.jpg)
في القرن السادس ميلادي عندما هرب مار مارون واستوطن جبال ووديان بشري، وبدأ مار يوحنا مارون بأول مقاومة مسيحية منظمة في التاريخ، إنما لإدراك الأول أن هذه الأرض هي منبع للرجال، وإقتناع الثاني أن نواة أي مقاومة لا يمكن أن تبصر النور إلا بهؤلاء الرجال.
ومنذ ذلك الحين ومنطقة بشري في طليعة كل تشكيلات المقاومة المسيحية ورأس حربة في الدفاع عن المسيحيين على مدى 1400 سنة من الإضطهاد والإحتلالات والغزوات.
كان يحرص كل قائد عسكري أن تكون نخبة رجاله من منطقة بشري، ولا أنسى أخبار الكبار الذين خدموا مع يوسف بك كرم، كيف أكملوا طريقهم الى الشوف لمساعدة المسيحيين بعدما أتت الأوامر عند نهر الكلب بالرجوع وعدم إكمال الطريق.
لن أنسى أيضًا قافلة الشهداء التي بدأت بالشهيد شربل طوق في منتصف السبعينات وإستمرت الى نهاية التسعينات والتي روت بدمائها كل تراب الوطن جنبًا الى جنب مع رفاقهم الأبطال من كل المدن والبلدات اللبنانية.
يوم تركنا كل شيء وراءنا وذهبنا طوعًا للدفاع عن قرانا بالدرجة الأولى، لأننا ندرك جيدًا أن الدفاع لا يكون على التخوم، وعن باقي القرى والمدن ثانيًا، ليس لأننا نهوى الإستزلام أو المصالح، ليس لأننا نهوى الحرب والقتال… بل لأننا كآبائنا وأجدادنا نأبى أن نعيش بالذل أو أن نتفرج على أهلنا في المناطق الأخرى يموتون ويعذبون ويشردون من قراهم وبيوتهم لأنهم رفضوا أن يكونوا أهل ذمّة!
عندما كنا نُعذّب بأقبية السجون ونتحمل الضرب واللكم والتهكم، ليس لأننا أزلام أحد، وليس لأننا سنقبض ثمن ما نعانيه لاحقًا، لأن كل مال الدنيا لا يوازي معانات ليلة واحدة في سجون الإحتلال والذل، وإنما كنا في كل مرة نذهب ونعاني ونخرج فخورين مرفوعي الرأس وبكل إقتناع وطيبة خاطر، عارفين أن العودة قريبة، لكن مقتنعين أن ما نفعله وسنفعله هو من أجل القضية التي نؤمن بها وورثناها من الأجيال التي سبقتنا، ومهما بلغت تضحياتنا لا ترقى الى الثمن الذي دفعه رفاقنا بأرواحهم وأجسادهم!
لم ولن نكون أزلامًا لأحد إلا لسيدنا وإلاهنا يسوع المسيح، وقضيتنا التي نختصرها بوجودنا الحر في هذا الشرق، غير قابلة لأي مساومة أو تفاوض، ومن قضى عمره في الإستزلام والخنوع لزعيمه وللمحتل وعملائه، لا يحق له أن ينعت الآخرين بما هو فيه.
فخرنا أننا “قوات لبنانية” ولا ننكر الشوائب التي يجب معالجتها، فالكمال ليسوع المسيح وحده. فخرنا بقائدنا الذي لم نعرفه إلا أمامنا على الجبهات، وليس المختبىء الذي يرسل “زعرانه” للإعتداء على الآخرين، وننحني أمام تضحياته التي قدمها طوعًا عندما ذهب برجليه الى السجن أسوة بكل رفاقه في المقاومة المسيحية، وقد مكث أكثر من كل الذين دخلوا السجن، وبالتالي لا يحق لأحد أن يزايد عليه لا من الأقربين ولا من الأبعدين، لا في الحرب ولا في السلم ولا في إحترام الآخرين ولا في التضحية بكل شيء من أجل القضية التي نؤمن بها.
نردد ما قاله الشاعر أبو أنطون في مهرجان بشري أمس الأحد، علّ الشعر يصل الى الأذهان بطريقة أسهل:
“قوات نحنا ملوك مش خدام
لبنان نحنا بس خدامو
قوات نحنا زلم مش أزلام
وما تسألونا ليش ما منام
ما بينعسوا الحراس ت يناموا”.