
وصل هدير معراب في هذين اليومين الإنتخابيّين الطّويلين إلى أصقاع العالم الأربعة. فقال الإغتراب كلمته المدويّة حتّى هزّ عروش سلاطين السّلطة داخل لبنان قبل الإنتخابات المرتقبة في السادس من أيّار المقبل. فهل سيبدّل الخصوم في تكتيكاتهم الإنتخابيّة واستراتيجيّاتهم التّحالفاتيّة بعد هول ما رؤوا من الإغتراب القوّاتي؟ أم أنّ الإستسلام للأمر الواقع في السابع من أيّار بات حقيقة حتميّة؟
قد يعتقد البعض، لا سيّما الخصوم، بأنّه من المبكر الحديث عن مفاعيل نتائج الإنتخابات. لكن يبدو جليًّا من خلال التّنظيم القوّاتي، الإغترابي والمحلّي، بأنّ “القوّات” باتت كما كانت دائمًا الرّقم الصّعب. فحتّى بكتلة نيابيّة لم تتعدَّ العشر نوّاب ووزراء ثلاثة فقط استطاعت “القوّات” بممارساتها القويمة أن تثبت فعلاً لا قولا بأنّ “الدّني ما بتخلى من الأوادم”.
فحيثما تكون الإرادة توجد الطّريق. إرادتنا واضحة وطريقنا أوضح. هذه الطّريق التي رصفناها بتضحيات الأجداد وكحّلناها بدماء الشّهداء فأنبتت أرزًا لن يموت، كلّنا ثقة بأنّنا سنسلمه لأولادنا وأحفادنا من بعدنا أفضل ممّا سلّمنا إيّاه آباؤنا وأجدادنا. نعم، هذا ليس بإعلان انتخابيّ، إنّما هي حقيقة وجوديّة كيانيّة نابعة من صميم تراثنا وتاريخنا في هذه الأرض التي ما تجذّرنا فيها وحسب، بل هي تجذّرت فينا.
فليغيّروا ما شاؤوا من تكتيكات انتخابيّة، واستراتيجيّات تحالفاتيّة قبل الإنتخابات وبعدها. نحن ثابتون كما دائمًا، هكذا كنّا وهكذا سنبقى. ثابتون في تكتيكنا العملي – العملاني على الأرض، وثابتون في مواقفنا التي على أساسها نبني تحالفاتنا كلّها. وما حدث في اليومين المنصرمين في الإغتراب، سلّط الضّوء على حرفيّة العمل القوّاتي التي شكّلت محطّ إعجاب الخصوم قبل الأصدقاء والحلفاء. ولولا خوف المتربّصين شرًّا لـ”القوّات من النّتائج التي تمّ تحقيقها في الإغتراب لما رفض السّفراء بإيعازٍ ما، إعطاء نسخة من المحاضر للمندوبين بعد انتهاء التّصويت. وفي ذلك مخالفة واضحة للقانون الذي لا يمنع هذه المسألة إطلاقًا. لذلك وزارة الخارجيّة مطالبة بالتّحرّك فورًا حفاظًا على هذا الإنجاز الإنتخابي الذي تحقّق بجهود الجميع، ومنعًا لإفشاله.
من هنا، ستشكّل “القوّات اللّبنانيّة” قاعدة جديدة سيُجبَر الآخرون على العمل وفق أسسها، وهي التي أظهرتها في أدائيها النيابي والحكومي. نحن لا نرمي الكلام جزافًا، بل نعمل وفق قاعدة النّمذجة التي اعتمدتها أرقى دول العالم التي وصلت إلى قمم الرّقيّ والتّقدّم الحضاريّين. لقد كنّا وسنبقى النّموذج في العمل السياسي، لأنّنا نؤمن بما قاله قداسة البابا يوحنّا بولس الثّاني في الإرشاد الرّسولي الذي وجّهه إلى لبنان في العام 1997 وذلك في القسم الخامس من الفصل السادس في الصفحة 179 الذي جاء فيه: “…إنّ إدارة الشّؤون العامّة هي السّبيل إلى الرّجاء، لأنّها تتّجه نحو عالم علينا أن نبنيه، ويلوح من خلالها أنّ التحوّلات ممكنة كي يتحسّن وضع البشر”.
هذا النّهج الذي ندعو اللّبنانيّين جميعهم، إلى تعاطي الشأن العام على أسسه. هكذا كنّا يوم كان واجبنا يقتضي حمل السلاح، وهكذا نحن اليوم عندما أصبحنا عرّابي الجمهوريّة القويّة والدّولة القادرة التي نطمح إلى تحقيقها مع شركائنا في الوطن. فهل من سيجرؤ على تعاطي الشّأن العام بهذه الرّوحيّة، روحيّة قداسة البابا يوحنّا بولس الثّاني، وروحيّة “القوّات اللّبنانيّة”؟ أم أنّ النهج الإقطاعي والإفسادي سيهيمن على المرحلة الجديدة من العهد؟