“المسيرة”: خيارات الحرب والضرب في سوريا… إلتزام أميركي متجدد في مواجهة الروس والإيرانيين والنظام

 

خاص “المسيرة”، واشنطن – العدد 1657:

ما إن حمّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الروس والإيرانيين مسؤولية دعمهم “الأسد – الحيوان” الذي قصف منطقة دوما في الغوطة الشرقية بالأسلحة الكيميائية واعداً بتدفيعه الثمن على جريمته، حتى جاءه الردّ من العدو الروسي الذي تداعى إلى الطلب بعقد جلسة لمجلس الأمن لمناقشة ما وصفته موسكو بالنوايا ضدّ سوريا، ولكن الردّ الواضح على موقف ترامب أتى من الداخل الأميركي عبّر عنه رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ السناتور المخضرم جون ماكين الذي سارع إلى إصدار بيان حمله فيه بشكل غير مباشر غلو نظام الأسد في إجرامه حيث أعلن صراحة أن التسرع بإعلان طلب الانسحاب الفوري للقوات الأميركية من سوريا شجع الأسد وداعميه على مواصلة حملتهم العسكرية، وطالبه برد سريع على هجوم دوما، مثلما فعلت الطائرات الأميركية قبل عام عندما أغارت على مواقع لقوات النظام السورية بعد الهجوم الكيميائي على خان شيخون.

سيناريوهات الضربة

مع فشل الجهود الدبلوماسية في مجلس الأمن إرتسمت أكثر فأكثر معالم ضربة عسكرية هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيهها الى النظام السوري ردا على الهجوم الكيميائي ضد مدينة دوما الخاضعة لسيطرة المعارضة في غوطة دمشق.

ويتوزع قرار الرد العسكري على خيارات ثلاثة، وفق ما يجمع عليه المراقبون في واشنطن:

• الخيار الأول يتمثل بتنفيذ سلسلة من الضربات المحدودة والعقابية كتلك التي قامت بها الطائرات الأميركية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما أو التي أمر الرئيس دونالد ترامب تنفيذها في 7 نيسان من العام الماضي على مطار الشعيرات.

ووفق مصادر مواكبة في واشنطن فإن مثل هذا الإجراء المحدود يهدف إلى جعل بشار الأسد يدفع فقط كلفة متواضعة وإيصال رسالة خفيفة مفادها بأن التحالف الدولي لن يتسامح في المستقبل، مع مسألة تكرار استخدام الأسلحة الكيميائية. وفي الوقت ذاته أبلغ كبار القادة العسكريين الرئيس ترامب، بأن مثل هذا الخيار سيجنب الجميع خطر تغيير مسار الحرب والذي قد يقود إلى اتجاهات غير متوقعة مثل توريط الولايات المتحدة في صراع أكبر، أو انهيار الحكومة السورية وما يعنيه ذلك من نشر المزيد من الفوضى وعدم الاستقرار الأمني، تماماً كما حصل ويحصل في دول أخرى. إلا أن عدداً من الباحثين رأوا أن مثل هذا الخيار فشل في السابق، لا سيما وأن هذا النوع من الضربات لن تنجح في تأمين الضغط الكامل على الأسد، ولن تؤدي في النتيجة إلى تغيير سلوكه ضدّ شعبه.

وبحسب هذه المصادر فإنه يمكن لحلفاء الأسد ولا سيما الروس والإيرانيين أن يساعدوه في استيعاب التكاليف التي تفرضها مثل هذه الضربات.

• الخيار الثاني كانت بدأته الإدارة السابقة وهو يتضمن العودة إلى تسليح المعارضة بشكل كبير بما يؤدي إلى إعادة الضغط على قوات النظام في أكثر من منطقة. إلا أن الخبراء رأوا أن الثغرة الكبيرة في هذا الخيار الذي توصلت إليها الإدارة الحالية وهي أن الروس والإيرانيين قادرون على التصعيد ردّا على أي إجراء أميركي بتسليح المعارضة، وقد أثبت حلفاء الأسد أنهم قادرون على دعمه بالعناصر والعتاد بما سمح له بالبقاء في السلطة وأنه لولا هذا الدعم لما بقي في دمشق.

وبحسب المحللين فإن الأوضاع في سوريا قد تراجعت إلى مستويات أدنى بعد تراجع دعم المعارضة بالسلاح والعتاد ليس من قبل الولايات المتحدة فحسب بل من عدد من الدول الغربية والعربية التي كانت تدعم هذه المعارضة، ويضاف إلى ذلك زيادة في تدخل روسيا وإيران في هذا البلد بشكل أكبر مما جعل الحرب أكثر دموية، وزاد معاناة السوريين قتلاً وتهجيراً.

• في ما يتعلق بالخيار الثالث والأخير فهو قد يصل إلى تنفيذ هجمات قد تتجاوز ما يمكن أن يتوقعه الروس والإيرانيون، وهو ما يعني على الأرجح تدخلاً كاملاً أو ضربات تهدد الأوضاع في المنطقة برمتها وعلى الساحة الدولية أيضاً.

هذا الخيار لا تفضله الولايات المتحدة ولا ترغب خوض غماره، لأن مخاطر كبيرة ستنجم عنه أكثر مما هو حاصل حالياً، حيث يؤدي الانهيار الكامل في سوريا إلى تداعيات أكثر خطورة في الداخل السوري، وينعكس ذلك على دول الجوار التي تستقبل الملايين من النازحين، وهو وضع سينعكس سلباً على الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بما يؤدي حكما إلى إطالة أمد الحرب، وهذا الخيار قد يقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا التي لديها القدرة على تصعيد الأعمال القتالية بسرعة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.

فشل مجلس الأمن

قبل اعتماد الخيار العسكري كانت هناك محاولات في مجلس الأمن لم تصل الى نتيجة، استخدمت روسيا حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي ضد مشروع قرار اميركي يقضي بإنشاء آلية تحقيق حول استخدام الاسلحة الكيميائية في سوريا، بينما أفشلت واشنطن وحلفاؤها مشروعي قرارين بديلين طرحتهما موسكو، لتتعمق بذلك الانقسامات بين اعضاء المجلس حول النزاع السوري وترتسم أكثر فأكثر معالم ضربة عسكرية غربية وشيكة لدمشق.

وشهدت قاعة مجلس الأمن ثلاث عمليات تصويت وهو أمر نادرا ما يحصل في يوم واحد وحول موضوع واحد اثنتان منها على مشروعي قرارين روسيين والثالث على مشروع قرار أميركي، إلا ان أيًا من هذه النصوص الثلاثة لم ينجح في أن يتحول الى قرار.

وجرت عملية التصويت الأولى على مشروع القرار الأميركي الذي نصّ على تشكيل «آلية تحقيق مستقلة تابعة للأمم المتحدة» للتحقيق في استخدام أسلحة كيميائية في سوريا.

وأيّدت مشروع القرار الأميركي 12 دولة وعارضته روسيا وبوليفيا بينما امتنعت الصين عن التصويت. ولاعتماد أي قرار في مجلس الأمن لا بد ان يحوز على تسعة أصوات على الأقل بشرط أن لا تستخدم أي من الدول الخمس الدائمة العضوية (الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا) حق النقض ضده، وهو ما فعلته روسيا فأسقطت المشروع الأميركي بالضربة القاضية. وهذا الفيتو هو الثاني عشر الذي تستخدمه روسيا في مجلس الامن بشأن الملف السوري منذ بدء النزاع في سوريا عام 2011.

بعدها طرح على التصويت مشروع قرار روسي يقضي بتشكيل آلية أخرى للتحقيق في الاسلحة الكيميائية في سوريا، لكن النص سقط لعدم حيازته الاكثرية اللازمة من الاصوات لإقراره. والنص الروسي الذي لم تؤيده إلا ست دول وعارضته سبع دول وامتنعت اثنتان عن التصويت، يمنح مجلس الأمن القرار النهائي في اعتماد أو رفض نتائج التحقيقات التي تخلص اليها آلية التحقيق. ورفضت الدول الغربية هذا النص خصوصا لأنه يحرم في نظرها آلية التحقيق من الاستقلالية اللازمة للقيام بعملها.

ولاحقا طرحت روسيا على التصويت مشروع قرار ثانيا بشأن سوريا يكتفي بدعم إجراء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحقيقا في الهجوم الكيميائي المفترض في دوما ولا ينص على تشكيل آلية تحقيق لكشف المسؤولين عنه.

ولم يعد للأمم المتحدة هيئة تحقيق خاصة بالهجمات الكيميائية في سوريا منذ وقف عمل آلية التحقيق المشتركة نهاية 2017 التي لم تجدد ولايتها بسبب استخدام روسيا للفيتو مرارا. ولم تؤيد مشروع القرار الروسي هذا إلا خمس دول، في حين صوتت ضده أربع دول وامتنعت الدول الست الباقية عن التصويت.

كل ذلك يعني أن الخيارات المتاحة عبر مجلس الأمن قد سقطت ليبدأ البحث عن الخيارات الأخرى التي تمتلكها واشنطن.

مرحلة ما بعد هزيمة “داعش”

من الواضح أن ملف الحرب السورية أخذ ويأخذ حيّزاً واسعاً من النقاش داخل الإدارة الأميركية وعلى المستويات كافة السياسية والعسكرية والأمنية، ولعلّ من أبرز تداعيات الملفات الخارجية المطروحة أمام هذه الإدارة والتباينات في داخلها حول كيفية معالجتها تمثلت في إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون الذي أظهر اختلافاً واضحاً بينه وبين الرئيس في شأن هذه الملفات ولا سيما منها مصير الوجود الأميركي العسكري في سوريا والسبل الكفيلة بالخروج من هذا البلد، لأنه ما إن أقال الرئيس ترامب وزير خارجيته حتى بادر بعد فترة قصيرة إلى التصريح علناً بأنه يريد خروجاً فورياً للقوات الأميركية من سوريا، بخلاف الخطة التي كان قدمها تيلرسون.

وهكذا إذاً يدور جدل كبير داخل الإدارة الحالية حول ما يجب فعله بعد الهزيمة الكاملة لتنظيم “داعش”، فعلى الرغم من توجيهات الوزير السابق تيلرسون فقد أوصى بعض المسؤولين في وزارتي الخارجية والبنتاغون بأن تغادر الولايات المتحدة في غضون بضعة أشهر إلى سنة وهذا خيار يؤيده الرئيس ترامب حالياً. بينما عارض آخرون هذا التوجه ومنهم أيضاً وزير الدفاع جيمس ماتيس، ومستشار الأمن القومي السابق أتش أر ماك ماستر ومايك بومبيو الذين يؤيدون بقاء أميركياً غير محدد الأجل في سوريا، أي وفق نظرية «طالما يتطلب الأمر» وذلك من أجل ضمان ألا يتحكم الأسد – والإيرانيون وروسيا بكامل سوريا. ولكن ما الذي حدث بعد موافقة الرئيس على الخطة التي وضعها تيلرسون والتي عرض فيها بالتفصيل أهمية بقاء القوات الأميركية في سوريا؟

هل تنجح الخطة المستقبلية في سوريا؟

تجمع المصادر الأميركية في واشنطن أن قرار الرئيس ترامب إقالة وزير خارجيته وتعيين مدير وكالة الاستخبارات الأميركية مكانه إضافة إلى تعيين جون بولتون مستشاراً جديداً للأمن القومي وهو من “الشخصيات الصقور” في الإدارات الأميركية المتعاقبة لن ينطبق حكماَ على حسابات بيدر الرئيس:

أميركا أولًا:

• أولاً: في الاجتماع الأخير والمهم لمجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض والذي يرسم السياسات الخارجية وينفذها، تمسك الرئيس ترامب بنظريته التي حملته رئيساً للولايات المتحدة وتمحورت حول عنوان “أميركا أولاً”، وتقضي بالانسحاب من الساحة الدولية وترك حلفاء الولايات المتحدة الغربيين والعرب وجعلهم يتحملون الأعباء المادية والعسكرية للملفات والحروب الخارجية، وهو تبعاً لذلك طلب إنهاء مهمة القوات الأميركية في حملتها ضد تنظيم “داعش” في الأراضي السورية في غضون ستة أشهر، وأعرب، في خلال الاجتماع الموسع للمسؤولين رفيعي المستوى في إدارته، عن غضبه الشديد من حجم الأموال الأميركية، التي تنفق في المنطقة ولا تعود بالمنفعة للولايات المتحدة.

وتساءل ترامب بوضوح، بالاستناد إلى عدة مصادر اطلعت على سير الاجتماع، حول سبب عدم التدخل من قبل دول أخرى في المنطقة، لا سيما البلدان الغنية في الخليج العربي.

مسؤولية الحلفاء

• ثانياً: تبعاً لذلك تمسك ترامب بوجهة نظره بضرورة تحمّل حلفاء الولايات المتحدة واصدقاءها الأعباء في ظل ما تدفعه ولا تزال من أموال وفي ظل ما تعانيه من عجز كبير في ميزانيتها، إلا أن مسؤولين كباراً عارضوا هذا التوجه وقالوا له إن ما تقوم به الولايات المتحدة في الخارج هو في سبيل الحفاظ على المصالح الأميركية القومية والعليا قبل أي شيء آخر، واستغربوا بشدة طرحه الانسحاب من الساحة الدولية وهو الذي وضع جهده في ميزانية العام 2018 وميزانية العام المقبل 2019 من أجل أن تكون موازنة وزارة الدفاع أعلى موازنة في التاريخ الأميركي تعزيزاً لدور الجيش وجعله من أقوى جيوش العالم، إلا أن ترامب واجه معارضيه بالحجة ذاتها وهي أنه يتوجب على الآخرين تحمل الأعباء أيضاً، وهو أبلغهم بأنه انتقد بشدة خلال محادثات شخصية أخرى مع مسؤولين، من دول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات، عدم تقديمها موارد كافية لمحاربة تنظيم “داعش” في سوريا.

وذكر ترامب أن الولايات المتحدة أنفقت في السنوات الخمس عشرة الماضية تريليونات الدولارات، وضّحت بآلاف من أرواح الأميركيين، ووضعت جهوداً هائلة من الناحية السياسية والدبلوماسية في محاولة حل النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، وبالتالي بعد كل هذه الجهود والتضحيات في المال والدم لا تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في فعل ذلك بينما تراقب دول المنطقة. لقد حان الوقت لكي تضع القوى الإقليمية الجهد المطلوب في المال والأشخاص.

ردّ العسكر والصقور

• ثالثاَ: لقد شكل تسلم جون بولتون منصبه مستشاراً للأمن القومي ومايك بومبيو وزارة الخارجية، إضافة إلى وجود وزير الدفاع ورئيس الأركان الأميركية المشتركة في اجتماع مجلس الأمن القومي عامل ضغط واضح على الرئيس وتوصلوا في نهاية المطاف إلى إقناعه بالبقاء في سوريا وتحديداً في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية التي تنتشر فيها القوات الأميركية ولا سيما في شرق البلاد وهي مناطق غنية بالموارد الأساسية لجهة وجود حقول النفط والغاز فيها وتراجع قدرة نظام بشار الأسد على الوصول إلى هذه الموارد واهتمامه فقط بما أقنعه فيه الروس والإيرانيون ببسط سيطرته مدعوماً منهما على ما يُعرف حالياً بـ”سوريا المفيدة” التي تضم أكثرية علوية أو شيعية ويجري فيها ما يُمكن وصفه بالتطهير العرقي الديمغرافي عبر تهجير الغالبية السنية من المواطنين السوريين قهراً وقسراً، وبالتالي أقنع العسكر والصقور ترامب بضرورة البقاء في سوريا والتواصل مع الحلفاء في أوروبا والمنطقة لتوفير الدعم العسكري والمالي للمهمة الأميركية.

