.jpg)
كتبت “المسيرة” – واشنطن – العدد 1659:
في 27 و29 نيسان يقترع اللبنانيون المقيمون في دول الانتشار للمرة الأولى في تاريخ الانتخابات البرلمانية في لبنان على أساس أنهم ناخبون لبنانيون مسجلون في لوائح الشطب، وليس على أساس تصويتهم لمرشحين يمثلون القارات الست حيث يعيشون. سيجيز لهم قانون الانتخابات الإقتراع كل في دائرته الانتخابية كما لو كان في لبنان إفتراضياً.
هذه الخطوة التي تحتاج إلى متابعة إدارية ولوجستية دقيقة، شكلت إختباراً حقيقياً للجهات المعنية في لبنان، ولا سيما وزاراتي الخارجية والداخلية، المعنيتين بمتابعة تفاصيل الإقتراع في الخارج، وإنجازه بنجاح طالما أنه الاختبار الأول للسفارات والقنصليات اللبنانية المنتشرة في جميع دول العالم.
وفي انتظار معرفة مدى نجاح هذه العملية على صعيد الترتيبات اللوجستية وتجاوب اللبنانيين بالذهاب إلى مراكز الاقتراع كل في الدولة التي يقيم فيها، إستغربت مراجع معنية بمتابعة الشأن اللبناني من الخارج طوال سنين عديدة، الضجة أو القلق الذي يبديه البعض إزاء عدم إمكانية تصويت بعض اللبنانيين المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً من هم من أنصار «حزب الله» وحركة «أمل» الذين يتجمع معظمهم في ولاية ميتشغان، وبالتالي محاولة الاستنكار لأن ما يتوفر لغيرهم من القوى السياسية الموجودة في الولايات المتحدة لن يتوفر لهم على أساس أن تصويتهم لهذين الحزبين سيدفع بهم إلى كشف هويتهم السياسية – الحزبية، ويعرضهم هذا الأمر للمساءلة وربما إلى المحاسبة على اعتبار أن «حزب الله» مصنف وفق الخارجية الأميركية بأنه حزب إرهابي.
وعليه تورد المراجع المعنية سلسلة ملاحظات علها تساهم في توضيح الصورة ليس فقط بالنسبة لاستحقاق تصويت اللبنانيين في الخارج بل لجهة ما يفرضه النظام العام والقانون في الولايات المتحدة من مبادئ وقيم.
أولاً: إن القول بأن كل الأحزاب السياسية لديها حرية في التحرك السياسي والقيام بالنشاطات والجولات في الولايات المتحدة، وأن هذا لا يتوفر لـ»حزب الله»، هو قول غير صحيح في الشكل والأساس.
ففي الشكل، لا يجيز القانون الأميركي لأي منظمة أو حزب خارجي أن تعمل على الأراضي الأميركية، وهذا القانون كما هو مطبق في الولايات المتحدة تطبقه معظم دول العالم أيضاً، أما في الأساس فإن أي حزب سياسي لبناني لا يحق له التواجد معنوياً ورسمياً في الولايات المتحدة لأنه لا يوجد قانون يرعى هذا الوجود.
ثانياً: الأمر المتعارف عليه هو أن اللبنانيين المقيمين في دول العالم أو الذين إستحصلوا على جنسية الدول القاطنين فيها، تداعوا كل من وجهة نظره أو موقفه السياسي، لنصرة ودعم قضايا لبنان لدى الحكومات والمنظمات الأجنبية، ومن أجل أن ينتظم عملهم عمدوا إلى إنشاء جمعيات ومعاهد أبحاث ومكاتب خبراء، بحسب ما يجيز قانون الدول التي يقيمون فيها بذلك، وهي كلها جمعيات لا تطلق شعارات أو تتبنى مبادئ سياسية معينة تحت تسمية هذا الحزب أو ذاك وإنما تعبّر حقيقة عما تريد أن تعبّر عنه في متابعة قضايا لبنان على المستويات كافة، ولا يحق لهذه الكيانات أن تنتظم في أي عمل سياسي أو حتى مادي أو مالي إذا جاز التعبير. وبالتالي إنطلاقاً من هذه الوقائع، لا يمكن القول بتاتاً إن عدداً من الأحزاب السياسية أو مناصريهم يملكون الحرية للتحرك في الولايات المتحدة بينما تُحجب هذه الحرية عن أحزاب أخرى ولا سيما «حزب الله».
ثالثاً: تستغرب المراجع المعنية تحويل البعض في لبنان قضية تصويت اللبنانيين في الانتشار إلى قضية مذهبية أو طائفية لجهة القول إن غالبية المقيمين في ولاية ميتشيغان هم من الطائفة الشيعية ولم يتسجل منهم في لوائح الاقتراع في الخارج سوى عدد ضئيل مقارنة مع عددهم الحقيقي الكبير، وبالتالي فإن الاقتراع سيكون متاحاَ أمام اللبنانيين من الطوائف الأخرى أكثر من الشيعة، وتنتقد هذه المراجع هذا التفكير الذي يعمل على تأطير اللبنانيين في الخارج ضمن مجريات لعبة التوازنات في لبنان، وربما نسي هذا البعض أن اللبناني الذي يحصل على الجنسية الأميركية تترتب عليه وفق قسم اليمين الذي يتلوه شخصياً بحسب القانون الأميركي واجبات والتزامات عديدة:
• أولاً: يصبح ولاءه للدولة التي منحته جنسيتها، وعليه أن يتصرف تبعاً لقوانين البلد المرعية الإجراء، وعليه فإن جنسيته الأولى لا تسقط فقط بفعل التجنس من قبل دولة أخرى، بل أصبح هذا اللبناني مواطناً بكل ما لهذه الكلمة من معنى في الدولة التي أصبح يحمل جنسيتها.
