معراب 7 أيار 2018

اصواتٌ هادرة تقرقع السهل، لا اعرف الساعة او حتى كيف كل ذلك، لأرى ذاك العجوز، والكفيّة تشمخ على كتفيه، يغمر زوجته بيدين مشققتين، وقد حنى ظهرها معول قاوم في ارضٍ لا تعرف التعب، يغمرها والدمع يذرف على صورة ابنها الشهيد التي لم تبارح شفتيها، يغمرها ويهمس “ألم أضع يديّ على شاربيّ؟ ألم أعدك بأنني سأكسر الصمت”؟ لم تسمعه! فجرس كنسية بشوات اقوى بكثير، يمسك بحبله راهبٌ لا يتوقف، بيده حبلُ النصر، لا يريد ان يتوقف.

اهرب من صوت المزمار وزغاريد الأمهات، أراني أصل زحلة، رباه… ما هذا. عبق الرجولة وحده الدليل، “اسبارطيو الشرق” لهم رونق مختلف، يحترفون البطولة، وكيف لا، اليس على طرقاتها  تبعثرت دبابات بعثية؟ رأيت في عيون اطفال زحلة غضب تلك العجوز التي رفعت، في يومٍ من الايام، ذاك الأصبع بوجه حافظ الاسد.

يشدّني خريرُ مياهٍ تجري، لا يتعب شلال جزين، وفي عتمة ليله، عكّرت صفاءه حبّات وردٍ حمراء لا اعرف مصدرها، فأهلها يعلمون كيف يأتون بها.

زحمةٌ خانقة، والطريق من الدامور الى خلدة شبه مقفلة، وامرأةٌ تمسك بيدٍ طفلها وبالأخرى تجرّ الحقيبة، عفوًا… فالارهاق أتعب عينيّ، لا أُلام، فتلك الصورة لا تبارحني، هذه ليست حقيبة انه حفيدها، لقد عادوا، عادوا لينتصروا، فالدامور لم تعد مدمرة، وكيروز بركات يبتسم ثم يعود ليغفو.

عين الرمانة لم تكن افضل بكثير، وكيف تغفو عينها و”صخرتها العاصية” لا تدعها ترتاح، وبصعوبة أمرّ بين جموع “المطاحن” لأصل منزلي.

متني ينتظر منتصف ليله ليرتاح، ينتظر سكوت مصانعه وهروب موظفيه من صخب النهار لكي يسكن، يخترقه صوت آذانٍ لطيف عند الفجر، انما الليلة استثناء.  يمرّ العائدون، وتنفذ الى أذني همسات: “الم اقل لك؟ انت من راهنت… وقد فعلناها”. ترمقني شقيقتي بنظرة الدلال، “اعلم انك تعبت كثيرًا، انما فلتكن الليلة استثناء، في جونية ينتظرونني.

اصل كسروان، فأرى “شلومو” يبكي يقول: “لا اعلم، هل افرح لأهلي ام احزن على هؤلاء، فأنا اخترت الجرد لأبقى قدر المستطاع جنب السماء، جنب رفاقٍ سبقوا”، “حسنًا لماذا تبكي”؟… “لقد مرّ رجل بجيبٍ منتفخة، تتهاوى منها اوراقٌ خضر، رأيتهم يتدافعون، يتعاركون ليجمعوها، توقف ليرى ماذا يجري من خلفه، فانحنوا”. سألته: “هل يعرفون طانيوس شاهين؟”، سكت “شلومو”.

“ابن الارض” انتصر، كذلك “ابن الابجدية” وقد جمع اهله على شاطئ جبيل، وقد اثقل كاهلهم بالاحلام، هم ارادوه وهو “اكيد” يستطيع.

في البترون لم أرَ احدًا، فالقديسون لا يحبذون الضوضاء، بعض تمتمات في جربتا وحردين وامهات يصلين ويشكرن، في زعرتا مارون يصلي على قبر سمير، والمقدمين يرسمون شارة الصليب في بشري، فسمير لم يخذلهم وهم كذلك، اما ابن الكورة فيتفقد زيتونه، فالانتصار اصبح مملًا.

“اريد العودة”، تسألني شقيقتي: “الم تنسَ شيئًا”؟ اعذريني لقد نسيت، نسيت عندقت والقبيات، نسيت ان عكار اختارات عميدها، وانا الذي نسيت النوم والراحة، عبق الشهادة يبقيني صاحٍ، ورائحة القهوة على طاولة معراب تتسلل بين الغرف، وعلى كتفي يدٌ تشد لتوقذني من حلمي وتقول: “استيقظ، اعلم انك تعبت كل الليل، فالمساء كان شاقًا وطويلًا… والليلة احتفال”.

… معراب 7 ايار 2018 الساعة السادسة صباحًا… صار بدا اصبحت واقعًا، و”صوتك قوة” ترجم انتصارًا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل