
بعد أسبوع على إنتخابات 6 أيار ، لا يبدو أن لبنان عاد إلى قواعده سالمًا، بعدما رزح تحت ثقل مؤثرات سياسية وأمنية، في مقدمها إهتزاز المشهد الإقليمي على وقع غبار الصدام الإيراني -الإسرائيلي في أبرز مفاعيل إنسحاب واشنطن من الإتفاق النووي الإيراني، وإرتجاج الإستقرار الداخلي تحت وطأة إشكالات أمنية متفرقة ومسيرات “الموتوسيكلات” التي كشفت وجود إحتقان لم ينجح في تخفيفه تشابك المصالح الإنتخابية حين تبلور تحالفات ظرفية وبالقطعة.
مهما يكن، فالإنتخابات إستحقاق مرّ بأقل قدر من الخسائر المعنوية والمادية، رغم حفلة الطعون الموعودة قريبًا إحتجاجًا على نشاط غير لافت لضغوط إستخدمت كل أنواع النفوذ السياسي والمالي، فضلاً عن عمليات تزوير رافقت مسيرة الإقتراع، بدءًا من شراء الأصوات علنًا وفي الشوارع المفتوحة، مرورًا بمرحلة نقل الصناديق وما شابها من عيوب، وصولا إلى غش في عمليات الفرز الذي رصدته كاميرات مواقع التواصل، حتى مرحلة إعلان النتائج بتقطع يؤكد المؤكد من شكوك أثارها الأداء الرسمي في تطبيق قانون إنتخابي لمرة أولى يؤمل أن تكون الأخيرة، فيما بدت هيئة الإشراف كـ”شاهد ما شافش حاجة”.
أما بعد، إحتفالات وإنتصارات بالجملة، فيما كان لبنان ينقل خطاه بسرعة نحو أتون إستحقاقات فتحتها على عجل تطورات الإتفاق النووي الإيراني الذي فكّ إرتباطًا، إعتقد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أنه سيخدم أعوامًا قبل إنحلاله. فخروج الرئيس دونالد ترامب من تعهدات الإستقرار في المنطقة، ولبنان ضمنها، هدّد الإقتصاد العالمي بفترة إضطراب مقبلة على وقع تهديدات بعقوبات قد تطول أوروبا، وبدأت أولى المؤشرات بإلتهام أسعار النفط بسهولة عتبة الـ70 دولارًا في منحى قد يقودها إلى مقاربة الـ100 دولار مجددًا، لتعكس إرتفاع منسوب المخاطر الجيوسياسية.
في هذه المعمة، عادت واشنطن إلى سلاح العقوبات. فبعد الحرس الثوري الإيراني، تعدّ لعقوبات جديدة على “حزب الله” لتحكم طوق التشدّد أكثر فأكثر، وخصوصًا أنها إعتبرت أن الإنتخابات النيابية الأخيرة أظهرت أن الحزب كان “الفائز الأكبر” من خلال حصوله على “أغلبية” تتيح له “دفع أجندته الخطيرة محليًا وإقليميًا”، وفق ما ورد في صحيفة “واشنطن تايمز” قبل أيام.
وتعود “خيبة الأمل” الأميركية إلى ما علقته من آمال على الإنتخابات، حين اعتبرت أنها ستكون حاسمة في تقدم عنصرين أساسيين في السياسة الأميركية في لبنان: الحفاظ على إستقرار الدولة اللبنانية وتعزيز مؤسساتها. “لكن كما أظهرت الإنتخابات، فإن هذه السياسة لم تؤد إلا إلى تثبيت وتعزيز النظام الإيراني في لبنان الذي يديره “حزب الله”.
هذه خلاصة الموقف الأميركي الذي يعكف وبحسب مصادر في واشنطن، على إعداد قانون عقوبات جديد، لتتسع بذلك لائحة “أوفاك” وتشمل بقيودها كل الحركة المالية الوافدة إلى لبنان والخارجة منه. وعملا بذلك، سترافق عبارة “الإرهاب” ودعمه وتمويل أنشطته محليًا وخارجيًا، لبنان البلد الراغب في تعزيز قدراته التنموية بغية إستنهاض إقتصاده من براثن الركود قبل إنزلاقه إلى الإفلاس.
وأكثر، تقول واشنطن إنه “حان الوقت علنا لتحديد دور لبنان بإعتباره مقر عمليات لإيران التي بات لها شبكة واسعة من الوكلاء. وتاليًا، يجب على الإدارة الإفادة الآن من المساعدات الأميركية لدفع الحكومة اللبنانية الجديدة على إتخاذ إجراءات ضد شبكة إيران الإرهابية. إذا فشل ذلك، على واشنطن الإعتراف رسمياً بلبنان كملاذ آمن للإرهابيين. لا يمكن أن يكون هناك شكّ بعد الآن، إنه هو”.
لا يبشّر الموقف الأميركي بخير القادم من الأيام. لكن، هل من محاولة جادة في الداخل لردّ الضربات المتوقعة، أقله لجهة تحديد مفاعيل العقوبات الجديدة؟ حتى اليوم، يحار الأفرقاء في عملية إعادة التموضع السياسي بعد الإصطفاف الإنتخابي، مع إغفال واجباتهم حيال نصف المجتمع الذي إقترع لمصلحة هذه السلطة وحافظ لها على مقاعد “إستماتت” كرمى لعيونها…
من المهم، يقول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، أن تأخذ الحكومة المقبلة إجراءات لتنشيط الإقتصاد، “إذ سيتم الحكم عليها من الأسواق العالمية عبر إلتزامها التعهدات الإقتصادية المعلنة، لأن لبنان في هذه المرحلة تحديدًا بحاجة ماسة إلى خطوات مالية وإقتصادية إيجابية”.
من المؤكد أن الآثار المترتبة على برنامج “سيدر” لن تُترجم فوريًا وتحديدًا على صعيد النمو وفرص العمل. فالنهج السياسي المعتمد يسير عكس المطلوب، وفق “برنامج تسهيلات التمويل المُيسّر” GCFF التابع للبنك الدولي، وخصوصًا لجهة ضرورة “خفض العجز وتنفيذ الإصلاحات قبل الإقتراض”، تفاديًا لأن يفضي إستمرار تنامي العجز إلى تفاقم التصنيف الإئتماني للبنان وإرتفاع معدلات الفائدة. وأبعد، حذّرت بعثة صندوق النقد في آخر تقاريرها في شباط، من إحتمال أن يواجه لبنان تدهورًا كبيرًا في قطاع تكنولوجيا المعلومات والإتصالات بسبب برنامج “سيدر”. لذا، على الحكومة تنفيذ الإصلاحات بموازاة تطبيق سياسة خفض العجز بنسبة 1% سنويا ولمدة 5 سنوات، تحقيقًا لعجز بنسبة 9% من الناتج المحلي الإجمالي بدل 14% مقارنة بـ6.6% حاليًا.
مهما فعلت الحكومة، لن يكون تأثير “سيدر” فوريًا كما يتمّ تصويره. إذ ثمة مبالغة في بعض التعهدات، وخصوصًا تلك التي مصدرها البنك الدولي والصندوق الكويتي والبنك الإسلامي للتنمية. وهناك أقل من 5 مليارات دولار هي “تعهدات نظيفة”، علمًا أن لبنان يملك حاليًا خطوط إئتمان “مجمّدة” بقيمة تفوق 3 مليارات دولار. والى حين تحويل التعهدات “إلتزامات” نهائية في موازنات المانحين وتشريعها في موازنة لبنان، لن يتم الشروع في التنفيذ.
كل إنتخابات ومؤتمرات دعم ووعود بالإصلاح ومحاربة الفساد… وأنتم بخير.