وحذروه أيضاً من مخاطر تكرار الخطأ ذاته الذي قامت به الإدارة السابقة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما في العام 2011 عندما قرر سحب الجنود الأميركيين من العراق مما أدى إلى عودة ظهور تنظيم “القاعدة” بقوة من خلال ولادة تنظيم “داعش” وسيطرته بسرعة على الموصل وتهديده بغداد وبعض المناطق في إقليم كردستان، وقالوا له إنه لولا التدخل الأميركي السريع لكانت ربما سقطت بغداد وعاد النظام السابق إلى الظهور، وكشفت المصادر أن القادة العسكريين الكبار أكدوا للرئيس الأميركي أن تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال يسيطر على منطقتين صغيرتين في شرق سوريا مع بقاء ثلاثة آلاف مسلح منه بكامل أسلحتهم وعتادهم، وهاتان المنطقتان تقعان في وادي الفرات وفي ومنطقة حساسة قرب حدود العراق.

وتؤكد المصادر أن المسؤولين العسكريين جدّدوا أمام الرئيس عرض الأبعاد الاستراتيجية للقرار الأميركي بالبقاء في سوريا والتي أدرجت في خطة الوزير السابق تيلرسون وقامت على أسس عدة وتضمن تحقيق أهداف عدة تؤدي في النهاية إلى خدمة المصالح الأميركية في المنطقة، وهذه الأهداف تتمثل، في منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية بشكل نهائي، ووضع حدّ للنفوذ الإيراني في سوريا ولجم دور ميليشياته التابعة له ولا سيما “حزب الله” والفصائل العراقية المختلفة وقطع الطريق عن هذا النفوذ ومنع النظام في طهران من تنفيذ مشروعه بربط الطريق البري بين إيران والعراق وسوريا و”حزب الله” في لبنان، وكذلك مواصلة الضغط على روسيا لتحقيق الانتقال السياسي المنتظر في سوريا بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير النظام الحالي في سوريا وتعطيل أي قدرة له على استخدام الأسلحة الكيميائية، ويُضاف إلى هذه الأهداف تحقيق مسألة عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار إلى سوريا ورفض أي تغيير ديمغرافي في هذا البلد قد يدعم في نهاية المطاف مشروع نظام ولاية الفقيه بالسيطرة الدينية والاستراتيجية على سوريا.

وبحسب المصادر ذاتها فإن عدداً من الخبراء في مراكز الأبحاث الأميركية قدموا دراساتهم للإدارة الأميركية حيث أبلغوها بأن الانسحاب الأميركي يعني تسليم سوريا إلى روسيا، وفقدان أي ورقة ضغط، والتسليم بالوجود الإيراني في سوريا والعراق، إضافة إلى قيام الروس والأتراك والإيرانيين الذي اجتمعوا في إطار “مفاوضات أستانة” ونجحوا بإقرار ترتيبات لملء الفراغ وانعكاس ذلك على وجود القوات الأميركية في العراق.

وبناء على ذلك، إن الموقف الأميركي بعد ذلك الاجتماع يقع حالياً بين احتمالين: الأول، تمسك ترمب بموقفه بدفع الجيش الأميركي والتحالف لتحقيق هزيمة “داعش” في شكل كامل في آخر جيبين له ثم إعلان بدء الانسحاب عشية الانتخابات النصفية بداية نوفمبر المقبل مع إعطاء مهلة ستة أشهر للانسحاب التدرجي.