• ثانياً: فإن قسم اليمين الذي يتلوه الذي يحصل على الجنسية الأميركية يحظر عليه التعامل مع أي دولة أو منظمة على حساب الولايات المتحدة، وهو ما جاء حرفياً في الجزء الأول من قسم اليمن: «بعد أن أقسمت اليمين، أؤكد بأنني أقوم كليًا وبالكامل بالتخلي عن كل ولاء وإخلاص لأمير أجنبي، أو حليف ، أو دولة ، أو سيادة ، وألتزم الدفاع عن دستور وقوانين الولايات المتحدة الأميركية ضد جميع الأعداء ، الأجانب والمحليين…»
• ثالثاً: إن شهادة التجنس الرسمية تتضمن عبارة واضحة وصريحة، بأن هذا الشخص أصبح مواطناً أميركياً بإستحصاله على الجنسية الأميركية، وأن جنسيته السابقة Former Nationality هي البلد الذي وُلد فيه.
ولكن ما هو متعارف عليه عبر الأجيال والتاريخ هو أن الصلة التي تبقي علاقة اللبناني بوطنه الأم هي علاقة تصنف في خانة « النوستالجيا» والحنين لوطن الآباء والأجداد، وفيما عدا ذلك فإن اللبنانيين المجنسين هم مواطنون بالدرجة الأولى في الدولة التي أخذوا جنيستها، ومن واجبهم القانوني والدستوري الإلتزام بقوانين البلد المرعية.
• رابعاً: تبعاً لذلك لا تقع المسؤولية بالدرجة الأولى على السلطات الأميركية التي قيل إن الذين يريدون التصويت لصالح لوائح «حزب الله» يخشون من الملاحقة أو المساءلة في ما بعد من قبل سلطات إنفاذ القانون على اعتبار أن هذا الحزب مصنف في لوائح المنظمات الإرهابية، ولكن المسؤولية القانونية تقع في الشكل والأساس على المواطن الأميركي من أصول لبنانية، لأنه يتوجب عليه احترام قوانين البلد بمعزل عن «شعوره وتعاطفه الباطني» مع حزب مصنف إرهابياً وفق القانون الأميركي، وبمعزل عن رأي هذا «المواطن المجنس أميركياً» بأن قرار بلده الأول حالياً أي أميركا هو قرار خاطئ وأن «حزب الله» بنظره ليس حزبا إرهابياً.
وهكذا في الأساس يكون اللبنانيون الذين يحملون الجنسية الأميركية متساوين في الواجبات والحقوق أمام القانون الأميركي وبالتالي لا تفرقة بين مواطن وآخر إلا بمقدار إلتزامه بقوانين الولايات المتحدة كونه مواطناً أميركياً بالدرجة الأولى، ويتوجب عليه إحترام هذه القوانين وعدم مخالفتها لأنه سيتعرض للمساءلة أو الملاحقة ليس بكونه لبنانياً بل أميركياً.
• خامساً: أما بالنسبة لفرضية الكشف عن عملية تصويت اللبنانيين امام السلطات الأميركية، ومعرفة اتجاهات تصويت الناخبين فهذه فرضية غير منطقية بتاتاً، لأن لبنان ليس الدولة الأولى التي تنظم إقتراعاً لمواطنيها المقيمين في الولايات المتحدة، فبالأمس القريب انتخب الأميركيون – المصريون، وقبل ذلك الأميركيون – الفرنسيون، وغيرهم من معظم دول العالم، ولم تتدخل الأجهزة الأميركية في آلية التصويت كونها تشرف عليها السفارات والقنصليات على اعتبار أنها جزء من سيادة البلد الذي لديه بعثة تمثيلية وعلاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة. وتبعاً لذلك فإن السفارة اللبنانية في واشنطن إضطرت إلى إصدار توضيح رسمي أعلنت فيه أن الانتخابات ستتم بالتنسيق مع وزارة الخارجية الاميركية وموافقتها، مشدّدة على انّ المقترعين سيُدلون بأصواتهم بطريقة سرية خلف عازل التصويت الذي يضمن الخصوصية والسرية. وأكدت ان لا مبرر لتخويف الناخبين او ابتزازهم او دفعهم الى الاعتقاد أنّه من الممكن اعتبار التصويت دعماً مادياً لأيّ منظمة، وأوضحت أن نقل أوراق الاقتراع سيتم في أمان وسيصار الى فَرزها في لبنان يوم الانتخابات وبعد انتهاء عمليات الاقتراع.
وإذا كان الشيعة اللبنانيون الذين يحملون الجنسية الأميركية لم يقبلوا بكثافة على التسجل للانتخاب، فهذا ليس بسبب الخوف من الملاحقة إنما لأن قدرتهم على التأثير في نتائج الانتخابات ضئيلة قياسًا على عدد الشيعة الذين يقترعون في لبنان في الجنوب والبقاع وبيروت وجبل لبنان.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]