
اهمية الانتخابات النيابية اللبنانية الاخيرة لا تنحصر فقط في اعادة تشكيل المشهد السياسي اللبناني الداخلي بل واكثر في رسم ملامح المرحلة المقبلة اذ ما بعد 6 ايار لن يكون حتما كما ما قبله.
في قراءة اقليمية وداخلية متكاملة يمكن القول ان لبنان دخل مرحلة دقيقة وخطيرة بموازاة دخول المنطقة في تلك المرحلة، وليس من غريب الصدف على سبيل المثال ان يخرج “حزب الله” مثلا عن زهده بالمناصب الوزارية هذه المرة ليطالب ويضغط باتجاه منحه حقائب وزارية وازنة وذات دور خدماتي اذ نجد تفسير مثل هذا الموقف في تداعيات المشهدية الاقليمية.
وليس من غريب الصدف ايضًا ان تعود ملامح الاصطفافات القديمة بين سياديين وغير سياديين على وقع عودة الدور السعودي الفاعل على خط لملمة ما تبقى من روحية “14 اذار” ودعم العهد في موازاة تشكل تكتلات نيابية 8 اذارية بضغط ايراني اوصلت نائب الرئيس ايلي الفرزلي الى سدة نيابة رئاسة المجلس النيابي مع ما يحمله هذا الانتخاب من مؤشرات عودة منطق موالي للنظام السوري الى مراكز القرار اللبناني من باب المجلس النيابي وربما غدًا من باب نيابة رئاسة الحكومة والتشكيلة الوزارية التي لن تكون ولادتها صعبة.
وليس من غريب الصدف ايضًا ان تدفع “القوات اللبنانية” ثمن انتصارها الكبير في الانتخابات النيابية الاخيرة بعدما باتت راس الحربة الوحيدة والاساسية الصامدة في وجه محاولات العزل والاحراج للاخراج من السلطة، في ظل تراخي الحلفاء السياديين الاخرين امام “حزب الله”.
من هنا نرى ان ملامح ومؤشرات المرحلة تدل على دخول لبنان والمنطقة في مرحلة استهدافات سياسية واستراتيجية وعسكرية نأمل ان يستطيع لبنان وعهده وحكومته العتيدة تجنيبه اياها او الحد من تأثيراتها … الامر الذي لا نتفاءل به كثيرًا…
في الغرب الاميركي والاوروربي اصبح الرأي العام مجمعًا على اختصار نتائج انتخابات 6 ايار البرلمانية اللبنانية بجملة واحدة مفادها “وقوع لبنان في قبضة ايران وحزب الله” ما يعني ان النتائج التي افرزتها انتخابات 6 ايار خلقت نوعا من الصدمة لدى الغربيين مع تشكل اكثرية ثنائية شيعية وازنة من جهة وتكتلات نيابية تحالف “حزب الله” اما مباشرة وعلنا واما بطريقة غير مباشرة (كتكل الامير طلال ارسلان المصطنع لمنحه حيثية نيابية وتكتلات مشكلة من حلفاء النظام الاسدي من قوميين ومستقلين…)
يضاف الى ذلك كله التحولات الكبيرة التي بدأت تلامس الواقع والحقيقة في المشهدية الاقليمية المتمثلة اختصارا بما يلي:
اولا: محاصرة ايران على خطين:
الاول: بعد الغاء واشنطن الاتفاق النووي – وخصوصًا اقتصاديا وماليا – ما يخنق مجددا الاقتصاد الايراني ويعزز فرص النقمة الشعبية على النظام من الداخل في ظل قرار اميركي ببذل كل الجهود ليس لتغيير السياسية الايرانية بل لقلب النظام وهذا ما قد يفسر خروج “حزب الله” عن زهده الوزاري للاستحصال على ما يمكن ان يعوض غياب التمويل الايراني له بخدمات تحافظ على التفاف قواعده الشعبية عليه.
الثاني اقليميا: بعد انتزاع القسم الاكبر من الورقة العراقية من يدها سياسيا اثر انتخابات 12 ايار البرلمانية – بعد انتصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر العدو الشيعي الاول للخط الايراني في العراق باستحصاله على 54 مقعدا وحلول حليف طهران الاول نور المالكي في ادنى المرتبات – وتبدل الموقف الروسي من الوجود الايراني والميليشياوي التابع له في سوريا (مع بروز موقف روسي واضح من لسان المبعوث الروسي الكسندر لافرنتيف بتوضيحه ان المقصود بالقوات الاجنبية المطلوب انسحابها من سوريا المجموعات العسكرية بما فيها الايرانيون وحزب الله…) وانفتاح الرئيس فلاديمير بوتين على الغرب للبحث في تسوية الملف السوري بعدما رفعت موسكو الغطاء عن حماية المواقع الايرانية والحليفة لها في سوريا امام الضربات الاسرائيلية.
ولعل زيارة الرئيس الفرنسي الحالية الى موسكو احدى بوادر رغبة موكسو بالحوار مع الغرب لحل المسألة السورية بعدما تحولت الى عبىء لم تعد موسكو تقوى على تحمله لوحدها وهي بحاجة لشركائها الغربيين.
ثانيا: التغيير الاستراتيجي الروسي ازاء ايران في سوريا كما سبق شرحه اعلاه مع الاشارة الى عاملين اضافيين، الاول دخول سوريا كساحة تصفية حسابات اسرائيلية – ايرانية – في مرحلة الحرب والصدام المباشر بين الدولتين – فخلافا للمفهوم التقليدي للحروب والذي كان يفترض تواجه جيوش في وجه بعضها – سوريا حاليا ساحة حرب مفتوحة بين اسرائيل وايران والحرب وقعت ونعيش فصولها عبر الضربات الجوية المتجددة على مواقع الايرانيين وحلفائهم بدون اي ردة فعل روسية والتي تتكرر باستمرار كل فترة مستهدفة مراكز استراتيجية.
والثاني، رفض روسيا الشديد للطلب الايراني بانشاء قاعدة بحرية على الساحل السوري لتجنب موسكو الاحراج مع اسرائيل ولعدم تقاسمها مع طهران الساحل السوري الاستراتيجي لبوتين.
فانطلاقا من المعادلات الجديدة اعلاه يصبح من الطبيعي والمتوقع ان تكون المرحلة الحالية والمقبلة في صلب المتغيرات الاقليمية والدولية ويكون لبنان – ورقة ضغط ايرانية واضحة – لا تسمح بانتزاعها منها – مع ما يستتبع ذلك من محاولات تحجيم للخصوم السياديين وتشديد الطوق على الحياة السياسية اللبنانية بنفس نسبة – او اكثر – ازدياد الطوق الاقليمي والدولي على طهران وحلفائها في سوريا ولبنان.
مرحلة استهدافات كبيرة – نأمل ان يخرج منها لبنان باقل الاضرار الممكنة وليس بالانحياز لمحور يحرمه كل المكتسبات الدولية المالية والاقتصادية.
