
أقيم في مستشفى الصليب للأمراض العقلية والنفسية في جل الديب، مؤتمر بعنوان “التحديات الأخلاقية والقانونية في الطب النفسي”، برعاية المدير العام لوزارة الصحة البروفسور وليد عمار، وبمشاركة متخصصين وقانونيين، وفي حضور رئيسة المستشفى الأخت هيام البدوي ومديرته الأخت جوزفين مطر وحشد من المعنيين.
زغبي
بعد النشيد الوطني، القى طبيب الصحة في المستشفى الدكتور مروان زغبي كلمة قال فيها: “إن المرض تجربة متعبة في حياة الانسان، فكيف بالمرض النفسي؟ لقد شكل استعمال الوصمة المتمثلة بالمرض النفسي عبر التاريخ أداة ضغط وابتزاز في الحياة الاجتماعية والسياسية، كما كان من أصعب العوائق التي تعترض القضاة قبل لفظ احكامهم”.
وأضاف: “إن اشكاليات التداخل بين المسؤولية القانونية والتشخيص النفسي والحقوق المدنية للمريض المعاني من المرض النفسي من المواضيع الساخنة في مجتمعات قد تكون سبقتنا بفعل الثورات الاجتماعية، وهنا نذكر على سبيل المثال تأثير ثورة في فرنسا 1968 الواضح المعالم في هذا الاطار”.
وتابع: “نحن هنا في مستشفى حمل المريض النفسي أمانة من المؤسس عبر الاجيال. من أولى ممن يعايش يوميا معاناة أشخاص حكمت عليهم الحياة بمرض دائم وتحكم عليهم ألسنة المجتمع يوميا وكأن المرض لا يكفيهم، بطرح حقوقهم وحمايتهم مادة للبحث المعمق مع أصحاب الخبرة والاختصاص”.
وسأل: “ما هي حقوق هؤلاء المرضى علينا من باب الانسانية ومواثيقها أولا؟ جميل هو الإعلان العالمي لحقوق الانسان، وأكاد لا أجد مادة من هذا الاعلان لا تحتاج لمن يحمل لواءها عند المريض المعاني من المرض النفسي. فمن المادة الاولى اسأل عن حق المساواة لأطرح واقع التمييز المرفوض في المادة الثانية، وتطول لائحة الاسئلة عن حماية القانون وحق المراجعة امام المحاكم كما عن الحق في حرية التنقل وعدم جواز حجز الحرية وحق التعلم ناهيك عن الزواج وحق تأسيس عائلة”.
وأضاف: “الشق الثاني يطرح نفسه مكملا لما سبق حول القانون اللبناني ونصوصه. أي حماية لسرية الملف الطبي ومتى يستطيع الطبيب افشاء محتواه؟ كيف نوفق بين حق الإنسان الحصري بالعناية بجسده وبين عدم قدرة مرضانا في بعض الأحيان على الاعتناء بأجسادهم وحمايتها. أين نقف من إعطاء مريض من مرضانا حق تقرير مصير حين يرفضون العلاج أو ينبذون الحياة؟”.
وقال: “اليوم نطرح على طاولة البحث هواجسنا. نناقش خوفنا الدائم من فقدان بوصلة أدبيات المهنة امام مرضى فقدوا الكثير من قدراتهم في الدفاع عن النفس. فنحن نسأل نفسنا كل يوم عن صوابية جلب مريض بغير ارادته الى المستشفى. نسأل ونبحث كل يوم عن جواز الإفصاح عن معلومات طبية لقريب أو نسيب أصبح بحكم الواقع السند الوحيد لمريضنا وصلة الوصل مع العائلة والمجتمع. نعيش صراعا في حالة كل مريض يحتاج للتوجه الى مركز صحي آخر لتلقي علاج صحي وكيف السبيل لإنقاذ جسده دون المساس بحرمة سر مرضه؟ وتطول لائحة القرارات الصعبة وتكثر الأسئلة وتبقى الأجوبة في معظم الأوقات تائهة بين قوانين نظرية لا تلامس واقع المريض وغياب الرعاية أو جزئيتها وعدم كفايتها”.
وختم: “هذا اللقاء لا يطمح لاكثر من إعلاء الصوت لطرح اشكالية تهدد ممارسة الطب النفسي على المستوى الوطني. نحن نعلم أن الحلول لن تأتي بسحر ساحر ولكننا نعلم أيضا ان واجبنا كأكبر مستشفى للأمراض النفسية يقتضي المساهمة في ابتداع الحلول واقتراحها على مختلف المقررين والمساهمين في هذا المجال”.
عمار
من جهته، أعرب عمار عن سروره بالمشاركة “بافتتاح أعمال هذا المؤتمر حول الإعتبارات الأخلاقية والقانونية في الطب النفسي، لما لهذه الإعتبارات من اهمية وتأثير على حياة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية وعائلاتهم. وإنها مناسبة للتأكيد على الأهمية المحورية للصحة النفسية في استراتيجية وزارة الصحة العامة، فلا صحة من دون صحة نفسية”.
وأضاف: “كما نعلم، وعلى الرغم من ارتفاع معدل انتشار الاضطرابات النفسية في لبنان كما في جميع أنحاء العالم، لا تزال خدمات الصحة النفسية المضمونة الجودة غير متاحة للجميع. هذا ناتج عن مجموعة من العوامل كالنقص في عدد الاختصاصيين والوصمة الإجتماعية. يساهم في هذه الوصمة مجموعة من المفاهيم الخاطئة والشائعة حول الصحة النفسية والتي تشكل حاجزا أمام الناس يمنعهم من التحدث عن معاناتهم وطلب المساعدة للحصول على الخدمات المناسبة لمساندتهم في مسيرة التعافي”.
وتابع: “لذلك، فإن مقاربة وزارة الصحة لتعزيز الصحة النفسية للمواطنين في لبنان مبنية على سياسة تأخذ بالإعتبار تعددية القطاعات المعنية وتشابكها، وتعدد الجهات الفاعلة في هذا المجال. والإستجابة لهذا الواقع تتجسد بالشراكات المتعددة المتينة التي تربط البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة العامة بجميع الفرقاء المعنيين، من وزارات وأكاديميين ونقابات وجمعيات اهلية ومنظمات دولية”.
وأردف: “لقد تجلى ذلك في صياغة وآليات تطبيق الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية التي تهدف الى إصلاح نظام الصحة النفسية في لبنان واعادة هيكلته. فإن شبكة مقدمي خدمات الصحة النفسية المجتمعية التي تبنيها حاليا وزارة الصحة مع شركائها، تهدف الى تأمين خدمات صحية نفسية ورعاية إجتماعية شاملة، متكاملة، وسريعة الاستجابة، ملتزمة بمبادئ حقوق الانسان”.
وقال: “حرصت وزارة الصحة العامة على دمج الصحة النفسية ضمن رزمة الخدمات الوقائية والعلاجية للرعاية الصحية الاولية واعتماد نظام إحالة الى مراكز متخصصة. كما وضعت الوزارة تعرفة خاصة لخدمات الصحة النفسية في المستشفيات بغية إزالة العوائق المالية وجعلها متاحة بشكل منصف لجميع المواطنين. وفي هذا السياق، تم مؤخرا افتتاح قسم للصحة النفسية في مستشفى الحريري الحكومي الجامعي للمساهمة في تلبية الإحتياجات الوطنية في هذا المجال. وهنا يهمنا الإشارة إلى الدور الريادي الذي لعبه وما زال يلعبه مستشفى دير الصليب في تقديم خدمات الإستشفاء للأكثر حاجة، بالشراكة مع وزارة الصحة العامة. ولقد باشر هذا الصرح بتقديم خدماته بتفان حين لم يكن أحد مهتما بالصحة النفسية، وذلك فخر لرهبنة الصليب ولمؤسسها أبونا يعقوب”.
وختم: “نتقدم منكم اليوم بالشكر لكل ما بذلتموه من جهد في هذا المجال ونود دعوتكم لحوار حول كيفية تفعيل التعاون مع الوزارة لتطوير الخدمات التي يقدمها المستشفى تماشيا مع الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية. فإن البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة سوف يتابع معكم هذا النقاش بما يخدم المرضى ومؤسستكم الكريمة على حد سواء. ونود التأكيد أن وزارة الصحة العامة ترحب بجميع الشركاء للتعاون مع البرنامج الوطني للصحة النفسية لتنفيذ الإستراتيجية الوطنية، ونتمنى لكم مداولات مثمرة في هذا اللقاء العلمي اليوم، وإلى مزيد من التقدم لهذه المؤسسة”.
كلمات
ثم تناول الرئيس القاضي الدكتور يحيى الرافعي وجهة النظر القضائية، وتحدث كل من المحامي ميشال ريشا من الدائرة القانونية في نقابة الأطباء، المحامية نايلة جعجع ونور الكيك من وزارة الصحة، الدكتور رامي بو خليل، الدكتور سامي قواص، الاب ميشال شاور (vice recteur USJ)، الدكتور رامي بو خليل والدكتور رمزي حداد. وتخللت المؤتمر طاولة مستديرة أدارتها الإعلامية جاكلين شهوان.