“المسيرة” ـ حكومة مجلس 2018… مهمة مستحيلة؟

الجلسة الأولى لمجلس نواب دورة 2018
الجلسة الأولى لمجلس نواب دورة 2018

 

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1663

 

كان المشهد سورياليًا خلال جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب في 23 أيار الحالي. رئيس السن ميشال المر (87 عامًا) يترأس الجلسة ثم يسلم الأمانة للرئيس المنتحب نبيه بري (80 عامًا). بعد أربعة أعوام إذا قدر الله وجرت الإنتخابات النيابية في موعدها وأمد الله بعمر الرئيس نبيه بري قد يكون هو نفسه رئيس السن والرئيس المنتخب فيترأس الجلسة ويسلم نفسه الأمانة. 128 نائبًا من أصل 128 حضروا الجلسة ويمكن القول من خلال مجريات الإنتخاب إن “القوات اللبنانية” كانت هي التي أضافت نكهة الديمقراطية إلى هذه الجلسة من خلال الأوراق البيضاء في انتخاب بري ومن خلال ترشيح النائب أنيس نصار لمنصب نائب الرئيس، وهي ستكون كذلك النكهة التي ستميّز الحكومة الجديدة كما كانت في الحكومة السابقة المنصرفة إلى تصريف الأعمال. فهل ستكون هناك حكومة جديدة أم أن التأليف سيكون مهمة صعبة وربما مستحيلة؟

 

لا شك في أن تسمية الرئيس سعد الحريري لتأليف الحكومة الجديدة سوف تكون سهلة على قاعدة أن التسوية التي حكمت انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية وعودة الحريري إلى السراي والنأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية لا تزال حية وإن كانت تحتاج إلى ضوابط وتصحيح. ولكن مما لا شك فيه أن عملية تشكيل الحكومة ستحكمها نتائج انتخابات 6 أيار والمتغيّرات الحاصلة في المنطقة.

 

إذا كان هناك توافق أساسي على تسمية الرئيس سعد الحريري رئيسًا مكلفاً تشكيل الحكومة فإن هذا التوافق قد لا يتوفر في عملية تسهيل التأليف. قبل أن تبدأ الإستشارات التي يحددها رئيس الجمهورية ميشال عون بدأت العقد تظهر أمام الرئيس الحريري والتي قد يكون حلها مستعصيًا وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى إطالة مرحلة تصريف الأعمال.

لم تكن عودة الرئيس سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة سهلة في أواخر العام 2016 فقد أتت بعد مخاض عسير وتأخير في انتخاب رئيس للجمهورية وتمديد أربعة أعوام لمجلس نواب 2009. على رغم أن الرئيس الحريري كان يترأس أكبر كتلة نيابية في ذلك المجلس فإنه لا يمكن أن ينسى كيف تمت إقالة حكومته وهو يهم بدخول البيت الأبيض في واشنطن للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما في 12 كانون الثاني 2011. بعد سبعة أعوام تغيّر العالم من حول لبنان: صار دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية وباتت سوريا دولة مقسمة إلى دول بعد سبعة أعوام من الحروب وبات إيران و«حزب الله» في مواجهة مفتوحة مع واشنطن بعد إسقاط ترامب للإتفاق النووي.

 

نتيجة انتخابات 6 ايار أعطت الرئيس الحريري كتلة من 21 نائبًا ورفعت كتلة “القوات اللبنانية” إلى 15 نائبًا بينما أدخلت إلى المجلس النيابي أسماء كانت اقترنت بمرحلة الوصاية السورية خصوصًا من النواب السنّة مما بات يفتح المجال أكثر لدى “حزب الله” للضغط نحو تسمية بدائل عن الرئيس سعد الحريري. وإن كانت هذه المسألة لها محاذير كثيرة فإن لا شيء يمنع اللجوء إليها. صحيح أن تجربة رئاسة الرئيس نجيب ميقاتي لحكومة ما بعد الرئيس الحريري في العام 2011 وما قبل حكومة الرئيس تمام سلام في العام 2014 كانت مخيبة للآمال لـ”حزب الله” تحديدًا فإن الحزب لا يمكن أن يهمل هذه الورقة مجددًا.

أول عقبة قد يواجهها الرئيس المكلف سعد الحريري هي محاولة مصادرة صلاحياته في تسمية الوزراء بالتفاهم مع رئيس الجمهورية حيث يبدو كأن هناك من يريد أن يفرض عليه تركيبة حكومية معينة وعليه أن يقبل بها قبل تكليفه وإذا قبل بها يتم تكليفه من باب تحصيل الحاصل وإذا لم يقبل قد يكون هناك اتجاه إلى تسمية غيره.

 

العقبة الثانية التي تواجهها عملية التأليف هي مطالبة “حزب الله” بحقائب سيادية أو أساسية فأي حقائب يمكن أن يخصصها له وهل ستكون من حصة حركة “أمل” أم من غيرها خصوصًا أن الحصص الطائفية والمذهبية محددة ومعروفة ومجال المناورة ضيق، وخصوصًا أيضًا في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على الحزب وقيادته. فماذا إذا تمت تسمية وزير من الحزب ثم وضعته واشنطن على لائحة العقوبات؟

العقبة الثالثة قد تكون في مطالبة “حزب الله” بتوزير شخصيات أو أحزاب مسيحية أو سنيّة محسوبة في خانة حلفائه من أجل أن يكون له الثلث المعطل الصافي داخل الحكومة، فهل سيقبل الرئيس سعد الحريري أن يسمي النواب فيصل كرامي أوعبد الرحيم مراد أو عدنان طرابلسي أو جميل السيد أوغيرهم في حكومته؟

العقبة الرابعة قد تكون في محاولة وضع شروط على توزير “القوات اللبنانية” إن لجهة عدد الحقائب أو لجهة هوياتها. فهل يمكن أن يقبل الرئيس سعد الحريري بمثل هذا  الموضوع؟

الرئيس سعد الحريري والوزيران حاصباني وجريصاتي في جلسة انتخاب هيئة مكتب المجلس
الرئيس سعد الحريري والوزيران حاصباني وجريصاتي في جلسة انتخاب هيئة مكتب المجلس

 

العقبة الخامسة قد تكون في محاولة فرض توزير النائب طلال أرسلان من حصة تكتل العهد القوي باعتباره عضوًا مسجلاً فيه وذلك على حساب مطالبة رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي أن يكون تمثيل الدروز حكوميًا محصورًا فيه قياسًا على تمثيله النيابي للطائفة الدرزية؟

العقبة السادسة تتمثل في الحصة التي يطالب بها تكتل العهد القوي لنفسه ولرئيس الجمهورية، فإذا كان هذا التكتل يضم كتلة النواب المؤيدين للتيار الوطني الحر وللعهد فهل يمكن أن تتخطى نسبة تمثيله نسبة عدد نوابه؟ وبالتالي هل يقبل الحريري أيضًا أن يكون له ثلث معطل ثان؟

العقبة السابعة تكمن في فصل النيابة عن الوزارة، فإذا كان الرئيس الحريري مع “القوات اللبنانية” سيطبقان هذا الفصل فهل يمكنه أن يطلب من الأطراف الأخرى تطبيقه؟

 

العقبة الثامنة في وزارة المالية، فإذا كان هناك إصرار من رئيس الجمهورية على التداول في الحقائب ومن الرئيس بري و”حزب الله” إصرار على التمسك بوزارة المالية والوزير علي حسن خليل تحديدًا فماذا سيفعل؟ خصوصًا أن تشكيل الحكومة يكون في النتيجة بمثابة الموافقة على الأسماء التي يقدمها إليه المشاركون فيها.

العقبة التاسعة تتعلق بمسألة هل سيكون هناك شروط على الرئيس الحريري تتعلق بتحديد مدى زمني معيّن للتأليف تحت طائلة الإعتذار وبالتالي إتاحة المجال لتسمية غيره؟ أم أنه سيتمسك بتسميته مهما طالت مدة العرقلة؟ وبالتالي عدم إتاحة الفرصة لتسمية غيره لهذه المهمة لأنه يكون بذلك كمن يضع حدًا لزعامته السياسية والسنيّة.

 

كل هذه العقبات تتعلق بعقبة كبرى هي المسار الذي تسلكه الأحداث في المنطقة على ضوء عاملين: الأول أميركي من خلال الحرب المعلنة والقاسية التي تشنها الإدارة الأميركية على إيران و”حزب الله”. والثاني يتعلق بطلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد القمة التي جمعته مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، سحب القوات الأجنبية من سوريا بما فيها القوات الإيرانية وقوات “حزب الله” وبشكل أوحى وكأن الأسد غير معارض لهذا الطلب. فهل ستكون عملية تنفيذ هذا الأمر الذي يتلاقى فيه الروس مع الأميركيين مقدمة للعودة إلى تطبيق الحل السياسي والمرحلة الإنتقالية في سوريا؟ وبالتالي هل يكون الإنسحاب الإيراني من سوريا شبيها بالإنسحاب السوري من لبنان؟

قياسا على هذه التطورات التي قد تعيد صياغة الوضع في المنطقة ماذا يمكن أن يفعل “حزب الله” بترسانته العسكرية في سوريا؟ وهل سيكون مرغمًا على التخلي عنها والإنضواء تحت أطار منظومة الدولة اللبنانية؟

 

وبالتالي هل يمكن اعتبار أن الحكومة التي قد تتشكل ستكون أيضا حكومة تسوية لتقطيع هذه المرحلة الإنتقالية؟ وهل تكون نتائج انتخابات 6 أيار محطة انتظار قبل الإنتخابات المقبلة في العام 2022 التي ستكون ضمن ظروف محلية وإقليمية مختلفة سوف تنتج رئاسة جمهورية ما بعد الرئيس ميشال عون؟

لا شك في أن “القوات اللبنانية” في الحكومة وفي مجلس النواب ستبقى تمثل نكهة الديمقراطية المتجددة ونكهة الشفافية ومكافحة الفساد في ظل توقعات كثيرة تعطي “القوات” مقاعد إضافية في انتخابات العام 2022 في ظل تحالفات جديدة وتوازنات جديدة. وإذا كانت محاولات النيل من “القوات” لم تنجح في المراحل السابقة فإنها لن تنجح في هذه المرحلة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل