“المسيرة” ــ جعجع ـ الحريري: المنتظر من اللقاء المنتظر

لقاء جعجع - الحريري في بيت الوسط
لقاء جعجع – الحريري في بيت الوسط

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1662

من البداية لم تكن هناك كلمة “وداعًا” بين رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع ورئيس تيار المستقبل رئيس الحكومة سعد الحريري بل “إلى اللقاء”. اللقاء الأول في وزارة الدفاع في اليرزة كان طبيعيًا وحتميًا في مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعد 14 آذار وقد كان بالفعل تمهيدًا لتحالف قال عنه الرئيس سعد الحريري إن الموت وحده قادر على فكه. اللقاء الأخير الذي حصل في بيت الوسط ليل الثلاثاء- الأربعاء 16 أيار يأتي في سياق آخر بعد سلسلة أزمات هزت العلاقة بين الطرفين ولكنها لم تقتلها. فهل يمكن العودة بها إلى ما كانت عليه وتجاوز كل ما اعتراها من شوائب؟

دائمًا كان رئيس “القوات” حريصًا على استمرار العلاقة الجيدة والإستراتيجية مع الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل إلى درجة يمكن معها القول إن الجفاء كان من طرف واحد في العامين الأخيرين تقريبًا. في كل هذه المرحلة كان الدكتور جعجع يصر على أن لا مفر من العودة إلى الإلتقاء وأن التباعد يبقى هو الإستثناء لا القاعدة.

 

منذ اختار الرئيس سعد الحريري السير بترشيح رئيس “تيار المردة” النائب سليمان فرنجية أواخر العام 2015 من دون التشاور مع جعجع الذي كان حتى تلك اللحظة المرشح لرئاسة الجمهورية باسم قوى 14 آذار، بدا وكأن هذه العلاقة اهتزت بقوة. وعندما ذهب الدكتور جعجع إلى تبني ترشيح العماد ميشال عون بعد تفاهم معراب معه زادت هذه العلاقة اهتزازًا. وعندما وجه الرئيس الحريري انتقادًا مباشرًا للدكتور جعجع في ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2016 في البيال وبحضوره تم تجاوز المسألة من خلال الزيارة التي قام بها الحريري إلى معراب.

 

كان يفترض أن تنتهي هذه الأزمة كليًا بعدما اختار الرئيس سعد الحريري الإنضمام إلى خيار ترشيح العماد عون وانتخابه رئيسًا للجمهورية في 30 تشرين الأول 2016 وبعد تشكيل الحكومة الأولى للعهد برئاسته. ولكن الأمور لم تذهب في هذا الإتجاه خصوصًا بعد الممارسة العملية داخل مجلس الوزراء قبل أن يأتي إعلان الرئيس سعد الحريري استقالته من الرياض في 4 تشرين الثاني الماضي ليفتح الباب واسعًا أمام تشكيك كبير من قبل عدد من المحيطين به بمواقف “القوات اللبنانية” ورئيسها. ولكن في ظل كل الوقت الذي مرت به هذه العلاقة المتأزمة بقي الدكتور جعجع ثابتاً على موقفه من أنها غيمة صيف ويجب أن تمر على قاعدة أن الأيام ستظهر حتمًا أن لا علاقة له بكل التهم التي وجهت إليه، وأن ما بين الرئيس سعد الحريري والمملكة العربية السعودية أكبر وأبعد من أن تستطيع “القوات” أن تخربطه وأن الحريري أيضًا على رغم كل ما عاناه يبقى الممثل الطبيعي والرئيسي للطائفة السنيّة في لبنان وأن العلاقة بينه وبين “القوات” ستعود إلى طبيعتها وأنه سيبقى خيار “القوات” رئيسًا للحكومة بعد الإنتخابات النيابية.

 

في احتفال إطلاق اسم الملك عبدالله على إحدى جادات وسط بيروت التقى جعجع والحريري ولكن في إطار اللقاء العام ثم في العشاء الذي أقيم بعده. وهذا اللقاء لم يبدل في اتجاهات التحالف في الإنتخابات النيابية. لو كانت العلاقة طبيعية كما يجب كان يجب أن يكون تحالف “القوات” والمستقبل شاملاً كل الدوائر الإنتخابية وشاملاً كل مكوّنات قوى 14 آذار. هذه الرغبة كانت موجودة وبقوة لدى “القوات اللبنانية” ولكنها لم تكن كذلك لدى الرئيس الحريري انطلاقاً من حسابات خاصة به وبشعبيته وبماكيناته الإنتخابية وبعلاقاته المستجدة مع الرئيس ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل. ولذلك لم يكن هناك التقاء انتخاب إلا في الشوف من خلال الحزب التقدمي الإشتراكي وفي عكار بعدما ذهب التيار الوطني الحر إلى تحالف مع خصوم تيار المستقبل وفي بعلبك-الهرمل حيث كان التحالف لا مفر منه على اعتبار أن «القوات» هي الطرف الأقوى فيه.

 

برهنت الإنتخابات أن “القوات” خرجت منها منتصرة بعدما زادت عدد نواب تكتلها من 8 إلى 15 نائبًا على رغم الحصار الكبير الذي تعرضت له وأن تيار المستقبل تراجعت كتلته إلى حدود الـ21 نائبًا، الأمر الذي اعتبره الرئيس الحريري انتصارًا أيضًا في ظل الحرب التي تم شنها عليه وكان الهدف منها كسره معلناً أنه غير قابل للكسر.

في قراءة لنتائج هذه الإنتخابات أن تيار المستقبل تضرر من تحالفاته وأنه لو حصل التحالف بينه وبين “القوات” في بيروت الأولى وجزين وحاصبيا – مرجعيون – النبطية والشمال الثالثة والبقاع الغربي – راشيا وبيروت الثانية وزحلة لكانت النتائج تبدلت جذريًا وكانت زادت كتلة المستقبل وكتلة “القوات” تبعًا للزخم الشعبي الذي كان سيخلقه هذا التحالف والذي كان سيصب حتماً إقبالاً مضاعفاً على صناديق الإقتراع وتصويتًا للوائح المشتركة.

 

أما وقد أصبحت هذه الإنتخابات وراء الطرفين فكان لا بد من الإلتفات إلى مستقبل العلاقة بينهما. لقد حكي كثيرًا بعد زيارة الرئيس سعد الحريري الرسمية إلى السعودية بعد أزمة استقالته أنه أمام مراجعة شاملة لتلك العلاقة ومن ضمنها إعادة ترتيب العلاقة مع “القوات اللبنانية” بعد الإنتخابات. وعندما اتخذ قراراته بإقالة بعض المسؤولين في تيار المستقبل وماكيناته الإنتخابية وأعلن عن قبول استقالة مدير مكتبه نادر الحريري، قيل أيضًا إن هذه القرارات هي مقدمة لصياغة جديدة لعلاقات الرئيس الحريري ولا سيما تلك التي استجدت بعد أزمة 4 تشرين الثاني الماضي ولذلك هناك من اعتبر أن لقاءه الذي طال انتظاره مع الدكتور جعجع يأتي في هذا السياق.

 

كان يمكن لهذا اللقاء أن يكون قبل الإنتخابات ولكن مسار تلك الإنتخابات وتحالفاتها كان قطع شوطاً كبيرًا وكان هناك اتفاق مبدئي على أن يكون بعدها. ولذلك كان من الطبيعي أن يحصل بعدما ساد اعتقاد لدى خصوم الطرفين وعدد من المراقبين بأن التباعد الذي حصل بسبب الإنتخابات سيجعل من هذا اللقاء أمرًا مستحيلاً وربما قد يكون البعض قد بنى حساباته المتعلقة بتسيمة الشخص الذي سيكلف تشكيل الحكومة وبعملية تسمية الوزراء وتوزيع الحقائب على هذا الأساس.

 

من الطبيعي أن يبدأ مسار تأليف الحكومة بعد الإنتخابات. ومن الطبيعي أن يقرأ هذا المسار من خلال نتائج الإنتخابات. ومن الطبيعي أن يلتقي الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع من أجل البحث في هذا المسار وفي مرحلة ما بعده وليس من الطبيعي ألا يتم هذا الأمر. فـ”القوات” طالما كانت حريصة على أن تبقى هذه العلاقة في إطارها التحالفي الصحيح، والرئيس سعد الحريري طالما انتظر أيضا أن تكون هذه العودة في الوقت المناسب. فهو يريد أن يكون الرئيس المكلف تشكيل الحكومة وهو يتكل على تسليم من رئيس الجمهورية بمثل هذا الأمر ولكنه لا يريد أن تكون تسميته لهذه المهمة مقتصرة على كتلته النيابية وعلى كتلة التيار الوطني الحر وربما كتلة الرئيس نبيه بري و»تيار المردة» في ظل عدم ضمان أن يسميه «حزب الله» الذي لم يفعل ذلك في أي من الحكومات السابقة ولم يسجل سابقة من هذا النوع بل كان يعمل دائما على إسقاط حكومته خصوصا أيضا أن علاقة الرئيس الحريري متوترة مع رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط.

 

اللقاء الذي طال انتظاره بين جعجع والحريري لا بد من أن يمهد الطريق لإجماع أكبر حول تسمية الرئيس الحريري لتأليف الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية وحول المجيء بحكومة تتخطى عثرات الحكومة الحالية وتعطي انطباعًا أنها فعلاً وحقيقة حكومة استعادة الثقة والنأي بالنفس. ذلك أن العمل الحكومي الجديد يجب أن يركز على ملفات الفساد وعلى معالجة قضايا الناس التي كانت عناوين الحملات الإنتخابية، وأن تبعد لبنان عن خطر الحريق في المنطقة خصوصًا في ظل التوترات المتجددة بين إسرائيل وإيران و”حزب الله” والنظام السوري في سوريا على ضوء الإهتزاز المتصاعد على جبهة الجولان، الأمر الذي لا يمكن ضمانه إلا بابتعاد “حزب الله” عن جر لبنان إلى هذه الحرب. ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار أن وجود “القوات اللبنانية” الفاعل داخل الحكومة مع تيار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي وفي ظل وجود رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في قصر بعبدا وعلى ضوء ما ورد في خطاب القسم هو الضمانة لتحقيق التوازن في استعادة قرار الدولة الإستراتيجي.

 

كان المطلوب إحداث صدمة إيجابية للناس بعد أزمات الإنتخابات ولا شك في أن لقاء بيت الوسط شكل مثل هذه الصدمة على أن تكون الصدمة مضاعفة في ما يمكن أن ينتج عنه وما يتعلق خصوصًا بتطبيق سياسة النأي بالنفس وطريقة أداء الدولة والعمل داخل الحكومة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل