الإستبعاد للإستعباد

 

تبدو القوى السياسيّة اليوم في عمليّة سعي دؤوب لتطويع “القوّات اللّبنانيّة” من خلال تهديدها بالإستبعاد وصولاً إلى استعبادها -أكيد سياسيًّا- وذلك من خلال حرب إلغاء شعواء تشنّها الرّموز الإلغائيّة عينها منذ قرابة الثلاثة عقود من الزّمن. لماذا لم يتّعظ هؤلاء بعد من تجارب التّاريخ؟ هل سيتمكّنوا  من الحصول في  زمن السّلم وبالسياسة على ما لم  يحصلوا عليه في زمن الحرب بالقوّة؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ لاستعادة رمزيّة غازي كنعان إلى قبّة البرلمان اللّبناني الذي تحرّر، ولو جزئيًّا من الهيمنة السّوريّة، دلالات مفادها الأوّل إعادة السّوريّ إلى لبنان، ولكن هذه المرّة سياسيًّا.

نعم، هي حرب استعادة النّفوذ السّوري وإلغاء كلّ من سعى إلى تحرير  لبنان منه. ومن البديهيّ أن تكون “القوّات اللّبنانيّة” على رأس لائحة المطلوبين في هذا المجال. وذلك جليّ وواضح للعيان، لأنّها وحدها تخيفهم اليوم كما دائمًا، إن من حيث التّنظيم ونضج الخطاب السياسيّ، وطريقة تعاطيها السياسة اللّبنانيّة بعيدًا من الطّرق التقليديّة – الإقطاعيّة التي حكمت لبنان في الماضي القريب والبعيد.

كذلك هي حرب إلغاء، تبدأ بالإستبعاد وصولا إلى الإستعباد. فات هؤلاء كلّهم أنّ ما رفضته “القوّات اللّبنانيّة” تحت سياط جلّادي النّظام السّوري – اللّبناني الأمني في تسعينيّات القرن الماضي، سهل جدًّا عليها اليوم أن تكون في الموقع عينه. فلا مساومة ولا مساكنة ولا مهادنة حول المبادئ والدّولة. مواقفنا وطنيًّا واضحة، بالنّسبة إلى تركيبة الدّولة ورؤيتنا لقيامها أوضح من الشّمس. وفي ملفّ الفساد لا تسأل “القوّات” أو تساءل من قبل الفاسدين وعاقدي صفقات الطّاقة والبترول والكهرباء ومقتسمي الجبنة على هوامش الإفطارات الرّئاسيّة.

نعم، فات هؤلاء كلّهم أنّ “القوّات اللّبنانيّة” اليوم لم تعد من كفرشيما إلى المدفون، أو حزبًا مسيحيًّا عقائديًّا فقط، بل صارت على مساحة الـ10452 كلم2 متجاوزة بذلك المحظورات الطّائفيّة والدّينيّة، بشهادة المختلفين والمتخاصمين معها. فكما لم ينجحوا في محاولة عزلها من الجغرافيا لعزلها من التّاريخ تمهيدًا لخلوّ ساحات الوطن لهم، ولإفساد ما تبقّى منها، ولم ينجحوا اليوم أيضًا في عزلها جغرافيًّا في الإنتخابات النّيابيّة، بغضّ النّظر عن التّحالفات الهجينة التي ركّبوها، لن ينجحوا في عزلها لا تاريخيًّا ولا حتّى سياسيًّا.

“الجمهوريّة القويّة” آتية  لا محالة، شاء  من شاء وأبى من أبى. ونحن نعلم تمامًا كيف ندافع عن أنفسنا اليوم  سياسيًّا، كما دافعنا في الماضي عسكريًّا ومقاوماتيًّا. ولن يستطيع أحد مهما علا شأنه، أو منصبه الوزاري، ومهما حاول نسج أحلاف محليّة أو إقليميّة، أن  يقضي على “القوّات”. سنكون في الحكومة ولن تكون حكومة من دون “القوّات”، مهما حاولوا لن ندخل في تسوياتهم أو صفقاتهم المشبوهة، فالشّعب الذي أمّن لنا وأعطانا وكالته، كما دافعنا عنه وقت الحرب كذلك سندافع عنه وقت السّلم.

لا تخيفنا الإنقلابات التي مورست بحقّ الإتّفاقات التي عقدتها “القوّات” مع أيّ طرف كان، لأنّ الإتّفاق بالنّسبة إلينا يعني كرامة، ونحن لا ننقلب يومًا على كرامتنا وندوسها بأرجلنا ولو عارية. هم داسوا على كراماتهم لقاء ثلاثين من فضّة. مباركة عليهم، فالتّينة على قارعة طريق قصر بعبدا تنتظرهم. ولا بدّ لهذا اليوم أن  يأتي. فالحملات الباسيليّة التي فشلت مع القواعد الشّعبيّة لن تنجح اليوم مع القواعد السياسيّة. وإن لم يتّعظ هؤلاء كلّهم من تجارب التّاريخ فسيكون التّاريخ منهم براء. مواقفنا لن تتبدّل، نعلم جيّدًا متى نترشّح ومتى نصوّت بورقة بيضاء، ولا نعقد صفقات بعد استخدامنا أشنع النّعوت بحقّ رموز سياسيّة في البلاد لنعود وننتخب هذه الرّموز عينها بعد أفول الإنتخابات النيابيّة التي فرضت استنهاض همم النّاخبين.

لا يا سادة، زمن الإلغاء  ولّى إلى غير رجعة. على الآخرين أن يعترفوا بحجم “القوّات” التّمثيلي وبوكالة النّاس لها. ومن يسعى لعزلها ستنتفض هذه النّاس عليه وليس “القوّات” عينها. ولنا في تاريخ الإنتفاضات صولات وجولات مكلّلة بنجاح الفكر المؤسّساتي، والوصول إلى برّ الأمان. ومن له أذنان للسّماع فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل