حكاية راهبة من لبنان إسمها ماري صوفي الزغبي هناك عند ابواب زحلة ارتفعت شهيدة قديسة

 

 

قد تكون زحلة توقعت كل شيء، كل شيء، كل الموت والشهادة التي انهمرت على حفافيها لشباب متل قلب النهار، لكنها بالتأكيد ما توقعت لحظة استشهاد راهبة، تلك الراهبة تحديدا، رسولة الإنسانية، مضمِّدة جراحات المصابين الجسدية والنفسية.

توقعت زحلة ان تسمع استشهاد شبابها على جبهات الشرف، وكانت تعلم مصيرها المحتم، ومع ذلك ذهبت الى نضالها ومقاومتها بكبرياء وشجاعة  نادرة، حين حاصرها السفاح وحاول تطويعها وإذلالها تمهيدا لاحتلالها بالكامل.

لكن ما كانت زحلة لتعرف ان أول أيام الحرب سترتفع عند أبوابها شهيدة رقيقة، رسولة محبة، حاملة رسالة الإنسانية، هي الراهبة ماري صوفي الزغبي. قتلتَ راهبة يا مجرم العصرورحت الى قعر اللعنات، وبقي الشهداء وارتفعت الشهيدة لتعيش في بال الحرية والإنسانية…

هناك عند أبواب زحلة، عند أسوارها المنيعة المسيجة بشبابنا، كانت بداية حرب نيسان من ذاك العام 1981، كان شباب المقاومة اللبنانية بدأوا يتدفقون من كل لبنان لنجدة زحلة، امتلأت التلال من حضورهم، أقفل الاحتلال في وجه المقاومين كل الطرق والمنافذ، وضعوا زحلة في الجحر، أو هكذا تراءى لهم، صارت مدينة الزمان محاصرة بتيمورلنك عصره، جيش جرار ولا إيمان ولا قضية سوى القتال والتنكيل والاحتلال، مقابل جيش الإيمان ولا آلة عسكرية تضاهي ربع ما يملك حافظ الأسد ذاك. لا بأس، لا بأس يا وطن يا أرض يا زحالنة يا شعب النساء والرجال والأطفال المناضلين.

فجأة كبرت زحلة، صار الأطفال رجالا والصبايا نساء والشيوخ شبانا، صاروا جميعا مقاومين يحملون السلاح لأجل الشرف، لأجل الكرامة، لأجل ذاك الصليب المعلق في عظامهم، لأجل تلك السيدة العذراء الممدودة الأيدي لتحضنهم من خطر العالم كله.

كانت المناطق المحررة بدأت تلبي نداء البشير، وفرغت شوارع بيروت والأشرفية من الشباب، وينن؟ طلعوا لفوق بدن يدافعوا عن زحلة. كان الخطر أكبر من ان يوصف والموت داهم داهم، وأخطر من الموت كانت الكرامة على محك الوطن.

من الجهة المقابلة كانت غير حكايا تنسج على حفافي حصار زحلة، ومن بينها حكاية راهبة، كان هناك راهبة لبنانية من بلدة قرنة شهوان، ذهبت الى التشاد لاستكمال رسالتها الإنسانية، فطلب منها العودة الى لبنان، وعلى رغم الموت والحصار والاحتلال المقبل على نهش الوطن، لم تتردد الأخت ماري صوفي الزغبي في العودة، فحملت قلبها المملوء من حب الدنيا وهرولت عائدة الى أرضها. هو دائما نداء الموت أسرع من وميض الحياة حين ينده بإصرار وعناد على ناسه. عادت الراهبة لتعيش مآسي الاحتلال في وطنها وكانت زحلة وكانت الحكاية…

3 نيسان من العام إياه، حاول جيش النظام السوري اقتحام زحلة، حاصرها بالنار والبارود ومنع وصول المواد الغذائية والأدوية إليها، كانت تُدك بمدافع الدبابات وكان الشباب يتوغلون في الجرود الصعبة ليصلوا إليها، في حين تتواصل مقاومة الداخل بكل ما توافر من ذخيرة، ولم يكن معهم أقوى من ذخيرة الإيمان والشجاعة بأن إما زحلة والحرية وإما الموت ولا استسلام.

غرقت زحلة وأطرافها بالدوي وعويل المدافع، واكتظت الملاجئ بالناس المقاومين، صارت الملاجئ غرف عمليات لتنظيم المؤن للناس وللمقاومين، صارت الملاجئ مستشفيات لتأوي المصابين من إجرام ذاك النظام بعدما تعذّر الوصول الى مستشفيات المدينة، وصل صدى البطولة الى أنحاء العالم، ووصل أنين الجرحى الى مركز الصليب الأحمر في بعلبك حيث كانت الأخت ماري صوفي تؤدي رسالتها الإنسانية الإيمانية.

يقولون إنهم لم يطلبوا منها الذهاب الى زحلة لإسعاف الجرحى، إنما هي من طلبت ذلك وتطوعت بقلبها الملهوف على الحب لإنقاذ المحاصرين. يقولون إنها لم تكن بحاجة الى أوامر مماثلة، إذ إن شجاعتها واندفاعها كانا كافيين لتكون حيث يحتاجها الآخرون، ولا يهم ما يقال، صلّبت الأخت ماري صوفي على قلبها الكبير وذهبت مع زملائها الى حيث شعرت أنها يجب ان تكون.

ذهبت الراهبة الصبية التي اعتنقت الإنسانية حتى آخر الأنفاس، محمّلة بالدماء والأمصال وكل الإسعافات اللازمة لجرحى زحلة. كانت الخامسة من بعد الظهر، وأصوات المدافع تهزّ الأرض وبيوت زحلة، اخترقت سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر شوارع الخوف المدروزة موتا، وكان يقودها المسعف خليل صيدح وبقربه زميله سليم حمود، لا تسألوا عن طائفتهما، نعم كانا من أهل بعلبك لبنانيين من الطائفة الشيعية، طائفتهما الإنسانية والإنسانية فقط لا غير، وكان معهما الراهبة ماري صوفي الزغبي، تلك الراهبة التي حملت دماء المسيح علامة النصر في قلبها، إشارة الإنسانية في رسالتها، هبت ورفيقيها لنجدة الإنسانية حيث وقع التراب على أجساد الشباب وصارت الدماء عبق الحب، وعند وصول سيارة الإسعاف المعروفة المعالم تماما، الى مدخل زحلة، استهدفها جيش النظام السوري «الشقيق» الرابض عند مداخل المدينة، بوابل من القصف المدفعي العنيف، كانوا يعلمون أنهم أتوا لنجدة الجرحى وما كانوا يريدون ان يشفى أحد، كانوا يريدون الموت لناس المدينة والمقاومين جميعا، لأنهم كانوا جميعا مقاومين لهم، وما عادوا يميّزون بين المدنيين وغير المدنيين، جن الغضب والوحشية التي تسكنهم وصبوا النار فوق الأرض الخضراء الطيبة، فوق قلب الإنسانية الذي هرع لنجدة أخيه الإنسان.

وأصيبت سيارة الصليب الأحمر بقذيفة مباشرة، واستشهدت الراهبة الرقيقة النشيطة الشجاعة، ومعها رفيقاها خليل وسليم، تضرّجت صاحبة الرداء الأبيض الممسوح بإنسانيته بدماء الوحوش، تركوا علاماتهم الفاقعة على زيها ووجهها وعمرها ولم ينلوا من رسالتها، لم ينلوا من شهادتها، لم ينلوا من الناس الذين قصدتهم لإسعافهم، ذهبت الروح الى خالقها وبقيت الروح هائمة فوق أرض زحلة تنده على الإنسانية التائهة ولم تجدها إلا حين تحررت المدينة من الوحوش، وحين مشت زحلة خلف نعوش أبنائها البيض تبكي وتضحك في آن، حزينة سعيدة، وما كانت لتكون كذلك لولا فائض الاستشهاد ذاك، لولا المقاومين والناس الشرفاء الذين لقنوا رأس ذاك النظام درسا لم ينسه طوال حياته، وبعدما خرج ذليلا مكسورا عن أسوار المدينة تشيّعه اللعنات وصرخات انتصار المقاومين.

وضحكت الراهبة، ابتسمت للحب الذي انهمر، هي من جعلت حياتها القصيرة رسالة لا محدودة للحب الكبير. المفارقة ان عائلتها المكوّنة من ست بنات وشاب، لم تعرف باستشهادها إلا بعد أيام، ولم تتمكن العائلة من إعادة الجثة لدفنها كما يليق إلا بعد شهر بسبب الحصار.

«هي شهيدة الإنسانية» في أجمل من هاللقب؟ كانت بالتشاد بمهمة إنسانية وطلبوا منها ترجع على لبنان، رجعت من دون تردد لأن كانت تعتبر إنو مطرح ما بينده المسيح لازم تكون موجودة، كانت مرشدة العيلة وملهمتها بالمحبة كنا زغار وكنا نحبها كتير كتير، علمتنا نكون إنسانيين وليس حزبيين أو طائفيين، وكان شعارها الدائم إنو أجمل شي بالدني إنو نحب وإنو نبذل حياتنا لأجل ال’خرين» تقول ابنة أخيها ديزيريه الزغبي. والمفارقة الثانية أنه كان من المفروض ان يقود سيارة الإسعاف سائق آخر من الطائفة الشيعية أيضا، لكنها رفضت ان يأتي معهم لأنه متزوج وعنده أطفال، خافت على حياته وأمرته البقاء في المركز في بعلبك، فأنقذت حياته من دون ان تعلم «ما في شي بيروح عند ربنا، عمتي فخر كبير إلنا وعلمتنا نحب الأنسان ونحب الحياة ونكرّمها».

صارت الراهبة أيقونة عائلتها، هي من اختارت درب المسيح وكانت بعد مراهقة، ندهها الرب الى بيته في الأرض لأنه كان يعلم ان من تملك قلبا من ذهب ستكون رسولة المحبة، وستحمل قلب المسيح الى كل المستضعفين والحزانى والمنبوذين، وستزرع الحب حيث الحقد والإنسانية حيث الكراهية، وهذا ما فعلته تماما «كانت تكره التمييز الطائفي وتحب بلدها كتير وعلمتنا بحياتها وباستشهادها أفضل درس بحياتنا إنو الإنسانية هي الحب المطلق وإنو القلب الكبير المليان حب هو طريق الله، ومنشان هيك نحنا كتير فخورين فيها وعايشة معنا وبقلبنا وكل سنة منقدّس على نيتها».
صار للراهبة شجرة أرز في غابة الشهداء في ميفوق، وصار للشهيدة حكاية حب مغروزة على مداخل زحلة وفي قلبها وفي قصة نضالها، وصار للأخت ماري صوفي الزغبي حروف الحب حين تكتب سيرتها في كتاب راهبات القلبين الأقدسين وكل الإرساليات، عندما نكتب عن شهيد ارتفع على مذبح الأرض لأجل الحب الفائق لها، وعندما نكتب عن راهبة شهيدة لا نعرف أين تصل بنا الحروف لأن الزي  الممسوح ببصمات المسيح، قد لا تستوفيه أقلام من اعتاد ان يمجّد الشهداء في حكاياتهم. لكن ما لنا ولكل هذا الحكي، حسبها أنها راهبة الإنسانية هنا وفوق، حسبها أنها أصبحت أيقونة عائلتها وان القداسة ليست فقط في اجتراح الأعجوبة إنما الحب المطلق هو أعجوبة أيضا حين يبذل كيانه لأجل الرب والأرض.

هناك عند مداخل زحلة ارتفعت راهبة من لبنان لتجعل من ثوبها الأبيض الملطخ بالدماء، أرزة مغروزة عند أسوار المدينة فعاشت زحلة، ارتفع الشهداء وكانت حكاية راهبة من لبنان اسمها ماري صوفي الزغبي…

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل