“المسيرة” – العمر كلو سيدنا…

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1662:

لم يمت يوحنا مارون بعد ولن يفعلها! ما زال هنا يعيش معنا بين صخور بكركي، ومجد بكركي، وتلك الأدراج المعتّقة بالإيمان والكرامة. لم يمت يوحنا مارون ولن يفعلها، فالبطريرك مار نصرالله بطرس صفير ما زال هنا يجول في مكانه، متكئًا الى أعوامه المتقدمة نحو المئة، ولم يكتب التاريخ يومًا عن موت أبطال ولو كانوا ماتوا. لم يمت يوحنا مارون ولن يفعلها، وكل وقفة عز نحتفل بحضوره فينا، وحضوره فينا مدوٍ عبر البطرك صفير، ونحن نحتفل بالـ98 عاما مع من صنع للبنان مجدًا لا يقارب ولا تمحوه أيام ولا أحداث.

 

طلع الصباح سيدنا ووجهك في عزّ إشراقته. “سبحان هالوج السموح” تقول ستي، معها حق سيدنا، وجهك سموح إشراقة يسوع تطل من تقاسيمه. أنت تحب العذراء مريم كثيرًا، تخاطبها كل يوم، كل لحظة، أهديتها عمرك، وأعطتك الكثير الكثير، وكل نِعَمها عليك أغدقتَها أنت على لبنان. سبحان هالوج الأبيض النقي الهادئ السمات سيدنا، كيف تكون في عمر ينحو الى المئة وأنت في شباب مماثل ما بيختير؟! ختيرنا نحن الشباب سيدنا وأنت توغل في شبابك أتعرف السبب؟ أنت أكثر إيمانًا منا، أشد صلابة، أنت من جعلتنا أقوياء بالقوة سيدنا، لننهض معك بلبنان، أنت أيقونة استقلالنا سيدنا على رغم أنه لا يزال من هم بيننا يفرطون بتلك النعمة. أتتصوّر؟!

 

98 عامًا صار عمر بطرك الاستقلال ولم تهزمه السنون، ما زال يرفع كأسه عاليًا ليشرب نخب يسوعه ووطنه ونخبنا، وكلما رأيناه اغرورقت عيوننا بكل ذاك الشجن، الشجن الذي اسمه لبنان سيدنا، الشجن السعيد الذي اسمه أنت أيضًا. نريد ان تتجمد في الزمن كي لا يأتي وقت ويهزمنا الزمن بقوانينه الصارمة، نريد ان تتجمّد اللحظة ليبقى حضورك مدويًا في بحر الكرامة سيدنا.

 

أذكر تمامًا حين دخل البطرك صفير ملعب فؤاد شهاب حيث كان يقام قداس شهداء المقاومة اللبنانية، جن المكان بالصراخ والتصفيق، وعلى غير ما كان متوقعًا، انهمرت دموع سمير جعجع، وكانت المرة الأولى التي نرى فيها دموع الرجل الصلب، “يا ربي دخلك الحكيم عم يبكي ليش؟!” صرخنا يومذاك، ويومذاك، وحين سُئل الحكيم عن سبب تأثره البالغ قال “تعابير وجهي بقداس شهدا المقاومة بأيلول 2011 وقت شفت البطريرك صفير داخلاً مكان الاحتفال ليترأس الذبيحة الإلهية كانت أبلغ كلام يمكن أن أقوله فيه. تهيأ لي في تلك اللحظة وكأنو التاريخ كلو كان يدخل معه الى ذاك الاحتفال، كأن كل إرث مار مارون والبطاركة كان عم يمشي معو أو يحمله على كتفيه وفي عقله وقلبه”… صار عمر بطريرك قلوب الموارنة في لبنان، 98 عامًا وما زالت أكتافه عالية الجبهة تحمل كل إرث يوحنا مارون وكل ذاك اللبنان العابق بالمجد…

 

كأن الزمن يريد أن يرتاح في وجه الرجل. كأن وجهه تقاسيم من جبال لبنان العالية حين تكللها الثلوج، لا تجاعيد نافرة، لا عمر قاسيًا حفر أخاديد الزمن على صفحة إنسان، وجهه الأبيض عالق في مكانه والزمن يمشي ويمشي ويهرول غالبًا نحو نهاياته، والبطرك صفير صامد التعابير، صامد الروح، صامد القامة التي تنحو الى العام المئة، من دون أن تنحني أو تُهزم أو حتى ان تتراجع. عمر البطرك صفير ليس في سنينه المتراكمة، عمره من عمر خلود لبنان، لبنان الذي صنع هو شخصيا الكثير الكثير من مجده العالق فينا أيقونة حرية واستقلال وكرامة.

 

“أشعر بعاطفة خاصة تجاهه لقاء كل ما قام به مع مجلس المطارنة الموارنة لأنه كان دائمًا يدافع عن الحق”. هل يمكن مقارنته بالبطريرك الياس الحويك بي الاستقلال الأول ونقول إنو بي الاستقلال التاني؟ “لا أحب هذه المقارنات نظرًا لاختلاف المرحلتين وبعدهما الزمني، بس بمواقفه هو الذي عبّد الطريق نحو هذا الاستقلال من أجل إعادة تثبيته وفق المسار العام الذي يحكم مواقف بكركي. منتذكر قديش حاولوا معه إنو يروح على سوريا وقت الاحتلال وما راح. مواقفه أوحت لغيره كم بإمكانهم أن يقاوموا ويمانعوا ومن هون بلّشت الزعامات اللبنانية الثانية تصير ممانعة” قال عنه جعجع، وحين يتحدث الحكيم عن البطرك، كمن يسامر شغف قلبه.

 

“نحن قوم أحببنا الحرية ومن دون الحرية لا يمكننا ان نعيش”، قالها البطريرك الكاردينال في أحدى جولاته التاريخية الى الولايات المتحدة الأميركية، حين كان يحذّر العالم من استمرار تغطية الاحتلال السوري للبنان، وحين كان المسؤولون الرسميون في لبنان يتواطأون على بلادهم، والاحتلال يتربّص به في كل الاتجاهات ولم يبالِ “الأوطان لا تحمل في الجيوب، الوطن يحمل في القلوب ومن يحمل وطنه في جيبه فلا وطن له”، صرخ مناديا العالم لإنقاذ لبنان، وداعيًا الاحتلال وبشكل مباشر للانسحاب من لبنان “نحن نريد ان نكون أصدقاء لأقرب الناس إلينا لكن هناك مثل يقول يا جاري إنت بدارك وأنا بداري”، وذهب الى الجبل غصبًا عن إرادة الاحتلال وصنع تاريخا مجيدا لا ينتسى، لا يمّحى من صفحات تاريخ لبنان، فكانت مصالحة الجبل التاريخية، وكانت أول الخطوات نحو الحرية نحو الضوء نحو الاستقلال.

 

15 نوار 1920 يوم عيد سيدة الحصاد، جاء ابن ريفون الى الدنيا وما كان أحد يعرف إلا سيدة الحصاد رسالة ذاك الوافد الجديد الى الحياة، شاءت سيدة الزروع ان تزرع في وعر لبنان رجلا استثنائيًا ليرش لنا قمح السهول ولنحصد نحن سنابل الحرية، شاءت ان يكون لنا بطريرك استثنائي سحر قلب البابا القديس يوحنا بولس التاني، فأتى لبنان في عز عز الاحتلال وجعل منه وطن الرسالة، عمرك من عمر كرامة بلادنا سيدنا، أنت تشبه حلمنا بالوطن، وعندما كنا نيأس كنت تصرخ فينا “الصليب لا يبقى صليبا الى النهاية، صليب لبنان ستكون فيه قيامته” فننهض من جديد ونحمل صليبنا ونمشي.

 

98 عامًا سيدنا ووجهك لا يحمل إلا شباب الروح لكثرة ما يحمل من حب، روحك شابة سيدنا لكثرة ما فيها من إيمان، معها حق ستي سيدنا، سبحان هالوج شو نقي، تشع منه روح المسيح، 98 عامًا؟! لا أصدق سيدنا، لم تتخطّ بعد عتبة الثلاثين ولن تفعلها يوما، لأن كما يوحنا مارون ما زال شابًا في عز النضال يعيش فينا، أنت وجهنا الآخر، وجهه الآخر، أنت روح من روح لبنان سيدنا، أنت وجهنا الحلو بتقاسيم مدوزنة على الكرامة.

98 شمعة حرية وامتنان لمن ترك ذات لحظة كرامة مخمل الكرسي النبيذي، وجلس في هدوئه ظنا أنه صار بعيدا عن الأضواء فإذ به تحت ظلاله هو كل الضوء… العمر كلو سيدنا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل