطينون متظاهرون لحرق الإطارات وحجب الرؤية عن القناصة الإسرائيليين. فهل تستنسخ بيروت “جمعة الكاوتشوك” لألف غرض وغاية لحجب الرؤية مجددا عن الهدف الأساس؟