البقاء في سوريا

• رابعاً: بعد شرح القادة العسكريين وتمسك الرئيس ترامب بوجهة نظره، يمكن القول إن الاجتماع المهم لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض خرج بتعهد من الرئيس بعدم تحديد موعد ثابت لانسحاب نحو ألفي جندي أميركي من سوريا، وهو بالتالي لن يضع جدولاً زمنياً تعسفيا للانسحاب ولكنه طالب القادة العسكريين بأن يضعوا خطة للانسحاب بين ستة أشهر وسنة، وانه لا يريد تكرار الموقف ذاته بعد هذه المدة، وعليه ستتركز الخطة الأميركية الجديدة في سوريا على المحاور التالية:

الموافقة على بقاء الجنود الأميركيين في سياق مهمة تسريع هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية بشكل نهائي وتهيئة الأرضية لمعالجة النزاع السوري بشكل يضمن حقوق الجميع في هذا البلد ولا سيما الحلفاء المحليين الذين دعمتهم الولايات المتحدة.

مواصلة تدريب القوات المحلية المدعومة أميركياً بما يضمن في نهاية المطاف تعزيز دور هذه القوات في تحقيق الاستقرار في المناطق التي تنتشر فيها ويساعدها في لعب دور سياسي في مستقبل سوريا، ولا يعرّضها للهزيمة في حال تم الانسحاب الأميركي.

بقدر ما تهتم الولايات المتحدة بضمان مصالحها ومصالح حلفائها وأصدقائها في المنطقة أقرّ المسؤولون الأميركيون على رأي أكدوا فيه أن الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في سوريا لا تشمل جهود الاستقرار أو إعادة الإعمار على المدى الطويل، بقدر ما يعنيهم لجم نفوذ القوى الإقليمية التي تضمر العداء والشر للولايات المتحدة. من هنا فقط يبقى أن وجود القوات الأميركية في سوريا سيكون ضرورياً لمنع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية ومنع زيادة مكاسب القوتين الدوليتين والإقليميتين أي روسيا وإيران، فضلاً عن إعطاء الولايات المتحدة نفوذاً في الجهود السياسية لايجاد حل للحرب الأهلية في سوريا.

يبقى أن الموعد المنتظر لسحب القوات الأميركية هو قبل تشرين الثاني المقبل كما يريد الرئيس ترامب أي قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي وهو استحقاق داخلي مهم يتخطى وفق رؤية ترامب أهمية أي ملف خارجي، لأن تحقيق انتصار في هذه الانتخابات والاحتفاظ بالغالبية المطلقة التي يتمتع بها الحزب الجمهوري في الكونغرس الحالي بين مجلسي النواب والشيوخ هو الذي يؤدي إلى مواصلة تأمين الدعم لإدارة الرئيس ترامب لتنفيذ سياساتها الداخلية والخارجية، إضافة إلى تنفيذ الوعود للناخبين الذين يقع عليهم الرهان في تجديد تصويتهم للرئيس الحالي لكي يبقى في ولاية رئاسية ثانية في البيت الأبيض.

كل هذه الاحتمالات التي تدرسها الإدارة الأميركية تبقى عرضة للتغيير بانتظار القرار الأخير المتعلق بالضربة التي قد يتم توجيهها للنظام السوري. فهل ستكون هذه الضربة محدودة بحجم الرد على استخدام الأسلحة الكيماوية في دوما؟ أم ستتعداها الى المستوى الذي يمكّن واشنطن وحلفاءها من العودة الى التأثير في مسار حل الأزمة السورية وتسريع الدخول في المرحلة الانتقالية؟

الخيار الثاني يستوجب تدخلاً عسكريًا كبيرًا يعيد واشنطن الى ساحة القرار في سوريا ويفرض الحل الذي تريده، مما يسهّل عليها لاحقاً مهمة سحب قواتها من هناك.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل