من الأوسكار الى مهرجان كان.. السينما اللبنانية تتابع انتصاراتها مع نادين لبكي

كتبت جوزفين حبشي في مجلة “المسيرة” – العدد 1658:

هل هناك أجمل من صرخة المخرجة نادين لبكي ودموعها المنهمرة لحظة سماعها خبر مشاركة فيلمها «كفرناحوم» في المسابقة الرسمية لمهرجان «Competitionnnnnnn…..»، والتي سمعناها ورأيناها كلنا من خلال الفيديو الذي نشرته على موقع «أنسترغرام»؟

 

نعم هناك أجمل. هناك فرحة كافة اللبنانيين الذين كبُر قلبهم، ولامست رؤوسهم النجوم افتخارا بالسينما اللبنانية التي استطاعت هذه السنة، وعلى رغم كل المصاعب والعراقيل، أن تحقق إنجازين كبيرين. الأول سابقة حصول فيلم المخرج زياد الدويري «قضية رقم 23» على ترشيح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي، والإنجاز الثاني دخول الفيلم الروائي الطويل الثالث للمخرجة نادين لبكي حلبة المنافسة الرسمية على سعفة مهرجان «كان» الذهبية، بعد غياب لبنان لأكثر من 26 عاما عن هذه المنافسة.

 

مع نادين لبكي، نأمل ونتمنى أن تكون «الثالثة ثابتة» في مهرجان كان السينمائي الذي يعتبر أحد أهم  وأعرق المهرجانات السينمائية في العالم، وهو  تأسس سنة 1946 ويقام كل سنة في شهر أيار، في مدينة كان طبعا في جنوب فرنسا، وأبرز جوائزه السعفة الذهبية لأفضل فيلم التي سينافس عليها شريط نادين لبكي.

 

نقول «الثالثة ثابتة» لأن «كفرناحوم» هو ثالث فيلم لبناني يشارك ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينمائي، بعد «الى أين؟» أول شريط استطاع وضع لبنان على خارطة الفن السابع العالمي عام 1957، وهو من إخراج جورج نصر. وهنا لا بد من الإشارة الى ان فيلم «الى أين؟» كان تم ترميمه بمبادرة من شركة «قبوط بروداكشنز» و»مؤسسة سينما لبنان» و»نادي لكل الناس»، وعرضت النسخة المرممة في الدورة السابقة (الدورة 70) من مهرجان كان، ضمن تظاهرة «كان للأفلام الكلاسيكية» (Cannes Classic) بحضور المخرج سمير نصر ابن ال90 عاما، وبعد 60 عاما على العرض الأول للفيلم في المهرجان العريق.

 

أما الفيلم الثاني فهو طبعا «خارج الحياة» (إنتاج فرنسي) للمخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي، الذي شارك في مهرجان كان عام 1992، ورشح للسعفة الذهبية ونال جائزة لجنة التحكيم،  وتدور قصته حول  مصور فرنسي يختطف ويحتفظ به كرهينة أثناء الحرب في بيروت. الراحل مارون بغدادي كان يعتبر واحدا من أنجح مخرجي جيله من اللبنانيين في العالم، وهو سبق له ان عمل مع المخرج والمنتج الأميركي فرانسيس فورد كوبولا وقام بإخراج عدة أفلام باللغة الفرنسية حققت نجاحا كبيرا في فرنسا. أما أفلامه اللبنانية، فأشهرها «حروب صغيرة» عام 1982، الذي تدور أحداثه خلال الحرب اللبنانية عام 1975، وحمله هذا الفيلم إلى العالمية، إذ شارك في عدد من المهرجانات أهمها مهرجان «كان».

 

وبالعودة الى «الثالثة ثابتة»، فإن نادين لبكي تشارك كمتسابقة للمرة الثالثة في المهرجان من خلال أفلامها الروائية الطويلة الثلاثة التي عرضت وستعرض ضمن نشاطات المهرجان العديدة.

 

البداية كانت مع فيلمها الأول «كاراميل» (سكر بنات) الذي حقق نجاحا كبيرا في صالات العرض اللبنانية وشارك في عدة مهرجانات، أبرزها طبعا مهرجان كان، ضمن نشاط «أسبوعي المخرجين» (Quinzaine des Realisateurs) في الدورة 60 عام 2007، وروى قصة 4 صديقات يعملن في صالون تجميل في بيروت ما بعد الحرب، ولكل منهن مشكلاتها مع الحب والرجال والعمر والهوية الجنسية.

 

أما الفيلم الثاني «هلأ لوين؟» فعُرض ضمن نشاط «نظرة ما» واستطاع أن يفوز بجائزة فرانسوا شاليه ضمن فعاليات الدورة 64 من مهرجان كان 2011. وروى «هلأ لوين؟» قصة قرية صغيرة معزولة عن محيطها، يسكنها مسلمون ومسيحيّون. وبعد تركيب جهاز تلفزيون في القرية  ستندلع المشاحنات الطائفية بين الرجال، وستحاول النساء  تخفيف حدّة التوتّر، من خلال بعض الحيل والخدع، الى أن تقرر في النهاية كل امرأة تغيير دينها لوضع الرجال تحت الأمر الواقع.

 

وختامها مسك مع «كفرناحوم»، آخر المنضمين وليس الأخير طبعا، الى مهرجان «كان» في دورته ال71 التي ستجري من 8 الى 19 أيار المقبل. من خلال هذا الشريط، استطاعت نادين لبكي ان تدخل للمرة الأولى المسابقة الرسمية، وهذا بحد ذاته إنجاز كبير. الفيلم استغرق تصويره 6 أشهر، مع 500 ساعة تسجيل، وعام ونصف العام من المونتاج، وعلى رغم ان عنوانه مستوحى من اسم قرية تقع شمال فلسطين على ساحل بحيرة طبرية وتضم عددا من الآثار المسيحية المقدسة، إلا أنه صوّر في بيروت ويعالج موضوعا شديد الحساسية هو حقوق الأطفال المشردين والمهمشين في عالم لا يحترمها.

 

الفيلم عن سيناريو لجهاد حجيلي الذي سبق ان شارك نادين لبكي ورودني الحداد كتابة الفيلمين السابقين «كاراميل» و«هلأ لوين؟»، ويروي قصة فتى صغير يعاني صعوبات اجتماعية وسياسية وأمنية كثيرة، فيقرر رفع دعوى قضائية ضد مجتمعه وأهله الذين أنجبوه ووضعوه في عالم  مليء بالقسوة ولا تُحترم فيه أدنى حقوقه.

 

يسلط الفيلم الضوء أيضا على علاقة الولد بعاملة أثيوبية ستهتم به مثل ابنها. أما الإنتاج فقد تولاه مؤلف الموسيقى خالد مزنر، زوج نادين لبكي، بمشاركة شبكة راديو وتلفزيون العرب ART التي ستتولى توزيع الفيلم في العالم العربي.

 

اللافت أن البطولة هذه المرة لمجموعة من الوجوه الجديدة التي تقف للمرة الأولى أمام الكاميرا، وهذه ميزة تبرع فيها نادين لبكي التي سبق ان اعتمدتها في أفلامها السابقة، وأظهرت من خلالها براعتها في إدارة شخصيات خام فنيا لاستخراج أجمل ما لديهم من عفوية وواقعية.

 

واللافت أيضا أن نادين لبكي تتفرّغ  هذه المرة للإخراج، فهي لم تشارك في كتابة السيناريو الذي ساهم في جزء منه الممثل والمخرج المسرحي جورج خباز، ولم تؤد دور البطولة كما في شريطيها السابقين، بل اكتفت بدور صغير.  ولكن دورها الكبير في إخراج هذا الشريط الاستثنائي كما يبدو، أهّلها الى ان تدخل المنافسة مع 17 فيلمًا لمخرجين كبار، أمثال جان لوك غودار أحد أبرز أعضاء حركة الموجة الجديدة السينمائية  المشارك من خلال شريطه Le Livre d’images  الذي يقدم في خمسة فصول، صورة عن العالم العربي هي مزيج من الوثائقي والمتخيّل.

 

في المنافسة أيضا شريط Everybody Knows لأصغر فرهادي، أحد أهم رموز السينما المستقلة في إيران والحاصل على أوسكار أفضل فيلم أجنبي سنة 2017 عن شريطه The Salesman. فيلم «Everybody Knows» من بطولة النجمين الزوجين خافيير بارديم وبينلوبى كروز، وهو ناطق باللغة الإسبانية وتدور أحداثه حول عودة كارولينا الإسبانية من بوينس آيرس إلى مسقط رأسها خارج مدريد مع زوجها وأطفالها الأرجنتينيين، والرحلة تجلب العديد من الأحداث غير المتوقعة التي تكشف مجموعة من الأسرار إلى العلن. واللافت ان الافتتاح سيكون مع شريط أصغر فرهادي، وبذلك يكون أول فيلم غير فرنسي يفتتح مهرجان «كان».

 

أيضا ضمن المسابقة الرسمية شريط Three Faces  لمخرج إيراني آخر هو جعفر بناهي الذي سبق ان فاز بجوائز عن أفلام سابقة مثل الأسد الذهبي (فينيسيا) والدب الفضي (برلين)، وفيلم المخرج الأميركي سبايك لي Black Klansman الذي يروي قصة ضابط شرطة أميركي إفريقي سيتسلل الى إحدى الحركات المؤيدة لمواقف رجعية متطرفة وعنيفة ضد السود.

 

مع نادين لبكي، نأمل ونتمنى أن تكون «الثالثة ثابتة» في مهرجان «كان»، ومع هكذا إنجازات ومشاركات وترشيحات وجوائز في الأوسكار وكان والبندقية، نامل ونتمنى أن تكون السينما اللبنانية قد حجزت مقعدا أولا وثابتا ودائما على قائمة أفضل الأعمال الجيدة فنيًا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل