
نحن هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1663
لا يكتفي رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع بتطبيق مبدأ فصل النيابة عن الوزارة على مستوى “القوات”، بل لا يوفر وسيلة من أجل إقناع من يفترض إقناعه بهذا الطرح، وهكذا فعل مع الرئيس سعد الحريري في لقائه الأخير معه من خلال دعوته إلى تبني الفصل الذي عاد وتبناه بعد أقل من أسبوع على لقائهما الأخير، كما دعوته كل القوى السياسية إلى تحويل هذه الخطوة إلى خطوة إلزامية ذاتيا قبل تحويلها إلى قانون ملزم للجميع.
وفصل النيابة عن الوزارة، بالنسبة إلى جعجع، ليس مجرد خطوة إجرائية حصولها يبقى أفضل من عدم حصولها، إنما لرئيس “القوات” فلسفة متكاملة في هذا الخصوص ترتكز على العناصر الآتية:
أولًا، يعتبر الدكتور جعجع ان الـ24 ساعة يوميا قد لا تكون كافية للوزير من أجل متابعة شؤون وزارته وملفات الحكومة مجتمعة، والأمر نفسه ينطبق على النائب الذي عليه متابعة شؤون منطقته وشجون الناس وكل ما يتصل بالتشريع واللجان النيابية، وبالتالي كيف يمكن للوزير ان يوفِّق بين عمله الوزاري وعمله النيابي، والعكس صحيح، فيما الأمر مستحيل منطقيا وعلميا، ولذلك سيكون التقصير سيد الموقف في النيابة والوزارة معا، ما يستدعي التفرغ التام والكامل وعدم الخلط بين ما هو نيابي وما هو وزاري.
ثانيًا، يعتبر جعجع ان نجاح الحكومة مجتمعة يتوقف في شق منه على أعضائها وجديتهم في متابعة شؤون وزاراتهم وجدول أعمال مجلس الوزراء، وبالتالي كيف يمكن لنائب يسهر على شؤون منطقته ويحرص على التواصل مع الناس ان يوفق بين عمله النيابي وعمله الوزاري؟ ولذلك سيكون محكوما على الحكومة بالفشل، فيما المطلوب تأليف حكومة قادرة على تحمُّل أعباء المرحلة ووضع كل جهودها لنقل لبنان من مرحلة إلى أخرى.
ثالثًا، على رغم ان الحكومات في لبنان هي مجالس مصغرة عن مجالس النواب ربطا بالميثاقية وحكومات الوحدة الوطنية، إلا ان فصل النيابة عن الوزارة يؤدي إلى فصل جزئي بين السلطات، وهذا ضروري، وذلك بمجرد ان لا يصار إلى تعيين 30 نائبا في الحكومة، الأمر الذي يمكن الكتل النيابية من القيام بدورها الرقابي بشكل أفضل.
رابعًا، المجتمع عموما والأحزاب خصوصًا تحتضن عشرات ومئات الكوادر، وبالتالي فصل النيابة عن الوزارة يقطع الطريق أمام الاحتكارية السياسية بوضع كل السلطات وتجميعها بين أيدي أشخاص محددين ومحظيين، ويفسح في المجال أمام إشراك أوسع قدر ممكن من النخب والطاقات الحزبية، سيما ان الحصرية السياسية تولِّد مع الوقت الأزمات السياسية، فيما توزيع المسؤوليات وتعميمها يولِّد حيوية سياسية وطاقة إيجابية.
خامسًا، الاحترافية السياسية تقتضي بحد ذاتها الفصل بين كل المسؤوليات وصولا إلى اعتبار رئيس “القوات” ان الجمع بين رئاسة الحزب والنيابة والوزارة لا يجوز كونه يؤدي إلى الإهمال في مهمة من المهمات الحزبية او النيابية او الوزارية، فيما المشكلة في المجتمع اللبناني تكمن في التعامل بخفة مع الشأن العام الذي تم تحويله إلى مواقع شرفية بدلا من ان يكون عنوانا للتضحية السياسية.
يمكن القول إن “القوات اللبنانية” بين سائر الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى كانت أول من اعتمد مبدأ الفصل، فيما العدوى انتقلت اليوم إلى “حزب الله” وتيار “المستقبل”، بينما “التيار الوطني الحر” الذي كان يعتمد قواعد الفصل قبل انتخاب الوزير جبران باسيل نائبا، عاد وتراجع عن مبدأ فصل النيابة عن الوزارة بعد انتخابه نائبا، الأمر الذي يؤشر إلى بعد شخصاني واحتكاري لا بد من ان ينعكس سلبا مع الوقت على بنية التيار الذي يرأسه.
ويبدو ان الدكتور جعجع يعتزم عدم الاكتفاء بتطبيق قواعد الفصل على “القوات اللبنانية”، إنما وضع مبدأ فصل النيابة عن الوزارة من ضمن أولويات “القوات” في المرحلة المقبلة من أجل تحويلها إلى قانون ملزم، لأن تطوير الحياة السياسية وتحديثها ومضاعفة الإنتاجية لمصلحة المواطنين تستدعي اعتماد مبدأ الفصل، و”القوات” لن توفر وسيلة بغية الارتقاء بالشأن العام وتوفير مستلزمات الناس ومتطلباتها.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]