وحده حزب “القوات اللبنانية” استطاع تحقيق تقدّم بارز على صعيد الانتخابات النيابية. فرحة معراب لا توصف، والفضل في ذلك يعود إلى عوامل رئيسية أبرزها إدارة الماكينة الانتخابية المحكمة التنظيم للعملية الانتخابية، وثبات القواتيين على مواقفهم السياسية، بالإضافة إلى تمسك سمير جعجع بالثوابت التي رفض التنازل عنها. في قراءة للأرقام والنتائج في المناطق المسيحية، وعلى صعيد النواب المسيحيين، يبدو واضحًا حجم التقدّم الذي أحرزته “القوات”، بحيث أحرز مرشحوها أرقامًا متقدّمة جدًا عن الأرقام التي أحروزها في العام 2009، وتقدّموا بشكل لافت عن منافسيهم في “التيار الوطني الحر”.
هذا ما تؤكده الأرقام بشأن نتائج بعبدا بين الوزير بيار بو عاصي مقابل النائب آلان عون. وهذا ما ينحسب على وضع شوقي الدكاش في كسروان، بمواجهة العميد شامل روكز وروجيه عازار. مع الإشارة إلى أن بعبدا وكسروان كانتا مقفلتين بوجه “القوات” في الاستحقاقات السابقة. في المتن تفوق إدي أبي اللمع على إبراهيم كنعان بأكثر من ألف صوت. وهذا مؤشر لا بد من التوقف عنده، لا سيما أن كنعان كان ينافس على زعامة المتن في ما يخص الأصوات التفضيلية، فيما سبقه النائب سامي الجميل بضعف عدد الأصوات تقريباً. وفي جبيل لم يكن الوضع مختلف، بحيث حصل زياد حواط على 14 ألف صوت مقابل 9 آلاف لسيمون أبي رميا.
لو تمكّنت “القوات” من بناء تحالف مع حزب الكتائب والنائب ميشال المرّ في المتن، لكانت هذه اللائحة اكتسحت المقاعد. ولو حصل ذلك أيضاً بين “الكتائب” و”القوات” في كسروان جبيل، لكان التيار الوطني الحر خسر أكثر من المقاعد التي خسرها. لكن القوات تصرّ على إعلان الانتصار الكبير، مسيحياً ووطنياً، لأن ما ينتظرها مسألتان مهمتان، وفق مصادر قيادية في معراب. المسألة الاولى هي أن القوات في كتلتها الجديدة ستكون بيضة القبان طوال سنوات العهد. بالتالي، قد تكون على تقارب مع مختلف الأطراف، لأنها ستمثل حاجة إليهم. والمسألة الثانية هي قيادتها جبهة “لبنان السيادة” كتعويض على جبهة 14 آذار. وهذا ما ستعمل القوات على تعزيزه من موقعها الجديد.
أكثر ما يفرح القواتيين هو أنهم انتجوا ما أنتجوه بفعل نشاطهم وجهدهم الذاتي، وبدون الاستناد إلى أي تحالفات انتخابية مع قوى أخرى. وهذه تحمل رسالة إلى “التيار الوطني الحر” الذي لجأ إلى تحالفات هجينة ومتناقضة، تارة مع “المستقبل” وطوراً ضده، وتارة مع “حزب الله” وطوراً ضده في دوائر أخرى. بالإضافة إلى الجماعة الإسلامية، وضم مستقلين مسيحيين أقوياء إلى لوائحه في دوائرهم، لأجل تأمين هذا العدد الذي حصل عليه من النواب، فيما “القوات” لم ترشّح غير القواتيين، حتى وإن لم يكونوا منتسبين أو ملتزمين حزبياً. والأساس بالنسبة إلى “القوات”، هو نتائج كسروان، بحيث حلّ نعمة افرام رقماً أولاً وأساسياً وصعباً، فيما نائبا “التيار الوطني الحر” حلّا في المراتب الأخيرة. وهذا يعكس حجم تراجع التيار.
تقف “القوات” على مفترق طرق. النتائج المتحققة تستطيع من الناحية العملانية القضاء على ثنائية جبران باسيل – سعد الحريري التي نشأت بعيد التسوية الرئاسية، ولكن استناداً إلى أرقام الانتخابات السابقة، لكن هذه أصبحت بحكم المنتهية لأن هذه الثنائية تحتاج إلى قوى أخرى لرفدها في تعزيز موقعها وقرارتها. بالتالي، ستكون هذه الثنائية بحاجة إلى “القوات”، وربما سيكون موسم الحج إلى معراب.
إحدى أوراق القوة التي تمسك بها “القوات” أيضاً، هي أن الحريري ليس على علاقة جيدة بكل من الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط، بفعل تصرفاته والتحامه مع باسيل. بالتالي، فإن كتلة القوات الكبيرة ستكون قادرة على تمييل الدفة أين ما مالت، وإذا ما حصل تقارب مع بري وجنبلاط، يصبح سمير جعجع منافسًا جديًا على رئاسة الجمهورية. كل هذه التحليلات لا يزال من المبكر الخوض فيها، لكن الأكيد أن القوات تؤسس لاكتساح الزعامة المسيحية في السنوات المقبلة.
