الأقساط والدرجات ومصير العام الدراسي: الإمتحان صعب والأسئلة كثيرة… تقسيط أم إضراب؟

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1658:

 

شكّلت الأسابيع الماضية، فرصة لأطراف التجاذب المدرسي: المؤسسات التربوية، والأساتذة ولجان الأهل، لإعادة قراءة هادئة في ملف الزيادات والدرجات والمواقف المتقابلة. فماذا ينتظر التلاميذ في ما تبقى من العام الدراسي؟ وهل سيسلك هذا الملف الشائك طريقه إلى الحل القريب بحيث لا يبقى سيفا مصلتاً على رقاب الجميع وخصوصا السنة الدراسية، وقد باتت مواعيد امتحاناتها على الأبواب؟ فالإضرابات التي يقوم بها الأساتذة مضى عليها عدة أشهر ولم تتحقق بعد مطالبهم التي رفعوا الصوت من أجلها، كما قال وزير التربية والتعليم العالي مروان حمادة، كاشفا أنه ستكون هناك زيادات قليلة على الأقساط لا تتعدى الدرجتين والمفعول الرجعي سيكون مضمونا. لكن المشكلة ما تزال قائمة. فهناك قانون وثمّة من يعمل للإلتفاف عليه، وهناك حقوق وثمّة من يريد التلاعب بها، وهناك واقع «أهلي» يبدو أنه الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، وثمّة من يخشى أن يدفع وحده الثمن!

دخلت مسألة الأقساط المدرسية واحتساب درجات المعلمين ووحدة التشريع من عدمها، دوّامة الدوران في الحلقة المفرغة، والعودة إلى نقطة الصفر بعد كل جولة من التجاذبات والإضرابات واللقاءات المهنية والرسمية. فقد مضت أشهر عديدة على بدء تطبيق سلسلة الرتب والرواتب فيما لم يُحسم وضع المعلمين بعد. ومضت مثلها أشهر أخرى من العام الدراسي ولم ترسُ المسألة على قرار يُرضي الأطراف المتشاركة في سيبة التعليم الخاص، ويُطمْئن التلاميذ إلى مصير عامهم الدراسي، والجميع إلى حفظ حقوقهم حيث لهم حقوق.

للأساتذة حقوق يجب أن يحصلوا عليها؟ نعم. وللمدارس الخاصة أعباء يجب ألا ترزح تحتها بسبب الزيادات؟ أيضا نعم. ولكن للأهل قدرات محدودة لا يجوز أن تُشكّل كل هذه المسألة تخطياً لها، وإيقاعهم في العجز والتخيير بين التخلّي عن أبسط أساسياتهم الحياتية لتأمين قيمة ألأقساط المزدادة ارتفاعا، أو التخلي عن السعي لتأمين المستوى التعليمي المقبول لأبنائهم.

دوران في الحلقة المفرغة

في 19 كانون الأول الماضي، نقل وفد من ممثلي المدارس الكاثوليكية والمؤسسات التربوية الخاصة عن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قوله إن «أحد الاقتراحات لمعالجة رواتب معلمي المدارس الخاصة هو أن تتولّى الدولة المساهمة في الدفع، شرط التزام المدارس القواعد والأنظمة التي تضعها». المعضلة في هذا المجال، لم تكن فقط في أن الدولة غير قادرة على تحمّل أية أعباء مالية لتغطية الدرجات الست للأساتذة، بل في أن المدارس الخاصة ترفض مراقبة موازناتها. وهذا ما شكّل مبررا لتراجع الدولة عن التزاماتها على هذا الصعيد… واستمرّت المشكلة.

نقابة المعلمين في المدارس الخاصة كانت هددت بالعودة إلى التحرك إذا لم تتأمن مطالب المعلمين. وعليه تتجه الأنظار إلى ما ستفعله النقابة لمواجهة الإصرار على الإمتناع عن دفع الحقوق المنصوص عليها في قانون السلسلة، وبالتالي استكمال ما بدأته في الجلسة التشريعية لجهة إسقاط بند تعديل القانون 46 الذي نص على تقسيط الدرجات، والمؤدي عمليا إلى فصل التشريع بين أساتذة الرسمي والخاص. ولهذا الأمر تداعياته الكبيرة بنظر المعلمين.

إنطلاقا من هذا المبدأ وبهدف تطبيق القانون والموازاة بين الأطراف والحقوق، لفت البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، الى أن «المدرسة الخاصة تريد المحافظة على المعلمين وحقوقهم وعلى الأهل وإمكانياتهم وعلى التلامذة ومستواهم». وأكد أن «المدرسة الخاصة تلتزم تطبيق سلسلة الرتب والرواتب بموجب القانون 46 لكن ليس بمقدورها أن تتحمل السلسلة والدرجات من دون أن ترفع الأقساط بشكل يفوق قدرة المواطنين»، واضعاً هذه القضية في عهدة رئيس الجمهورية ميشال عون لحلّها.

لكن لجان الأهل في المدارس الخاصة ما زالت متمسكة بموقفها الرافض لأية زيادة على الأقساط، معلنة الإمتناع عن دفع الزيادات لحين التوصّل إلى حلول شاملة للملف. وطالبت إدارات المدارس بإعادة النظر في موازناتها واحتساب المداخيل غير الملحوظة ضمن الإيرادات، ودعوة وزارة التربية للتعميم على المدارس بعدم استيفاء أية زيادة، والتدقيق في موازناتها بالتعاون مع نقابة خبراء المحاسبة المجازين، وتحديد سقف للقسط المدرسي.

جوابا عن كل هذه التساؤلات قال نقيب المعلمين في المدارس الخاصة رودولف عبود لـ«المسيرة»: «سننسق مع اتحادات لجان الأهل ونعمل على تنظيم خطوات تصعيدية مشتركة إذا لم تلبَّ مطالبنا التي هي حقوق مكتسبة. وشدد على أنه تحرّك خلال الفترة الماضية للضغط باتجاه انعقاد صندوق التعويضات والإفراج عن التعويضات والرواتب التقاعدية المحجوزة منذ 21 آب الماضي بسبب الخلاف على قانون السلسلة.

ولفت عبود إلى أن أهم ما تحقق مؤخرا هو نجاح النقابة في إسقاط تعديل القانون رقم 46/2017 في مجلس النواب، لا سيما بما يخص الدرجات الست الاستثنائية المستحقة للمعلمين. فموقف رئيس الحكومة سعد الحريري الداعي إلى فصل التشريع بين القطاعين التعليميين الرسمي والخاص، استدعى اتخاذ النقابة مواقف حاسمة بهذا الخصوص ما أدى إلى إسقاط الإقتراح. كذلك زاد وزير التربية مروان حمادة من وتيرة حركته، داعيا الجميع إلى التروي والتعاون لإيجاد الحلول المناسبة.

وعود وحوار وانتظار

الوزير حمادة، أكد من جهته أن «وضع البلد والموازنة والخزينة يستوجب جدولة عبء الدرجات». وشدّد بعد لقائه البطريرك الراعي في بكركي، على معاودة الحوار عبر لجنة الطوارئ بدعم من المجلس الاقتصادي الاجتماعي، «لتأمين جدولة التشريع، متمنيا على الجميع عدم أخذ الآخر رهينة بالإضرابات، لأن ذلك جريمة بحق الطلاب. هناك وعود مقطوعة والحوار مستمر، والفكرة التي عرضتها هي السعي الى تفاهم يحفظ التشريع وحقوق المعلمين ويجدولها، وإذا أصبحت الدولة قادرة على أن تدخل على الجدولة فستساهم».

ولم يخفِ الوزير حماده أنه ستكون هناك زيادات قليلة على الأقساط لا تتعدى الدرجتين وأن المفعول الرجعي سيكون مضمونا، معتبرا أن «الأعباء زادت والتضخّم قوي، ولكن المعلمين لهم حقوق ولن نحرمهم منها، والمؤسسات يجب أن تكون منتظمة وأن تكون قادرة على مواجهة التحديات من دون إفلاس، واصفاً هذه المعادلة بالصعبة وأنه يجب الوصول الى حل».

ووصف الوزير حمادة المدرسة الخاصة في لبنان بأنها «تتحول إلى الأغنياء فقط، وأن ذوي الدخل المحدود يصبحون يوما بعد يوم، ممنوعين من إدخال أبنائهم إلى المدرسة، لأنهم غير قادرين على تحمل التكاليف الضخمة». وشدد على أن المهم في هذا الأمر هو أولا السيطرة على الارتفاع الكبير في الأقساط والحد من جنون الغلاء في المدارس الخاصة، وثانيا، العمل على تطوير المدرسة الرسمية، لكي تكون صرحا تربويا مناسبا لكل التلاميذ، لا خيارا إلزاميا لغير القادرين على تحمّل الغلاء.

النقيب عبود أكد أن الدرجات بات مسلَّماً بها من قبل الجميع، ولكن الخلاف هو على كيفية دفعها. فهناك من يقترح تقسيطها من دون مفعول رجعي، وهناك مدارس باشرت دفعها، فماذا نفعل بها؟ وتابع: «بالنسبة إلينا ما يُطرح من مشاريع لا تعطي المعلم حقه لا علاقة لنا به». ولفت إلى أن «الإضراب الذي كان مقررا تنفيذه بعد العطلة، تم تجميده حاليا بانتظار نتائج ما ستؤول إليه المفاوضات الجارية». وأوضح أن هناك مدارس خاصة تواجه صعوبات، ولكن ليس كل المدارس بل تلك المجانية الصغيرة التي تضطر لدفع الزيادات والدرجات للمعلمين، فيما تتأخر الدولة في دفع ما يتوجب عليها تجاه هذه المدارس. في المقابل هناك العديد من المدارس غير المجانية الضخمة، تجني أرباحا كبيرة ولا يجري التدقيق في موازناتها. وقال «نحن ما يهمنا هو حقوق المعلمين».

من جهته إتحاد المؤسسات التربوية يُنفي أن يكون تداول بصيغة التقسيط من دون مفعول رجعي، غير أن الاتحاد متمسك بما سماه ثوابت «لقاء بكركي»، أي أن تتحمّل الدولة مسؤولياتها، أقله بتغطية الدرجات الست التي فرضها المشترع، إذ إن ما يجري تداوله حول اعتماد الجدولة أو التقسيط للدرجات الاستثنائيّة على سنوات عدة لن يشكل حلاً ممكنا للأزمة، بل سيكون من قبيل التأجيل والهروب إلى الأمام، ولن يكون من شأنه سوى تأجيل الأزمة لا أكثر، إضافة إلى استحقاق الدرجات الآنية بشكل تلقائي كل سنتين.

وكان الطرح الذي عُرِض على مجلس النواب، يقتضي بتقسيط الدرجات والمفعول الرجعي على 3 سنوات، بحيث يأخذ المعلمون درجتين ابتداء من 1 تشرين الأول 2018، و4 درجات في الأول من تشرين الأول 2019، و6 درجات في الأول من تشرين الأول 2020، على أن ينتهي تقسيط المفعول الرجعي في العام 2023. هذا الطرح تناوله رئيس مصلحة المعلمين في «القوات اللبنانية» رمزي بطيش، ولكن باقتراح صيغة تعطي المعلم حقه ولا تفصل وحدة التشريع. فما هي؟

التقسيط من دون قانون

يشرح بطيش لـ«المسيرة» أن القانون موجود ولا حاجة لسن قوانين جديدة، والكثير من الكلام والإقتراحات المتداولة اليوم غير شرعي، لأن لا يجوز أن نقر الزيادة ثم نعود لطرح صيغ التقسيط خلافا للقانون. فالسلسلة تتضمن الزيادة والدرجات الست والتزمت بها المدارس الخاصة، ولكن بعضها لم يلتزم بالدرجات. وتابع أن القانون 46 نافذ، ولكن ربما تكون هناك «قبة باط» في مكان معين لتقسيط الدرجات. ولأن هذا لا يتم إلا بقانون فتوجهوا إلى مجلس النواب، وهنا الخلاف لأنه لو أقر تقسيط الدرجات في المجلس لاستدعى ذلك فصل التشريع بين العام والخاص. وهذه سابقة تدمّر التعليم الخاص قبل العام. وأشار إلى أن أعضاء كتلة نواب «القوات» لن يصدّقوا على أي قانون غير واضح.

أما عن اقتراحه، فقال بطيش إنه «يتضمّن التقسيط ولكن من دون قانون. أي عبر الإتفاق بين إدارات المدارس والمعلمين. فتُدفع بداية درجتان، والسنة التالية درجتان فتصبح أربعة، والسنة التي بعدها نصل إلى ست درجات، وفي السنة التي تلي يتم دفع المتأخرات عن السنتين الأولى والثانية». وتساءل، «هناك مدارس رفعت الأقساط ودفعت الزيادة مع الدرجات فماذا نفعل تجاهها؟ بعض المدارس تربح من السلسلة ولا تخسر كما يدّعي البعض، لكن المسألة أن لا رقابة صارمة عليها تحول دون حصول مخالفات. كيف يمكن أن تكون هناك مدرستان متساويتان بعدد التلاميذ والأساتذة أنفسهم تقريبا، وبأقساط مختلفة؟ هناك مدرسة في جبل لبنان مثلا قسطها 5,5 ملايين وأخرى في المنطقة نفسها قسطها 8,5 ملايين ليرة؟ وهناك مدارس كانت تمرِّر زيادة الأقساط بنسب قليلة عاما بعد عام من دون انتباه الأهل. فلو تم ضبط كل ذلك لما كانت هناك مشكلة.

لكن المشكلة بنظر العديد ممن يتابعون هذه المسألة كما غيرها من المسائل المشابهة، أن لا انضباط في مكان ولا رقابة في مكان آخر. ويتوقع هؤلاء أن تتم المماطلة من الآن وحتى الإنتخابات النيابية، لأن لا مصلحة لأحد خلال هذه الفترة في إغضاب أي جهة خصوصا أنّ هناك اتفاقاً بين القوى السياسية لعدم تمويل الدولة لرواتب المعلمين في القطاع الخاص. وكان عبود طالب المعلمين بعدم التصويت في الانتخابات النيابية للمرشحين الذين سيوافقون على اقتراح فصل التشريع. ولذلك تجد المدارس نفسها أمام أمرين: حرمان المعلمين حقوقهم وهذا ما لا يقبل به المعلمون، ورفع الأقساط وهو ما يرفضه الأهل. فهل يصل الجميع إلى نهاية العام الدراسي ودخول فترة الإمتحانات الرسمية ليواجهوا أزمة جديدة متكررة تتمثّل بامتناع المعلمين عن المراقبة والتصحيح كما حصل في سنوات سابقة ويبقى التلاميذ بلا امتحانات بعد أن يكون معظم الأهل قد دفع الزيادة على الأقساط؟

 

قرارات قضائية تجمّد زيادات على الأقساط

وسط عدم مراعاة الأصول في زيادة الأقساط من قبل بعض المدارس الخاصة ورفض الزيادات بالمطلق من قبل الأهل، حضر القضاء، فأصدر قرارات جمّد بموجبها الزيادات في عددا من المدارس في بيروت والجنوب وجبل لبنان باعتبارها غير قانونية (في الحالات التي تم النظر فيها). ما يشكّل مخالفة واضحة للقانون 515 الصادر عام 1996 الذي يحدد الاصول الواجب اتباعها في تحديد الاقساط وزيادتها السنوية. وهناك مدارس أخرى عادت من تلقاء نفسها عن زيادات كانت أعلنت عنها، خصوصا أن الدرجات الست لم تدفع بعد للمعلمين.

 

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل