لكل “بوسطة” صنوبرة يا عين الرمانة

 

كتب أحدهم “كل الاحتلالات تكسّرت عند حدودها…عين الرمانة 13 نيسان 1975”. انا اقول له غير ذلك، سأخبره حكاية الصنوبرة في حديقة بيتنا. صار عمرها اثنان واربعون عامًا، في عمر الشجرة هي بدأت تصبح عجوزًا، في عمر الانسان هو عز الصبا، في خطوط الوطن هي محطة عابرة. طبعًا لم تبح يومًا صنوبرة أبي بسرها الكبير، هي انثى ويرعبها البوح بما تراكم من زمن فوق خدودها وشعرها وأغصانها التي تجاوزت حدود السور الى الطريق، ذاك الزاروب الضيق في الضيعة الصغيرة الذي لما أخبروه ذات وميض موت في ساحات القلب، ان ثمة بوسطة تفجّرت بالوطن فجعلته كتلة جمر، حتى همدت فيه اصوات الطفولة، وصار الصغار فجأة كبارًا، اوقفوا اللعب وبدأوا يصلّون ما علمته اياهم جدّتهم، “قولوا ورايي الله يحمي الشباب ويلعن المسلحين الغربا”، لم نفهم شيئًا “ستي شو يعني كتايب شو يعني فدائيين؟” وبدأت ستي تولول، وظنت انها تحكي لغة غريبة عجيبة ليست لبنانية، وتبيّن ان ستي تمطر اللعنات والشتائم على الغريب الذي حوّل عين الرمانة الى نهر دماء “وشو يعني ع الرمانة؟!” وصرخت بصوت الغضب “وقرد يا ستي كل شي بدي اشرحلكن، اسمها عين الرمانة”. لم نفهم يومذاك لماذا أمرنا ابي التوقف عن اللعب، ولماذا كان حزينًا هو وأصدقاؤه، وتسللت أصواتهم الينا من الغرفة وهم يتحسّرون على لبنان “ضاع البلد، اخوات الـ….خربونا” ومر عام…

13 نيسان 1976، كان الزهر يغزو ربيع الضيعة، وكانت الفوضى تغزو ربيع لبنان ولا ربيع. عند الصباح سمعت طرقة معول تقلب تراب الحديقة، كان ابي يزرع نصبة صنوبر، لم أكن رأيت قبلا تلك الشجرة المسننة الاوراق “شو هيدي بابا؟” ضحك استاذ المدرسة “علّمتك مرة انو هيدي الشجرة لا بيهمّا التلج ولا الشوب بتضل خضرا كل السنة”، لم اكترث للامر وذهبت الى طرقات اللعب. كبرت الصنوبرة، صارت شابة، ناضجة، موغلة في سنينها، صارت تعطينا الصنوبر، تفرّعت اغصانها، اخترقت حائط الحديقة بعدما ضربت جذورها في الارض، بنى لها ابي حائطًا جديدًا، ما عدنا نشتري الصنوبر، سعر الكيلو تسعون الفًا، ذات كانون قطعت عاصفة ثلجية احد فروعها ورمته ارضًا، وبقيت خضراء وبقيت تعطينا الصنوبر، كبرنا معًا، انا والصنوبرة واخوتي وابي والوطن، اثنان واربعون عامًا ولم اكتشف سر تعلّق ابي بتلك الشجرة الجميلة التي تزيّن حديقة بيتنا القروي، وذات صباح على فنجان قهوة وأبي يتأمل بستانه واشجاره “بس زرعت هالصنوبرة على نية لـ استشهدوا بـ 13 نيسان 1975 قلت مش رح تعيش وليكي ما احلاها كيف مزيني الدار”!!! اففففففف اثنان واربعون عامًا ولم اعرف سر الصنوبرة معقول؟ “زرعتها بوقتا على نية السلام في لبنان، الارزة ما بتطلع هون استبدلتها بصنوبرة تـ تضل خضرا متل الشهدا لـ راحوا يا حرام، راحوا الشباب يا ضيعانن وبقيت الصنوبرة” …

صاروا تلاثة واربعون يا بوسطة، يا صنوبرة ابي، ومنذ ما قبل الثلاثة والاربعين عامًا ونحن نناضل لنبقى في اللون الاخضر، سكبنا الكثير الكثير من الاحمر، سيّجنا به اعمار شبابنا، كي لا تعود البوسطة وتمر في ساحاتنا، وياما ياما ياما عبرت بوسطات مزروكة بالغرباء الطامعين المحتلين واعوان لهم من هنا، لبنانيون كثر، وتعطلت محركاتها، ومات العملاء ولو كانوا بعد احياء، وبقي شجر الارز والصنوبر، بقي الأخضر  لان أرضنا وقف الرب، ولأن شجر الرب والصنوبر والسنديان شبع، شبع وسكر حتى ابعد من الثمالة من دمائنا، وها انتِ بوسطة الايام، يخلّد التاريخ ذكراك ويضعك في خانة الاحداث المشؤومة، وها نحن ندخل التاريخ في خانة الأبطال المقاومين، ومذ تلك اللحظة ونحن نطرّز المستقبل، أنظري الينا اين اصبحنا، انظري وتحسّري وموتي غيظًا وقهرًا وذلاً، نحن على خارطة الحياة والمستقبل وانتِ حكاية تجمّدت في تاريخ لانك حكاية ملفقة لا حقيقة كرامة فيكِ، ونحن كل لحظة نصنع التاريخ، عبرت البوسطة وبقينا وطبعًا سنبقى وسنزرع الاف الصنوبرات، عدد شهدائنا، ولن نسمح ببوسطات مماثلة ان تمر بعد الا فوق اجسادنا… ولتحيا عين الرمانة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل