تصبح على خير ابو جاد…

التقي بها دائمًا، في احتفالات ولقاءات معراب، وأحيانًا نجترح زمنًا هاربًا ونلتقي وبعض الاصدقاء، ونجالس حكاياتنا الحلوة والمرة، انها جيسي عيراني، اكيد زوجة الشهيد رمزي عيراني.

آخر اللقاءات معًا كان في احتفال النصر في معراب، هي الحاضرة دائمًا في كل تفاصيل “القوات اللبنانية”، الوفية لكل تلك المنظومة التي جعلت من رمزي شهيدًا ورمزًا لجيل بكامله، رمز الشجاعة والمواجهة المباشرة مع عدو مجرم محتل ما كان يرحم، مع لبنانيين عملاء صغار في نفوسهم وضمائرهم، لاحقوه وقتلوه علّ الشجاعة تموت معه، فاذ به شهيدًا حتى اللحظة لم يمت، وهم الاحياء الذين ترقّوا في المناصب، لكنهم امواتًا في قلب الناس وعيونهم، الذل والاحتقار لباسهم اليومي ولو ارتدوا اغلى الثياب، ولو نالوا حصانة العالم كله، لكنهم هم  المجرمون، هو المجرم اياه…

 

تعرفون اني لا اعرف رمزي شخصيًا، تعرّفت اليه من ستة عشرة عامًا حين طنطن البلد بخبر اختطاف مهندس ناشط في “القوات اللبنانية” اسمه رمزي عيراني… هسسس هسسسس لا تقولوا “قوات” بالصوت العالي، “لاء بدنا نقول قوات وبالصوت العالي العالي ورح نضل نصرّخ تـ نلاقي رمزي ويفل السوري من هون ويفوت اسياد النظام الامني اللبناني السوري ع الحبس، واللبناني لـ فيهن قبل السوري لازم يتحاكم” صرخ يومذاك في وجهي أحد شباب “القوات” من اصدقاء رمزي. كان جو البلاد مشحونًا، كان العام 2002، زمن السلم الاهلي المفترض، وكانت البلاد بدأت تنغل بالمقاومة التي بدأت تخرج عن سريتها وتفصح عن حالها في كل مناسبة، اي مناسبة، مطالبة بخروج الحكيم من المعتقل وجلاء الاحتلال السوري عن لبنان، وكانت السجون تغصّ بشبابنا تباعًا، سجون صنعها “زعيم” من زعماء العمالة في لبنان، ليظهر لاسياده عمق طاعته، عمق استزلامه للغريب بعدما اهداه قبل سنين طويلة تفجيرًا “رائعًا” لكنيسة سيدة النجاة، ليدخل الحكيم الى المعتقل وليحلّ حزب “القوات اللبنانية” وتعرفون باقي الحكاية…

 

يوم عاد رمزي الى بيته شهيدًا في صندوق سيارة، تحوّلت البلاد الى جمرة حارقة، كل من يدوس ارضها كأنه يحترق، لحظة اكتشاف الحقيقة المروّعة، لم نخف من دموع جيسي ولا جنون الحزن فيها وفي الشباب، شخصيًا خفت من غضب الشباب، خفت من الآتي من الايام، كانت ليلة مروّعة بكل تفاصيلها، كنت متأكدة انه لن ينام شاب في بيته الليلة، سيقودهم العميل المجرم الى السجون جميعًا، عندما كانوا يراقصون النعش الابيض كان هو يرقص على ضحكاته المجنونة فرحًا، هذا شأن المجرمين في كل زمان ومكان، سعادتهم في شقاء الآخرين، جلس المجرم الى عمالته ومنصبه يراقبنا نرقص على الجمر وهو يتلقّى التهاني من سيده بشار الاسد، والرفاق في عرس شهادة رمزي يتوعدونه بالحرية والاستقلال والانتقام بعودة وطن الى اهله.

لا انسى عمرًا ما قاله احد الرفاق حين كان نعش رمزي يتراقص فوق اكتاف المناضلين، لم يبكِ، رفض ان يفعل، ابتلع دمعه عنوة وجعل غضبه صراخًا، وبصوت متقطّع تمتم “وحياة التراب لـ بدو يحضن رمزي، وحياة كل شهيد فينا وحياة جاد وياسمينا اذا ما …. (شتيمة فاقعة جدًا)، واذا ما منشحط السوري الكلب ع بيتو وبايدينا منفوّت ازلامو ع الحبوسة ومنردلك اعتبارك رمزي، ما منكون لا مقاومة ولا اسمنا رجال”…وانهار فوق دموعه، استسلم رفيقي لحزنه لكنه لم يستسلم للحظة، وفعل كما قال، كما قالوا جميعًا، والتقيته ذات لحظة غامرة بالنضال في ساحة الحرية قبل اطلاق الحكيم بأيام وسألته “انتقمت لرمزي؟” لحظة لـ بيصير الحكيم حر وبيفل السوري بكون انتقمت…

 

كان رمزي اصبح صديقي بعد استشهاده، او لنقل هكذا انا قررت، اسكنته قلمي وصار مع الشهداء ساكنًا كل قلبي ونضالي، اراه في عيون جيسي وكل ذاك الوفاء اللامتناهي، اراه في   نجاحات جاد وياسمينا وافتخر. انظروا ما عندنا في “القوات” يا عالم. انظروا الى ابناء الشهداء وعائلاتهم كيف يحولون الشهادة الى عرس مقاومة في وجه الحياة والظروف وينجحون، بحالهم بكرامتهم العالية، بنبلهم الراقي يصبحون هم الحكاية.

 

رأيت جيسي تلك الليلة، مشرقة انيقة كما دائمًا، عيونها جاد وياسمينا، قلبها رمزي في كل الخفقات، رأيت جيسي ورأيت رمزي بوضوح تام، في كل انتصار لـ”القوات”، ارى وسامته تحوم فوق المكان، ارى وسامة الشهداء تتجلى فوق ارض القديسين والشهداء والمناضلين الاوفياء، اختفت جيسي عن ناظري، تسللت في ليل الدبكة والفرح فلمحت طيفًا، لحقته خائفة، مين تسلل ع معراب بهالليل وين الحراس؟ لم يكن تسللا، كان رمزي يداعب النسمات الباردة، يمزح مع رفاقه سيدًا بنصر مماثل، ولما تعب صعد الى تلك التلة النصب الصغير المدروز ارزًا، المخصص له ولرفاقه الشهداء ونام في الكرامة سعيدًا…

تصبح على خير ابو جاد…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل