ثنائية تنافسية…

 

 

نحن هنا… كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب “القوات اللبنانية” شارل جبور في مجلة “المسيرة” العدد- 1661:

 

لحظة توقيع اتفاق معراب قامت الدنيا ولم تقعد متهمة “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” بتحالف ثنائي يرمي إلى إلغاء التنوّع داخل البيئة المسيحية، وعبثا حاولت “القوات” ان تضع التفاهم في إطاره المرتكز على طي صفحة الماضي ومد جسور التواصل بعيدا عن القطيعة السياسية المضرة للجميع، وبأنه تفاهم مفتوح للآخرين وليس كما يتم تصويره بكونه إلغائيًا لهم، ولكنها لم تفلح بإقناع من لا يريد ان يقتنع أصلا بأن العمل السياسي البنّاء لا يقوم على قاعدة الفصل والتخوين، إنما على قاعدة الوصل من أجل توسيع هامش الالتقاء حول الملفات المتفق عليها وتنظيم الخلاف في الملفات المختلف عليها.

وجاءت الانتخابات البلدية لتكفّي وتوفّي وتشكل مساحة لاستهداف هذا التفاهم، والأمر نفسه تكرر مع انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية ودخول “القوات اللبنانية” بقوة إلى الحكومة، ولم تبرد الأمور إلا بعد التباينات التي شهدتها العلاقة بين المكوّنين القواتي والعوني في أكثر من ملف وقضية، وكان بدأ في ذاك الوقت التشفي من الطرفين ونعي التفاهم على رغم تأكيد “القوات” والتيار مرارا وتكرارا ان لا عودة إلى ما قبل المصالحة، وان التباين مسألة طبيعية في سياق العمل السياسي والتنوّع الديموقراطي.

ومع إقرار قانون الانتخاب ومن ثم الدخول في مرحلة التحضير للانتخابات والتحالفات لم تفلح المساعي لجمع “القوات” و”التيار الحر” في تحالف انتخابي في دوائر الأطراف ليعوِّضا من خلاله ما لم يتمكنا من انتزاعه بالقانون، والسبب في فشل التحالف خلفيات سياسية واضحة بتحجيم “القوات”، علما ان رفض التحالف أدى إلى تحجيم التمثيل المسيحي الفعلي وتغييبه، لأن قوة سياسية منفردة غير قادرة على انتزاعه ما لم تتحالف مع قوة أخرى، وبالتالي الجشع السياسي أدى إلى حرمان تلك الدوائر من التمثيل الذي تستحقه.

ولكن أهم ما أفرزته الانتخابات ولادة ثنائية مسيحية حزبية من رحم الديموقراطية الانتخابية، فأثبتت الانتخابات ان الثنائية المسيحية هي نتيجة طبيعية لا اصطناعية بحاجة إلى تحالف من أجل تكريس حضورها السياسي، ولعل الفارق بينها وبين الثنائية الشيعية ان الأخيرة ثنائية تحالفية ببعد إقليمي وعمق ديني وهدف سلطوي، فيما الأولى ثنائية تنافسية تعكس حقيقة التمثيل المسيحي ولا تتقاطع على طول الخط على غرار الثنائية الشيعية، إنما تقاطعها مرهون باتفاقها على النظرة المشتركة حيال كل ملف وقضية.

وجاءت الانتخابات لتبدد صورة اختزال “التيار الحر” للتمثيل المسيحي، هذا الاختزال الذي كان مرده القوانين الانتخابية المجحفة والظالمة، فيما نتيجة الانتخابات أظهرت تقاربا وتوازنا في الاقتراع التفضيلي القواتي والعوني، كما توازنا في التمثيل النيابي، ولم يعد بالإمكان من الآن فصاعدا الكلام عن قوة أساسية وقوى ثانوية، لأن الانتخابات أفرزت ثنائية فعلية على رغم ان “التيار الحر” يخوض الانتخابات متكئا على عهد قوي وخدمات ووعود بالتوزير والسلطة وإلى آخر المعزوفة.

فالنتيجة الأساسية للانتخابات أظهرت ما كان معلوما بأن البيئة المسيحية منقسمة بين قوتين أساسيتين هما “القوات” و”التيار الحر”، فيما القوى الأخرى تشكل جزءا من تنوّع سياسي ومناطقي، كما أظهرت الانتخابات ان الرأي العام اللبناني قرر إلى حد كبير تفويض الأحزاب الكبرى إدارة الحياة السياسية انطلاقا من قناعته بأن الوصول إلى الأهداف التي يطمح إليها غير ممكن سوى عن طريق التكتلات الكبرى القادرة على الفعل والتأثير في السياسات العامة.

ويبقى ان النتيجة فاجأت الجميع إلا “القوات” التي كانت متأكدة من حجم تمثيلها، هذا التمثيل الذي سيحمِّلها مسؤوليات وأعباء إضافية كون الأنظار تتركز عليها، وهناك شريحة لبنانية واسعة ترى في “القوات” الأمل بالدفاع عن أفكارها السيادية، فيما مضاعفة تمثيلها النيابي سيزيدها قدرة على الفعل والتأثير والتغيير، خصوصا ان تحجيمها في كل المراحل السابقة كان مقصودًا من أجل تأبيد الواقع الراهن.

ولا شك في ان “القوات” تبدأ مع المجلس النيابي الجديد مرحلة سياسية جديدة، ومن أبرز معالم هذه المرحلة تكريس الثنائية التنافسية لا التحالفية، لأن ثمة مسؤولية كبرى ملقاة على “القوات” اليوم وهي كونها صوت الشرائح التي تريد قيام الدولة الفعلية السيدة على أرضها، كما الدولة النظيفة والشفافة، وعلى رغم ان “القوات” تدفع أساسا في هذين الاتجاهين، إنما مسؤوليتها أصبحت مضاعفة بسبب تفويض الناس المضاعف لسياستها، وبالتالي ستكون ثنائية تنافسية تحت سقف التفاهم، لأن لكل طرف من مكوّناتها رؤيته إلى الشأن العام ومفهوم السيادة، فضلا عن ان “القوات” ترى في حجمها النيابي واستطرادا الوزاري فرصة إضافية لتعزيز مشروعها وزيادة تأثيرها. ولكن هذه التنافسية لا تعني أنه في القضايا الأساسية لا يمكن أن تكون تحالفية، خصوصًا ما يتعلق منها بأحقية التمثيل والتوازن في المؤسسات والشراكة الوطنية.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل