كتب فادي عيد في مجلة “المسيرة” العدد 1663
الخازن: التسوية مستمرة والتحالفات على القطعة
إيران العدو الأكبر لواشنطن والخليج وإسرائيل
وسوريا تحولت الى مشاع
أكد النائب السابق الدكتور فريد الخازن المعيَّن سفيرًا للبنان لدى الفاتيكان، أن سياسة العقوبات الأميركية قادرة على التأثير، ولكن بنسبة محدودة، واعتبر أن تغيير سلوك الدول لا يتم بالقيود الإقتصادية، ولفت إلى أن المناخ العالمي ليس مؤاتياً لأي تصعيد عسكري. وفي حين رأى أن الساحة اللبنانية هي أمام مشهد جديد بعد سقوط اصطفافات 8 و14 آذار، أشار إلى أننا أمام مرحلة إنشاء تكتّلات سياسية مرتبطة بالأحجام النيابية من أجل تمثيلها في الحكومة، وشدّد على أنه سيطغى على مناخ المجلس النيابي الجديد، مشهد الإنقسام والتباعد بين العديد من الحلفاء الحاليين، لأن التكتّلات ليست متجانسة. «النجوى ـ المسيرة» التقت النائب السابق الخازن، وكان الحوار الآتي:
أي تحديات تنتظر لبنان والعهد والإستحقاقات الدستورية المقبلة بعد قرار العقوبات الأميركية والخليجية ضد «حزب الله»؟
المنحى الذي تتّخذه السياسة الخارجية الأميركية يتّجه إلى المزيد من الصدام والتصعيد مع إيران، وذلك بمعزل عن أي حدث آخر. فالقرار قد اتخذ في واشنطن، بصرف النظر عن الإتفاق النووي الإيراني، ولكن جرى وضعه في إطار هذا الإتفاق الذي اتّخذت منه إدارة الرئيس دونالد ترامب ذريعة من أجل التصعيد ضد إيران. فالعدو الأول لهذه الإدارة هو إيران، كما أن بعض دول الخليج ترى في إيران الخطر الأكبر عليها وعلى مصالحها، ولأسباب مختلفة عن الأسباب الأميركية أو الأسباب الإسرائيلية، لأن إسرائيل أيضاً ترى في إيران عدوها الأكبر، إذن فإن التلاقي في النظرة والمصالح والخطاب السياسي، قد أدّى إلى الوضع الحالي.
فالإجراءات والعقوبات الأميركية المتشدّدة، أتت بعدما باتت إدارة ترامب في جهوزية تامة على صعيد الفريق السياسي الذي يتولى السياسة الخارجية، والذي يضم مجموعة «صقور». وهذا التشدّد، يأتي من أجل تفادي زجّ أميركا في حرب المنطقة. ومن الممكن إثارة هذا السبب، ولكن من دون أن يكون هناك معلومات تؤكده، إذ أنه في التوجّه الأميركي اليوم يبرز خياران: الأول يقضي بالعقوبات، والثاني عمليات عسكرية، وهي اختارت الخيار الأول.
من جهة أخرى، فإن الطرف الأكثر حماساً للمواجهة ضد إيران هو إسرائيل. فالولايات المتحدة تبحث عن أي وسيلة للضغط على إيران بهدف التأثير على النظام فيها، وهذه السياسة لن تؤدي إلى أية نتيجة، لأن النظام الإيراني متماسك. وقد لاحظنا أن الحصار الإقتصادي لدول عدة لم يؤثّر على النظام السياسي فيها. أما بالنسبة للخيار الثاني، فإذا استطاعت إسرائيل أن تؤمّن الدعم العسكري الأميركي في أي مواجهة عسكرية في سوريا ضد إيران، عندها لن يبقى أي رادع يمنعها عن العدوان. ولكن بتقديري، أن واشنطن حتى الساعة، وعلى الرغم من انحيازها لإسرائيل، لا تزال غير متّفقة معها في الخيار العسكري. وإذا حصل هذا الإتفاق، فإن المواجهة تصبح خطراً جدياً، ولكن إن لم يحصل، فسيبقى الوضع على ما هو عليه الآن، أي مواصلة الضغط عبر العقوبات، وتنفيذ عمليات عسكرية، وإنما من دون انفلات الوضع الأمني.
ولكن إذا صدر قرار أميركي بالمواجهة بالتنسيق مع إسرائيل، فإن الخطورة ستزيد في سوريا، التي هي في الأساس ساحة حرب، وقد يؤدي هذا الأمر إلى حرب واسعة، وهنا، قد يكون الخطر كبيراً على لبنان جراء هذا السيناريو. أما في ما عدا ذلك، فإن لبنان و»حزب الله» لا يريد افتعال مشكلة. كما أن الرد الإيراني على الإنسحاب الأميركي من الإتفاق النووي، هو من خلال تخصيب المزيد من اليورانيوم، وليس من خلال المواجهة العسكرية، وهذا ما يقلق أوروبا، لأنها لا تريد أن تقوم إيران بذلك.
فإسرائيل هي الوحيدة التي تدفع باتجاه الحرب،ولكن لن تذهب إلى إشعالها من دون غطاء أميركي، وهذا الأمر غير متوفّر، ولكن المواجهات المضبوطة من قبل أميركا وروسيا، قد تستمر من دون أن تهدّد الوضع بكامله.
ما هو برأيك تأثير هذه العقوبات على «حزب الله»؟
إن التشدّد ضد إيران والحزب سيزداد في لبنان وخارجه، ولكن الحزب في لبنان ليس في منظومة القطاع المصرفي، وبالتالي، فإن تأثير العقوبات عليه معنوي فقط. كما أن الشخصيات القيادية التي صدرت بحقها الإجراءات، لا تقيم أية علاقات مالية أو تجارية مباشرة مع أميركا أو مع الخليج.
فسياسة العقوبات التي اتّبعتها أميركا مع دول عديدة، قادرة على التأثير، ولكن بنسبة محدودة، وهذا ما حصل في كوبا والعراق وسوريا وإيران في السابق. في الخلاصة، يبقى أن تغيير سلوك الدول لا يتم بالقيود الإقتصادية، وهذا ما تدركه أميركا نفسها قبل غيرها.
كذلك، فإن تزامن الإجراءات العقابية مع العلاقات الإقتصادية المتوتّرة بين أميركا وأوروبا والصين، سيؤثّر سلباً بمصالح الدول الأوروبية التي عقدت صفقات بالمليارات مع إيران، كما هي الحال بالنسبة لفرنسا وألمانيا.
من جهة أخرى، فإن المناخ العالمي ليس مؤاتياً لأي تصعيد، لأنه إذا لم يحصل اتفاق ما بين أميركا والصين، فستكون النتائج كارثية بالنسبة لأميركا، كما للعديد من الدول في العالم، وهذا الأمر غير مرتبط بإيران ووضع الشرق الأوسط. وبنتيجة هذا الواقع، تبيّن أن هناك حدوداً للنفوذ الأميركي من قبل الصين والإتحاد الأوروبي اللذين سيقومان بردّة فعل من خلال الإتفاق مع إيران لتجنّب أي تداعيات سلبية إقتصادية ونتائج كارثية على التجارة الدولية.
إذن الرئيس سعد الحريري سيكون أمام مهمة شاقة في تشكيل الحكومة؟
العقوبات الأميركية لن تؤثّر بأي طريقة على عملية تشكيل الحكومة، سواء سلباً أو إيجاباً. فهذه القضية ستتم انطلاقاً من اعتبارات داخلية ستشكّل أساس السرعة أو التباطؤ في إنجاز الإستحقاق الحكومي. كما أن «حزب الله» وأطرافاً سياسية أخرى ستشارك في الحكومة العتيدة التي ستكون مشابهة للحكومة الحالية، حيث أن غالبية الأطراف ستشارك فيها. أما ما يؤثّر في مهلة التشكيل، فهو موضوع الأحجام والتمثيل والحصص الوزارية وليس السياسات التي يتّبعها كل طرف.
واليوم، أعتقد أننا وصلنا إلى مرحلة الفرز والضم بالتحالفات السياسية ما بعد الإنتخابات النيابية. أي أن العوامل الخارجية ليست مؤثّرة في هذا الواقع، بل العامل الداخلي فقط هو الذي يلعب الدور الأساسي في تسريع ولادة الحكومة.
ما هي بنظرك أجندة العمل الداخلية على مستوى إعادة بناء المؤسّسات، خصوصاً وأن الرئيس ميشال عون، يعتبر أن الحكومة المقبلة ستكون حكومة العهد الأولى؟
إن رئيس الجمهورية يعتبر أن الفرصة ملائمة للتركيز على مكافحة الفساد وزيادة الإنتاجية وإعادة بناء دولة القانون. وهو يريد تحقيق هذا الهدف من خلال الحكومة العتيدة، ولكن ترجمة هذا التوجّه عملياً من خلال سياسة حكومية تؤدي إلى تحقيق النتائج المرجوة، مرهونة بأداء الحكومة المقبلة وبقدرتها على الإنتاجية المطلوبة، أو على الأقلّ، بما يتمناه رئيس الجمهورية. لا نستطيع التكهّن سلفاً بالأداء الحكومي، ولكن الثابت أن العلاقة بين رئيس الجمهورية والرئيس الحريري متينة، كما أن العلاقة بين الرئيسين عون وبري إلى تحسّن أيضاً. ولكن التوازنات الجديدة لا تسمح بأي توقّعات مسبقة، إذ أن النتائج لن تظهر إلا بعد اختبار هذه التوازنات في السلطة التنفيذية.
إن الساحة اليوم هي أمام مشهد جديد مختلف عن السابق، إذ سقطت الإصطفافات السابقة، مع العلم أنه عندما كان في السلطة فريق 8 و14 آذار، كان الوضع واضحاً، ولكن اليوم هناك اصطفافات عدة ومحاور محدّدة مما سيؤثّر على القرارات في كل قضية وملف بشكل منفصل عن الآخر، إذ أن التحالفات قد تحصل إزاء عنوان محدّد، ثم تزول وتظهر تباينات إزاء عنوان آخر. وبالتالي، فإن الموقف من المسائل الكبرى سيتّخذ وفقاً للمحاور السياسية غير الثابتة، مما يطرح نمطاً لم يكن موجوداً في السنوات الماضية، ولا في زمن الوصاية ولا في الحرب. نحن أمام اختبار جديد لعمل السلطة التشريعية والحكومة في إطار المحاور المتعدّدة والمتفرقة والموزّعة على كل القوى السياسية، حيث أنه سيكون لكل موضوع تموضعات خاصة.
كيف سيواجه لبنان تحدّي عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم؟
لم يعد سراً أن المجتمع الدولي يريد بقاء اللاجئين السوريين في الدول التي نزحوا إليها. ولذلك، علينا في لبنان أن نتّخذ موقفاً موحّداً من هذا الموضوع، ونعلن رفضنا لأي توطين، ونطالب بعودة السوريين إلى منطقة آمنة محدّدة في سوريا، وإلا فإن ما من طرف دولي سيدعم هذه العودة.
أما بالنسبة للدعم الدولي الزهيد للسوريين، فيجب أن يتركّز على تشجيع عودتهم إلى سوريا وليس توطينهم. لقد اعتادت المؤسّسات الدولية على التعاطي مع لبنان وكأن الدولة غير موجودة، إذ منذ العام 1975، ما من حدود بيننا وبين سوريا والوضع غير مضبوط. أما اليوم، وعندما يطلق لبنان أي موقف تسجّل ردّات فعل دولية ضده من دون الأخذ بمشروعية هذا الموقف.
كيف تقرأ تطوّرات المشهد السوري في ضوء الخلاف الإيراني ـ الروسي المستجدّ بعدما تحدّث مسؤولون روس عن انسحاب القوات الإيرانية من سوريا؟
دخلت سوريا مرحلة جديدة من حروب ما بعد الربيع العربي، إذ في السابق كان النظام والمعارضة وجهات إقليمية في الميدان، أما اليوم، فإن الساحة مفتوحة لأطراف إقليمية ودولية، إضافة إلى إسرائيل. وبالتالي، تحوّلت سوريا إلى «مشاع» ومجال للخلافات بين كل اللاعبين الإقليميين والدوليين الموجودين على هذه الساحة عبر نصاب كامل يضم كل القوى الخارجية، بالإضافة إلى القوى الداخلية، ويشاركون كلهم في النزاع الدائر. ولبعض هذه القوى روزنامة تتجاوز سوريا مثل روسيا التي دخلت بقوة، ولكن عينها على أوكرانيا، وكذلك عين إيران على المنطقة، وعين تركيا على الحدود الشمالية مع سوريا، وإسرائيل لديها غايات تتجاوز سوريا، وعين أميركا على المنطقة كلها. لذلك، فإن كل هذه الأطراف موجودة في سوريا وتتطلّع إلى أهداف أبعد منها، ما يشير إلى أن الحرب ستطول، وإلى أن التسوية السياسية ستتأخّر نتيجة الأجندات التي تتجاوز الكادر السوري. فالمصالح الروسية الإستراتيجية تتركّز في أوكرانيا، ولذلك، فإن أوكرانيا ستطرح على طاولة التسوية في سوريا.
ما هي الإنعكاسات المباشرة لنقل السفارة الأميركية إلى القدس على الجبهة اللبنانية؟
أعتقد أن «حزب الله» سيبتعد عن أي خطوات يمكن أن تعطي إسرائيل ذريعة لأي تدخل عسكري في لبنان. وبالنسبة إلى غزة، وبعد قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس والإعتراف الأميركي بها كعاصمة لإسرائيل، فإن الوضع هو أسوأ ما يمكن منذ وعد بلفور.
كيف ترى المجلس النيابي الجديد، وما هو برأيك تأثير غياب وجوه بارزة بأوزانها السياسية والتشريعية؟
المجلس هو في طور تشكيل التحالفات السياسية، لأن الإنتخابات التي جرت غاب عنها العامل السياسي، إذ أن التحالفات أتت فقط بهدف الحصول على الصوت التفضيلي، فالقانون أبعد الشأن السياسي عن العملية الإنتخابية، وهذه ثغرة كبيرة في القانون، وفي طريقة تعاطي قسم كبير من السياسيين معه. المرحلة اليوم هي لإنشاء تكتّلات سياسية مرتبطة بالأحجام النيابية من أجل تمثيلها في الحكومة، ولكن بالنسبة للعمل السياسي أو التشريعي في مجلس النواب، فأتوقّع أن يكون هذا العمل «على القطعة»، بمعنى أنه لكل موضوع محوره الخاص وداعموه وخصومه الذين لن يكونوا ذاتهم إزاء موضوع آخر.
من جهة أخرى، فإن الشأن السياسي العام لا يشكّل محور التكتّلات المقبلة، بل الأحجام فقط، ولذلك، فإن مشهد مجلس النواب سيختلف بالكامل عن السابق، ويطغى على المناخ العام في المجلس الجديد، مشهد الإنقسام والتباعد بين العديد من الحلفاء الحاليين، لأن التكتّلات ليست متجانسة. أعتقد أن الأولويات عند الجميع تتركّز في الإقتصاد لأن التحديات كبيرة وجدية، مما يضع المسؤولية على السلطتين التشريعية والتنفيذية، خصوصاً بالنسبة لالتزامات لبنان الخارجية. وهذا هو الإمتحان الحقيقي الذي ستواجهه السلطة رغم أن الأجواء إيجابية، إذ يجب انتظار آلية تنفيذ هذه الإلتزامات بعيداً عن السياسات الشعبوية التي تبحث عن إرضاء الناس على حساب الدولة، مما يؤدي إلى استمرار الفساد والهدر، لذلك، على الجميع الإتفاق على ترك الخلافات السياسية والتطلّع إلى هذا الإمتحان.
هل ستصمد التسوية التي كانت قائمة منذ الإنتخابات الرئاسية؟
هذه التسوية مستمرة، ولو حصل اهتزاز في بعض مرتكزاتها، ولكنها غير كافية لمواجهة التحديات بمسؤولية وجدية على المدى الطويل. فالتسوية لا تحل الأزمات، ولكنها بداية ضرورية، ومن المبكر توقّع الأداء في المرحلة المقبلة، علماً أن التحديات ضاغطة وكبيرة، وتفترض استمرار التوافق الداخلي.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]