“القوات اللبنانية”… قـوّة وطنيةٌ ضاربة تحمي الثوابت وتواجه الفساد

لم تكن فترة ما بعد الإنتخابات النيابية كافية لإدراك حجم الإنتصار الذي حقـّقـه حزب “القوات اللبنانية” وتداعياته الوطنية وآثارِه السياسية والوطنية. فالمسألة ليست بالعدد ، وإن كان هناك من جعل من الأعداد نقطة تجاذب، وليست مجرّد كتلة نيابية توسّعت لترفع حصّتها في الوزارة وتـُضاعف قدرتها في الإستحواذ على المزيد مواقع السلطة، بل يمكن الإعلان وبكلّ ثقة أن قوّة وطنية ضاربة قد ولدت تحمي الثوابت السيادية وتحفظ إتفاق الطائف وتقاتل الفساد.. قد ولدت.

بقيت “القوات اللبنانية” على ثوابتها من دون أن تتزحزح عن ثوابتها السيادية وبقي الدكتور سمير جعجع متشبثًا بشعار 14 آذار وبقي إيمانه بثوابتها لا يتزعزع، وفي زخم الحملات الإنتخابية، لم يتخلَّ الحكيم عن إبداء إعتقاده بأن هذا الشعار وهذه التجربة لم تمت ولا تزال قادرة على الحياة، وإن بصيغة مختلفة وأسلوب جديد، وقد لاقاه اللبنانيون بكثافة، وصوّتوا لهذا الإتجاه مانحين “القوات” كتلتها النيابية الجديدة.

 

•    منطلقات موقفنا من “القوات اللبنانية”

أكتب هذه السطور من موقعي الإسلامي والوطني في “التحالف المدني الإسلامي”، المتمسك بالشراكة والمنادي بالتوازن والحريص على الإنماء، والرافض للإرهاب والمتصدي لمحاولات تشويهنا نحن المسلمين على أيدي آلة إعلامية وسياسية تعتبر كلّ سنـّي إرهابياً أو مشروع إرهابيّ..

أكتب هذه السطور منطلِقًا من تجربة تواصلٍ وتعاونٍ سياسيّ وشخصي عميق مع الدكتور سمير جعجع، إنطلقت من طرابلس وإمتدت إلى عكار والكورة وزغرتا والبترون والبقاع.. لتجعل من فكرة الشراكة حلمًا قابلاً للتحقيق على قاعدة النهوض بالمناطق من دون تمييز وعلى تحمّل أعباء الشراكة وطنيًا وتنمويًا وإجتماعيًا…

 

•    “القوات”: أن تكون مسيحيًا ووطنيًا في آن

على المستوى المسيحي ألغت “القوات اللبنانية” المسافة الفاصلة بيننها وبين التيار “الوطني الحر”، وقلّصت الفارق في القاعدة الشعبية إلى ما يقارب 3 آلاف ناخب ولم يعد الحجم النيابي بحاجة إلى مقارنة، لأن ترقيع كتلة جبران باسيل بنوابٍ قيد الإستعارة لا يغيّر في المعادلة شيئًا.

والأهم في هذا المجال هو أن التقدم القواتي مسيحيًا جاء بالتوازي مع رفع منسوب الخطاب والسلوك الوطني الجامع ، وليس بنبش القبور وإثارة العصبيات الطائفية والعنصرية التي إعتمدها الفريق المسيحي الآخر، الذي فشل في إستدراج “القوات” إلى هذا المستنقع الآسن، وحافظت القيادة القواتية على توازن مستلزمات شدّ العصب والعقلانية، فخرجت من الإنتخابات حزبًا وطنيًا سياديًا مكتمل الأوصاف…

في كلّ المواقع التي تحتاج إلى رعاية وطنية، كانت “القوات” حاضرة لتستجيب لكلّ متطلبات العيش المشترك، وهكذا لم يجد وليد جنبلاط شريكًا يحفظ مصالحة الجبل نصًا وروحًا أفضل من القوات، فكان التحالف إنتخابيًا ببعد وطني أرهق أتباع نظام الأسد وأقفل الأوبواب في وجه أبواق وأدوات “حزب الله”.

 

•    حسابات جديدة في السياسة: سقوط محاولات الإقصاء

على المستوى السياسي، فرض إنتصار “القوات اللبنانية” حساباتٍ جديدة على الجميع، حلفاء وخصوم، وإن كان قانون الإنتخاب لم يترك حليفًا ولم يغادر ساحةً إلا وقسمها وغادرها والجميع قد طعنوا بعضهم بموجب قانون “قابيل وهابيل”.

أصبحت “القوات اللبنانية” اليوم قـوّةً عصيّةً على الإقصاء أو الحرمان من أي موقعٍ أو وزارة، بعد أن كانت تحت حصار الخصوم وتواطؤ بعض الحلفاء الراغبين في بقائها داخل قمقم الحجم المحدود وخطوط حمراء حاكها نظام آل الأسد وحاول الإيرانيون وذراعهم المحلية (“حزب الله”) ترسيخها.

 

•    قوة ضاربة في مواجهة الفساد

لم تكتفِ “القوات” بالثوابت السياسية، بل تحوّلت قوةً وطنيةً ضاربة في مواجهة الفساد، وتمكن وزراؤها من الوقوف في وجه الصفقات والبواخر التي أزكمت الأنوف وبات حديثها فوق سطوح السياسة اللبنانية، وإستحقّ وزراء الصحة والشؤون الإجتماعية والإعلام شهاداتِ تقديرٍ من الخصوم قبل الأصدقاء، لمهنيتهم وشفافيتهم وعدالة سلوكهم الوزاري الذي لم يفرّق بين لبناني وآخر، لا على الأساس الطائفي ولا المناطقي ولا حتى السياسي، فحظِيَ الجميعُ بحقوقهم، سواء كانوا موالين لـ”حزب الله” غريم “القوات” الأول، أو أي فريق آخر، مع إقترابٍ حثيث من عموم المواطنين الذين كانت قضاياهم تصل مباشرة أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي لتلقى كل إهتمامٍ ورعاية.

وهذا يدفع للتمسّك بضرورة حصول “القوات” على مواقع وزارية أساسية لأنهم سيحولونها إلى مساحة عمل وطني وسياسي متقدّم، وستتحوّل الوزارات التي يتولّونها إلى نموذجٍ يُحتذى في التطوير الإداري والخدمة العامة.

 

•    تداعي خطاب “حزب الله” ضد “القوات”

بعد هذا التقدّم الثابت الخطى والواسع النطاق، لم تعد لدى “حزب الله” مادة يستهدف بها “القوات” سوى الإيحاء بالعقدة تجاهها، فقد أوغل القواتيون عميقًا في المعادلة الوطنية، وفشلت كل محاولات العزل والضغط والإقصاء، وخاصة من خلال قانون الإنتخاب .

لقد أُسقِط بين يدي أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله ولم يستطع تقديم خطابٍ سياسي جدّي ضد “القوات اللبنانية”، سوى أنه دأب في الأيام الأخيرة للإنتخابات على محاولة إتهام لائحة تحالف العائلات والمستقبل و”القوات” بأنها سعودية، وهو أمرٌ يدرك هو شخصيًا أنه لا ينطلي على أحد من أبناء بعلبك الهرمل خصوصًا، واللبنانيين عمومًا.

سقطت إتهامات العمالة ضد “القوات” بعد أن باتت معراب تقف على خطوط الدفاع الأولى عن إتفاق الطائف وعن عروبة لبنان وعيشه المشترك، وبات “حزب الله” في موقع الدفاع عن نفسه بعد إغراقه في توريط لبنان في صراعات المنطقة من سوريا فالعراق وليس إنتهاءًا باليمن والكويت والبحرين والمغرب وتحوّله ميليشيا تمارس الإرهاب والبلجة في الداخل.

سقطت منطومة الإفتراء والتشويه التي أنشأها نظام الأسد خلال إحتلاله لبنان وإستمرت الآلة الإعلامية للمحور الإيراني في ضخها، لكن منهجية قائد القوات اللبنانية وإصراره على السلوك السياسي الوطني، جعلا منها أثرًا بعد عين.

 

•    هكذا حافظت “القوات” على روحية 14 آذار

لا شك أن ثورة الأرز وحركة 14 آذار ساهمت في كسر الحدود بين اللبنانيين، ولكن إنفراط عقد قيادات هذه القوى جعل المسار الوطني في خطرٍ حقيقي، وهدّد مسار العيش المشترك، الأمر الذي أوجب على “القوات” سدّ الثغرة الوطنية من خلال تبنّي القضايا العادلة، وخصوصًا الدفاع عن أهل السنة في لبنان، في وجه حملات الإتراء والتشويه التي طالتهم وحاولت وصمهم بالإرهاب، فأصبح سمير جعجع الناطق بإسمهم والرافض للظلم اللاحق بطرابلس وعرسال ومجدل عنجر وطريق الجديدة وعكار، فبات له في كل منزلٍ منزلة محبة وقناعةٍ بتوجهٍ وطنيّ يستحقّ الدعم والتبنّي.

تمكّن الدكتور جعجع في أصعب الأوقات من الحفاظ على العلاقة التاريخية المسيحية الإسلامية، وتمكن من تحويل الثنائية المارونية – السنية إلى عامل بناء وطني، لا عامل إصطفافٍ طائفي أو مذهبي.

وكانت الإنتخابات محطةً لتوسيع تجربة التعاون مع الرئيس نجيب ميقاتي إنتخابيًا في قضاء الضنية عبر دعم مرشح العزم محمد الفاضل وإعلان نوايا الإنفتاح والتعاون اللاحق بين الطرفين، بمثابة خطوةٍ في الإتجاه الصحيح لكسر ما تبقى من حواجز وهمية تفصل بين اللبنانيين.

 

•    جعجع ورفض حلف الأقليات

أقام الدكتور سمير جعجع سدًا عاليًا في وجه تحالف الأقليات، ورغم إنفراط التحالف مع تيار “المستقبل”، إلا أن “القوات اللبنانية” حافظت على خطابها اللصيق بقضايا السنـّة في لبنان، ورفضت الإنزلاق إلى الخطاب التحريضي الذي إستسهله الوزير جبران باسيل وتياره، وعزّزه “حزب الله” وحلفاؤه.

كانت الإنتخابات النيابية المحطة الأصعب في الحفاظ على الثوابت الوطنية، ولكن “القوات” صمدت وعزّزت من تواصلها مع القواعد الشعبية السنية، التي أعربت عن تقديرها لتوجهات “القوات” ورئيسها في صناديق الإقتراع، في مختلف الدوائر، بدءًا من بعلبك – الهرمل إلى بيروت الأولى مرورًا بالبترون والكورة وزغرتا وليس إنتهاءًا بعكار.. كان الجمهور السنـّي يلاقي الدكتور جعجع ويمنح مرشحيه الثقة بكامل وعيه السياسي والوطني.

 

•    جعجع محاميًا في وجه إستهداف السـّنة

تفتح “القواتُ اللبنانية” صفحة جديدة في قيادة المسيحيين نحو شراكةٍ حقيقية لا غشّ فيها ولا تزوير..

يحضر سمير جعجع في الوجدان السنـّي محاميًا في وجه حملات الحقد الأقلوية الطائفية، صارخًا في وجه مارين لوبان بأن الإرهاب ليس له دين أو مذهب وأن بشار الأسد هو أب الإرهاب في المنطقة..

يتقدم الحكيم مزيدًا من الخطوات نحو الإحتكاك المباشر مع البيئة السنية التي إعتنقت ثوابت 14 آذار وهي ثابتة عليها..

تتفشّى إرادة التواصل مع “القوات اللبنانية” في كلّ المناطق، ليس كطفرةٍ عابرة، وإنما بقناعةٍ ملؤها الأمل ببناء وطنٍ ودولة عادلة وقوية ومزدهرة.

 

•    كل الساحات والوزرات مفتوحةٌ أمام “القوات”

خرقت السفارة السعودية البرتوكول لتحجز مقعدًا للدكتور سمير جعجع بين رؤساء الحكومات، في إشارة إلى المكانة التي يتبوأها الحكيم في المعادلة الوطنية والعربية والتي سيكون لها أثرها الحتمي في مسار المعادلات قيد النشوء في الأيام المقبلة.

كلُّ الوزارات وكلُّ المناطق وكلُّ الساحات.. مفتوحة اليوم أمام “القوات اللبنانية”، وننتظر بعد تشكيل الحكومة إنطلاق حركة تواصل سياسي وشعبي واسعة النطاق سيطلقها تكتل الجمهورية القوية ليترجم ما أعلنه في برنامجه الإنتخابي في السياسة والإنماء على حدٍ سواء.

تتلقى قيادة “القوات” كلّ يوم شهادةً تشيد بوطنية قيادتها وإحترافها وتنظيمها، وهذه الشهادات تتوالى من كل الإتجاهات.

تنطلق “القوات اللبنانية” في مرحلةٍ جديدة مفتوحة على أفقٍ محليّ مختلف وأفقٍ إقليميّ ودوليّ مليءٍ بالمتغيرات الآتية من الساحة السورية والعراقية واليمنية، التي تأتي لتؤكد صحة خيار الحكيم وتوجب العودة إلى منطلقات الحفاظ على التركيبة السيادية مواكبةً لمرحلة الإستحقاق الأكبر المتعلّق بمستقبل لبنان والمنطقة العربية بأسرها.

 

أحمد الايوبي – أمين عام التحالف المدني الإسلامي

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل