“المسيرة”: كلن عم يحكوا عنا… انتخب المغتربون وعاشت عاشت ماكينة “القوات”…

بالأساس ما كان يجب أن يدهشنا المشهد لو كان البلد بلدا من زمان، ولو كانت حقوق المواطنين اللبنانيين المغتربين، كما المقيمين، مؤمنة بالأساس، وإلا لكان تحوّل “حدث” اقتراع المغتربين اللبنانيين من بلدان اغترابهم، مشهدا عاديا مألوفا من المفروض ان يكون يتكرر مرة كل أربعة أعوام، كما تفعل بلدان العالم كله، لكن لبنان المغترب والمقيم دوّن في سجله الذهبي هذه العبارة التاريخية: “27 و 29 نيسان 2018 لبنان المغترب يقترع للمرة الأولى في تاريخه”…

 

تقدمت مندوبة الماكينة الانتخابية لـ”القوات اللبنانية” من مواطن لبناني في كندا بعد انتهائه من عملية الاقتراع، تسأله لمن انتخبت، فكّر قليلا وبدا وكأنه متردد، ثم نظر إليها “بتعرفي شو؟ رح جاوبك. أنا من زحلة وعيلتي فتوش وابن عمي رئيس لائحة والمرشح على لايحة “القوات” المنافسة هو قرابتي، كنت مقرر ما انتخب حتى ما أعمل شرخ بالعيلة، وأنا قاعد بهالليل تذكّرت حرب نيسان وكان عمري بوقتا تسع سنين، أنا وأهلي وكل الناس كنا قاعدين بالملاجئ وصاروا شباب المقاومة يطلوا علينا، تذكرت إنو نحنا كنا تحت مخبايين وهني فوق عم يموتوا كرمالنا، نسيت عيلتي ورحت انتخبت ضميري”، ووصل فيديو الزحلاوي الأصيل الى كل العالم، وصلت الرسالة المدوية العابرة للمساحات، ان حين تزرع الحق والبطولة تحصد الوفاء مهما طال الزمن وبعدت المسافات، الإيمان يجعلها هنا عند القلب والانتماء تماما، وحيث القلب يحيا الوطن.

كان مشهد الاقتراع يجول من قارة الى أخرى، من مدن العالم قاطبة، بدأ المشهد مع الدول العربية ومصر يوم السابع والعشرين من نيسان، واكتمل المشهد العرس في التاسع والعشرين منه، ونحن هنا نرصد الأنفاس، الأنفاس وليس أقل من ذلك صدقوا. كنا نحن في لبنان نجلس الى الشاشات نراقب لبناننا المغترب يموج بصخب الحدث، ولبناننا المقيم يتفاعل وينتظر ويبدي الدهشة حينا، والترقب في كل اللحظات، وأهم الأهم بعد، تحوّل رفاقنا في الاغتراب في كل خطوة يخطونها، الى دقات قلوبنا، تنقلنا معهم في أقلام اقتراعهم في مدن العالم تلك، عيوننا لاحقتهم في أدائهم الراقي المنضبط، في تصرفاتهم، تنظيمهم، مناقبيتهم وكل كل كل ذاك الالتزام والتنظيم.

لم نسأل بداية عن نسب المقترعين وما شابه، كنا نريد أولا مراقبة الوجوه وهي تمارس حقها البدهي المسلوب منذ أعوام وأعوام، الاقتراع من الانتشار لأجل الوطن، ممارسة واجب وطني مُنع عن هؤلاء بسبب كيد السياسة والسياسيين والاحتلالات المتعاقبة، وها هم عادوا ليشاركوا وبشكل مباشر في صنع القرار  لبلدهم الأم، “عن جد ما بيصح إلا الصحيح، مش هيك حكيم؟” قال رفيق لنا من أستراليا.

جلسنا نراقب بنهم لبنان وهو ينتخب في بلاد الناس الواسعة تلك، من الماكينة الانتخابية لـ”القوات اللبنانية” في معراب، عرفنا التفاصيل المملة أحيانا، الى هذه الدرجة، وسجلنا كل الأرقام والمشاهدات والتوقعات أيضا. الدول العربية ومصر، ثم الأميركيتين وأستراليا وأفريقيا وأوروبا، كأنهم صاروا بلدا واحدا في مشهدية موحدة، كي لا أقول قرية كبيرة مكشوفة تفاصيلها كافة، ورفاقنا في “القوات اللبنانية” واللبنانيون عموما، يصنعون مشهديتهم الخاصة بهم، والتي تداولتها شاشات العالم كافة. نقلوا لبنانهم معهم إنما من دون تلك “الميزة” الفوضى، نقلوا الدبكة اللبنانية وتحولت الكويت وسواها الى ساحة لأغاني التراث ووديع الصافي وفيروزتنا، “مش مصدق حالي إني رح انتخب ورح صوّت أخيرا لأرضي”، قال ابن دير الأحمر من اغترابه الأميركي. “أنا شيعي بس أنا صوّتت لأرضي” قال ابن بعلبك من موطنه البديل في أستراليا. “يقبرني ربك يا حكيم صوتي بيار بو عاصي” صرخ ابن بعبدا من اغترابه القريب هنا في قطر. “حاسس حالي كأني قاعد بقلب أنطلياس مع مرشحنا ماجد إدي أبي اللمع” قال ابن المتن من واشنطن، والماكينة القواتية الانتخابية تدور وتدور وتدوّن اللحظات، صار المغتربون هم الحدث ونحن نسجّل ونكتب للتاريخ ان إشهد يا وطن، إشهد على زمن لبناني، بالنسبة إلينا هو استثنائي، لأننا للمرة الأولى في تاريخنا القديم والحديث، نمارس حقا ديمقراطيا غُيّب عنا قسرا، وأكاد أقول اضطهادا، إرضاء لزمن الاحتلال السوري وأعوانه “المحترمين”!.

صحيح أن نسب الاقتراع لم تكن مرتفعة مقارنة مع عدد المسجلين في غالبية تلك البلدان، علما ان أعلى النسب سُجلت في أستراليا حيث قاربت الخمسين في المئة، وصحيح ان ثمة باسبورات غيّبت واختفت فجأة، كي لا نقول ذابت، بعدما كان أصحابها تقدموا بطلبات الحصول عليها، وبلغ عددها نحو الأربعمئة وكلها لرفاق لنا في “القوات اللبنانية”، وصحيح ان ثمة شوائب صغيرة حصلت في العملية الانتخابية، لكنها كلها تحولت الى تفاصيل بالكاد مرئية إذا ما قورنت بالمشهد العام “الأكيد إنو بعد أربع سنين، يعني بالعملية الانتخابية يللي جايي رح تتغيّر كتير أمور للأفضل، لأن هيدي أول تجربة إلنا وللبنان، كحزب نجحنا بالتنظيم لدرجة إنو ماكينات انتخابية لأحزاب تانية منافسة طلبوا مساعدتنا أكتر من مرة، والكل عم يحكي عن تنظيم “القوات” بكل البلدان، ويللي ما قدرنا نحققو ليس بسبب تقصير منا إنما لأسباب من الدولة اللبنانية، بس يللي صار هو عملية تشجيع وبروفا للأجيال المقبلة ليتمرسوا في العملية الانتخابية من بلدان انتشارهم” قال رفيق لنا في المكتب الانتخابي في واشنطن.

الأكيد ان الماكينات الانتخابية لـ”القوات اللبنانية”، طغت في تنظيمها الفائق على كل ما عداها، كل الشاشات تسمّرت تراقب تنظيم تلك الماكينة، التي كانت على تواصل مباشر بينها وغرفة العمليات في معراب، ومن معراب الى الوسائل الإعلامية اللبنانية كافة، طغى مشهد الأحمر المزيّن بالأرزة الخضراء، على ما عداه من لباس موحد للماكينات الانتخابية الأخرى، وانتقل المشهد الموحد من قارة الى أخرى في مدن العالم على عيونه المراقبة الراصدة التي أدهشها التنظيم القواتي، وما كان بإمكانها التنكر للتنظيم والترتيب والانضباط، “كل الماكينات كانت تجي لعنا تـ نساعدن، يطلبوا منا أرقام ومعلومات عن العملية الانتخابية ت يبعتوها ع بيروت، أو يطلبوا غراض، كنا متل مكتب لإرشاد اللبنانيين كافة”، قالوا في ماكينة “القوات” في أستراليا وكذلك في السويد وكندا وسواهم، في مشهد تنظيمي موحد استحوذ قلوب اللبنانيين هنا وفي الاغتراب، “ورم قلبي من الحب” قالت مغتربة في أستراليا حين فوجئت بالشباب يتولون إرشاد اللبنانيين ومساعدتهم، بغض النظر عن الأحزاب التي ينتمون إليها ويعملون لأجلها. وفي حين كانت معراب تنشر نسب الاقتراع اللبناني في الانتشار، كانت وسائل الإعلام اللبنانية تتحدث عن ماكينة “القوات اللبنانية” التي أدهشت العالم كله، وكان اللبنانيون من هنا، رفاق ومناصرين، يرقصون فرحا فخرا اعتزازا بقواتيين زرعوا الصورة الحلوة الراقية عن وطن في الحقيقة والعمق والأصل، هو هكذا، بلد حضاري يزرع الأصالة حيث يكون، هنا في لبنان وفي بلاد الناس الواسعة تلك، وكنا نعرف، كنا نعرف ان الصورة لن تكون أقل من ذلك، ومع ذلك ما كنا لنتوقع كل ذاك الألق، كل ذاك الانضباط، ما كنا لنتوقع الى هذه الدرجة، ان تتجاوز الماكينة الانتخابية القواتية حالها لتنقل صورة لبنانيين رفاق ومن غير الرفاق في الانتشار بهذه الدقة وكل ذاك الحب، أكيد كل ذاك الحب والاندفاع لممارسة وطنيتهم والمشاركة في صنع قرار مصيري لبلدهم، وليستحوذوا على المشهد الانتخابي اللبناني برمته.

وفي آخر اليومين الانتخابيين الطويلين، في السابع والعشرين من نيسان والتاسع والعشرين منه، أعلن مندوب بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في الانتشار، خوسيه أنطونيو دو غبريال “نحن متأثرون برد فعل اللبنانيين تجاه أول انتخاب للمنتشرين. ورصدنا اهتمام اللبنانيين الذين قدموا مثالا مهما للديمقراطية”.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل