الضّربات المحدودة والديبلوماسيّة

 

تعمل الأطراف الدوليّة المشاركة في الميدان السّوري على استيعاب الضّربة الأميركيّة الأخيرة ومدى محدوديّتها. فبالنّسبة إلى إيران وحلفائها، الرّدّ قادم على الضّربات كلّها وبطريقة مباشرة. أمّا بالنّسبة إلى الغرب فما بعد الضّربة  لن  يكون كما قبلها. فهل سنقدم على مرحلة اشتعال جديدة في المنطقة؟ وهل  ستدخل منطقتنا في المخاض الأخير لولادة الشّرق الأوسط الجديد؟ أم أنّ المرحلة ما زالت في بداياتها وتنتظرنا أيّام أصعب بكثير بعد؟

لا بدّ من الإشارة إلى الدّور الإسرائيلي في المنطقة الذي لم  يعد يقتصر على المشاهدة من بعيد. فإسرائيل، صحيح أنّها تشاهد، لكنّها تتدخّل وقتما تدعو حاجة أمنها القومي إلى ذلك. وفي المقابل بعد ضربها الأخير لمطار T4 ظهر تهديدان متوازيان، في حال وقوع أيّ  منهما ستتبدّل قواعد النّزاع في المنطقة:

– عادت نغمة احتلال لبنان للحفاظ على الأمن القومي السّوري تتعالى لا سيّما بعدما استخدمت إسرائيل الأجواء اللّبنانيّة لضرب سوريا.

– سارعت الجهات الإيرانيّة للتّصريح بأنّ الرّدّ على ضرب إسرائيل  T4سيكون هذه المرّة بالطّريقة المباشرة. أي أنّ إيران  لن تستعين بالمنظمات الميليشياويّة المدعومة منها سواء في لبنان، عبر “حزب الله”، أو في غزّة، عبر حركة “حماس”.

والملاحظ هنا في هذين الخيارين الجديدين أنّ التبدّل في التّخطيط والسّرعة في التّنفيذ هو الذي يعتمده المحور الإيراني – الرّوسي – السّوري. وقد أتت الضّربة الأميركيّة الأخيرة لمزيد من الضّغط في الملفّ الدّيبلوماسي، لا سيّما بأنّه بات واضحًا للجميع بأنّ الرّئيس الأميركيّ يتّجه في  12 أيّار المقبل إلى إسقاط اتّفاق، سلفه أوباما، النّووي مع إيران. وهذا ما سيرتّب تداعيات جديدة وخيمة على المنطقة. لذلك ستحاول إيران وروسيا تنفيذ ردٍّ عسكريٍّ  ما،  يندرج في سياقين مباشرين في محاولة لتغيير القواعد الديبلوماسيّة التي أرستها الضّربة الميركيّة الأخيرة، وذلك كالآتي:

1- تغيير ميدانيّ على أرض المعركة السّوريّة قد يتمثّل في سيطرة جديدة على مناطق نفوذ المعارضة السّوريّة لفرض أمر واقع جديد، يبدأ بالتّجديد للأسد لينتقل إلى التّمهيد لمرحلة ما بعده.

2- جرّ إسرائيل وحليفتها السّرمديّة أي الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى المزيد من الضّربات مع الحرص على التّعاون المستور مع الصّديق/العدوّ الرّوسي، على عدم إشعال المنطقة، بغضّ النّظر عن التّصاريح الرّوسيّة التي يحمّلها الرّئيس بوتين المزيد من الحماوة الممزوجة بطُرفةٍ من التّغريدات بينه وبين الرّئيس ترامب.

على ما يبدو، يمارس الغرب بقيادة الرّئيس ترامب سياسة حافّة الهاوية في الدّيبلوماسيّة. وذلك من خلال الضّربات المحدودة التي يأمر بتنفيذها بطريقة غير مباشرة، سواء عبر وسطائه الإسرائيليّين في المنطقة، أو بطريقة مباشرة من الجيش الأميركي وحلفائه الغربيّين.

وعلى ما يبدو حتّى هذه السّاعة بأنّ حظوظ الدّيبلوماسيّة ما زالت قائمة بغضّ النّظر عن ضآلتها. ويبقى أن نترقّب ردود الفعل التي من المنتظر أن تكون محدودة نسبيًّا في الميدانين اللّذين أشرنا إليهما آنفًا، أي في الدّاخل السّوري وفي الدّاخل الإسرائيليّ.

الشّرق الأوسط الجديد الذي يعمل عليه الغرب لا يزال بعيد المدى، أقلّه حتّى هذه السّاعة. ويبدو أيضًا أنّ منطقة الشّرق الأوسط ستكون على موعد جديد مع مرحلة الضّربات المحدودة المتبادلة للضّغط في الملفّ التّفاوضي- الدّيبلوماسي. وفي نهاية المطاف، من يملك البعد الأبعد والمال الأوفر والسّلاح الأجود حتمًا سيكون النّصر حليفه. فهل يستطيع لبنان أن يبقى بعد في ثلّاجة الإنتظار؟ أم أنّ الإنتخابات النّيابيّة المرتقبة في السّادس  من أيّار ستخرج بلد الـ 10452 كيلومترًا مربعًا من ثلاجته الإقتصاديّة أوّلا بعد مؤتمر سيدر، والجيوسياسيّة بعد تقدّم أو تعثّر الديبلوماسيّة؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل