“المسيرة” – البطريرك صفير يروي: قصة معركة رئاسة بكركي -1-

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” العدد – 1663:

البطريرك صفير يروي:

قصة معركة رئاسة بكركي (1)

ماذا حصل في بكركي والفاتيكان بين حدث «استقالة» البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش وتعيين المطران ابراهيم الحلو مدبّرًا رسوليًا، وبين حدث انتخاب المطران نصرالله صفير بطريركاً؟ ما هو الدور الذي لعبه صفير في هذه المرحلة، ولماذا اعترض المطارنة الموارنة على قرار الفاتيكان، وما هي المهمة التي قام بها صفير في هذا المجال؟

كان المطران صفير يواجه قرار انتقاله من بكركي الى مقر آخر، وإذا به يصير بطريركاً. لقد كان يسجل في يومياته تلك الأحداث، وهذه روايته عن أسرار معركة رئاسة بكركي.

 

يوم الخميس 14 تشرين الثاني 1985 سافر غبطة البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش الى روما للمشاركة في احتفال إعلان الأخت رفقا الريِّس طوباوية الذي سيترأسه البابا يوحنا بولس الثاني. عند الساعة الواحدة والنصف غادر غبطته الصرح البطريركي  في بكركي على متن طوافة يرافقه المطران ابراهيم الحلو راعي أبرشية صيدا والمونسنيور ألبير خريش والأباتي بولس نعمان والأب يوسف محفوظ، وقد أعلن البطريرك خريش قبيل سفره أنه سيشارك أيضا في اجتماع مع الكرادلة للنظر في تنظيم الكوريا الروحانية، وفي مجمع الأساقفة الذي سينعقد بين 24 تشرين الثاني و8 كانون الأول. وقد أبدى أسفه لمحاولة اغتيال أركان الجبهة اللبنانية في دير عوكر التي حصلت في 12 تشرين الثاني في المرحلة التي كان يتم فيها وضع الصيغة النهائية للاتفاق الثلاثي مع التحضير لتوقيعه في دمشق، وكان رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» إيلي حبيقة يسعى الى إسكات الأصوات المعارضة له في هذا الخيار الذي اعتمده.

لم يكن البطريرك خريش نفسه، أو أحد غيره، يتوقع أن تكون هذه الزيارة الى الكرسي الرسولي محطة مفصلية في تاريخ البطريركية المارونية. فقد ذهب بطريركاً وعاد بطريركاً مستقيلاً مع قرار صادر عن قداسة البابا في 27 تشرين الثاني بتعيين المطران ابراهيم الحلو مدبّرًا رسوليًا للكنيسة المارونية يحل محل البطريرك.

لم يُعرف ذلك الوقت ما إذا كان خريش قدم استقالته طوعًا أو أن الفاتيكان طلب منه ذلك، ولا ما إذا كان قبل هذا الطلب أو أذعن له. ولم يُعرف أيضًا أي ردود فعل سيتركه هذا القرار داخل الكنيسة المارونية وبين المطارنة الذين لم تتم استشارتهم فيه. وفي الوقت نفسه لم يُعرف أيضًا ما إذا كان المطران الحلو عالمًا مسبقاً بما سيحصل، وبما إذا كانت مرافقته للبطريرك بناء على طلب الأخير أم بناء على طلب من الفاتيكان. وبالتالي هل كانت هناك مراسلات بين الحلو والكرسي الرسولي لإحداث التغيير «المطلوب» في بكركي بعد الانتقادات الكثيرة التي كانت توجه للبطريرك وتعتبره عاجزًا أو غير قادر على اتخاذ القرارات المناسبة تماشيًا مع الأحداث الخطيرة التي عاشها لبنان وهددت الوجود المسيحي فيه منذ بداية الحرب في العام 1975، وهو التاريخ نفسه الذي تولى فيه خريش سدة البطريركية بعد انتخابه بطريركاً خلفاً للبطريرك مار بولس بطرس المعوشي في 2 شباط من ذلك العام، وقد تم تنصيبه في التاسع منه يوم عيد مؤسس الطائفة المارونية القديس مارون.

تفاجأ اللبنانيون بهذا القرار الفاتيكاني، وكانت المفاجأة الأكبر داخل الطائفة المارونية، وخصوصًا داخل بكركي، حيث كان يقيم البطريرك نصرالله صفير بصفته وكيلاً بطريركيًا منذ أيام البطريرك المعوشي، واستمر مع البطريرك خريش. والسؤال الرئيسي الذي طرحه الأساقفة يتعلق بما إذا كان هذا القرار مقدمة لانتخاب المدبّر الجديد الحلو بطريركاً أم تكليفاً له للإعداد سريعًا لانتخاب بطريرك جديد، ولم تكن هناك أي معلومات حول المدة. ولذلك كان لا بد من انتظار عودة البطريرك والمدبر من روما لمعرفة حقيقة ما حصل.

يوم الجمعة 29 تشرين الثاني 1985 عاد المطران ـ المدبر الحلو الى لبنان. عند الساعة الخامسة مساء وصل الى ساحة الصرح البطريركي في بكركي في سيارة رئيس مجلس النواب حسين الحسيني وقد وضعها في تصرفه ونقلته من مطار بيروت بمواكبة قوة من قوى الأمن الداخلي والأمن العام، وبرفقة قائد الدرك العميد أنطوان نصر، وكان في انتظاره عند وصوله الوزير جوزف الهاشم موفدًا من رئيس الجمهورية أمين الجميل والمطارنة فرح وخوري وخليفة وأبو جودة، بينما اعتذر كل من المطارنة زيادة وجبير وحرب. وكذلك كان في انتظاره عدد من رجال الدين والرهبان والراهبات والشعب.

عند المدخل الخارجي لبناء الصرح ارتدى سيادته الأثواب الحبرية ثم دخل الكنيسة لتأدية الصلاة وألقى كلمة تحدث فيها عن تطويب الأخت رفقا وأعلن أنه بناء على طلب البطريرك خريش صدرت البراءة البابوية بتعيينه مدبرًا رسوليًا مع كامل الصلاحيات والحقوق، مضيفا أن البطريرك لا يزال يشغل الكرسي ويحتفظ بما يعود إليه من شؤون روحية. بعد ذلك انتقل الى الصالون الكبير لتقبل التهاني التي استمرت حتى الساعة السادسة والربع. وكان هذا الاستقبال إيذاناً ببدء المدبر الجديد ممارسة دوره، ولذلك تصرف على أساس أنه الرأس المنفذ في أعلى منصب كنسي ماروني، بينما كان البطريرك لا يزال يتابع برنامج زيارته في روما والفاتيكان من دون أن يصدر عنه أي تعليق حول القرار الرسولي، وهذا ما زاد التساؤلات حول حقيقة وخلفيات ما حصل. وقد بدأ الحلو ترجمة مسؤوليته الجديدة أفعالاً وممارسة.

يوم الخميس في 12 كانون الأول 1985، زار الحلو يرافقه المونسنيور إميل شاهين الرئيس سليمان فرنجية في زغرتا. كان في انتظاره عند جسر المدفون إبنه روبير وعدد من ممثلي عائلات زغرتا، حيث رحّبوا به وانتقل من سيارته الى سيارة الرئيس فرنجية ووصل الى قصره عند الساعة الرابعة بعد الظهر حيث كان فرنجية ينتظره مع جمع غفير، وقد ألقى الحلو كلمة تطرق فيها الى موضوع تعيينه مدبرًا وأنه سيكون في خدمة الكنيسة المارونية في هذا الموقع لمدة معينة، وحيّا الرئيس فرنجية الذي رد على التحية بالمثل آملاً أن يكون خلاص البلاد على يده. وقد لاحظ المطران نصرالله صفير تعليقاً على هذه الزيارة أنه كان من المنتظر أن يدعو الحلو الى توحيد صفوف المسيحيين من قصر فرنجية ولكنه لم يفعل.

يوم الجمعة 13 كانون الأول 1985، هبطت في مطار بيروت طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط تقل البطريرك خريش بعدما أنهى برنامج زيارته المقرر سابقا الى روما. في صالون المطار كان في استقباله المدبر البطريركي والمطارنة صفير وضومط واسكندر والأباتي مارسيل أبي خليل والمونسنيور ألبير خريش، وهناك أدلى البطريرك بأول تعليق له على القرار الفاتيكاني، حيث قال: «على الناس ألا يتعبوا أنفسهم في البحث عن تفسير لتعيين المدبر الرسولي لأن المسألة في منتهى البساطة». وأضاف: «أما نحن في البطريركية فلم يفاتحنا أحد بشيء على الإطلاق مما حدث».

في الطريق من المطار الى بكركي كان لافتاً أن البطريرك خريش استقل سيارة الرئيس حسين الحسيني بينما استقل المدبّر الحلو سيارة البطريركية وسار الموكب وسط حراسة مشددة. وعند الوصول الى بكركي، دخل البطريرك الى الكنيسة لتأدية الصلاة، وألقى كلمة شكر فيها الله على سلامة العودة وقداسة البابا لأنه لم يقبل استقالته من منصبه بل أبقى له الصلاحيات الطقسية وحوّل الصلاحيات الباقية الإدارية وسواها الى المدبّر الرسولي ابراهيم الحلو.

مساء يوم السبت 14 كانون الأول 1985 كان المطران صفير الى جانب المدبّر الحلو يتابعان نشرة الأخبار عبر محطة تلفزيون «المؤسسة اللبنانية للإرسال» التابعة لـ»القوات اللبنانية». أخبر الحلو صفير أنه زار رئيس الجمهورية أمين الجميل الذي حمّله رسالتين الى كل من الدكتور إيلي كرامه رئيس حزب الكتائب وإيلي حبيقة رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية»، وأنه سيعمل على مصالحتهما ومصالحة المسيحيين وجميع اللبنانيين. وقد كان يتحدث بلهجة الواثق المطمئن الى نجاحه في هذه المهمة، كما يعلّق صفير في تدويناته عن تلك الواقعة.

ولكن تفاجأ صفير والحلو أن المذيع أذاع خبر اللقاء بين الجميل والحلو ولكنه لم يذكر أي شيء عن تصريح الحلو الذي استغرب أمام صفير هذا التجاهل معلّقاً: «يبدو أن «القوات» غير راضية»، وطلب الانتقال الى سماع نشرة أخبار القنال 7 من تلفزيون لبنان أيضًا التي أوردت التصريح كاملاً ثم ظهر المدبّر الحلو على الشاشة وهو يمهد لتلاوة الرسالتين بكلمات يدعو فيها الى الاتفاق. بعد ذلك سأل الحلو صفير رأيه بما قاله، فرد صفير: «كل مسعى الى الوفاق مشكور». وتوقف عن الكلام ليعلّق في تدويناته ما كان يجول في خاطره «ولكن لم أقل له هل أصبح المدبّر ساعي بريد لدى رئيس الجمهورية لينقل عنه رسائل؟».

ما كان يختلج في قلب المطران صفير وتفكيره وما لم يعبّر عنه صراحة أمام المدبّر كان يتم العمل على بلورته علناً. في اليوم التالي عند الساعة التاسعة صباحًا عُقد اجتماع في مطرانية بيروت حضره المطارنة الموارنة ووقعوا كتابًا موجهًا الى البابا يطلبون فيه انتخاب بطريرك جديد خلفاً للبطريرك خريش. وقد كان تم الاتفاق على صيغة هذا الكتاب خلال اجتماع عُقد في المكان عينه في اليوم السابق عند الساعة الثالثة بعد الظهر.

كان هذا الكتاب يحمل أكثر من هذه الدعوة. كان بمثابة تعبير عن امتعاض المطارنة من تجاوز رأيهم في اختيار البطريرك ومن المساس باستقلال قرار كنيستهم. ولكنه كان ربما بسبب عدم القدرة على التفاهم مع المدبّر الحلو أو بسبب الغيرة منه، بحيث أن بعضهم كان يأمل بأن يُنتخب بطريركاً. وعلى رغم ما أحاط تلك المرحلة من غموض، لم يُعرف وقتها ما إذا كان لهذا الاجتماع وللكتاب الذي صدر عنه علاقة بعودة البطريرك خريش من الخارج، خصوصًا أن هذه العودة كانت قبل يومين من ذاك الاجتماع. ولم يُعرف وقتها أيضًا ما إذا كان المطران صفير هو الذي يقف وراء بلورة هذا التحرك انطلاقاً من خدمته في المقر البطريركي منذ العام 1950، وكونه معاوناً بطريركيًا للبطريرك خريش بعدما كان كذلك الى جانب المعوشي، وهذا ما أهّله التعرّف عن كثب على سائر المطارنة.

ما يثير هذا التساؤل هو أن صفير سيحمل هذا الاعتراض الى الفاتيكان لينقله شخصيًا الى البابا يوحنا بولس الثاني بعد شهرين تقريبًا. فمن خلال تدويناته في يومياته، تكثر انتقادات صفير للحلو حيث يقول في إحداها مثلاً: «يبدو أن ثقة المدبّر كبيرة بنفسه. وكان ذلك قد ظهر في تموز الفائت في حديث سابق له إثر زيارة الكاردينال أتشيغاراي الى جزين، وهي الزيارة التي رافقه فيها المدبّر، ولم يكن آنذاك مدبّرًا بعد. وقد ذكر أن أتشيغاراي قال فيه: «إنه لا فخر قريته وحسب ولا أبرشيته ولا الكنيسة المارونية، بل الكنيسة جمعاء». وقال أيضًا: «عندما دعت الحاجة الى انتخاب مطران روم كاثوليك في صيدا قال أحد أعيان طائفة الروم: ليكن كالمطران ابراهيم الحلو وإلا فلا». ويتابع صفير: «وذكر عن الشيخ بشير الجميل أنه دعاه مثلما دعاه سواه الى مغادرة كرسيه في صيدا في أثناء الاحتلال الإسرائيلي وبعده لما يتهدده من أخطار، ولكنه أبى، مما حمل الشيخ بشير على القول: «لقد ألقانا في الجورة، أي أنه تجاوزنا في مجالات الشجاعة والمخاطرة بالنفس».

ويعلّق صفير قائلاً: «سمعنا وقلنا، من واضع نفسه ارتفع». وفي هذا التعليق تكمن نظرة صفير الإنتقادية السلبية تجاه الحلو لأنها تخفي تهمة بالتكبّر وعدم رؤية الواقع على حقيقته، وربما يخفي أيضًا حقيقة أن صفير كان يحرّك المطارنة للإنتهاء سريعًا من مرحلة «تصريف الأعمال» في البطريركية والعودة الى الوضع الطبيعي من خلال انتخاب بطريرك جديد. فهل كان صفير يعتبر أنه سيكون ذلك البطريرك؟ وهل شعر المدبّر بالدور الذي كان يقوم به أو هل كان يتهمه بأنه هو الذي يقف وراء حركة المطارنة؟ وهل خطط لإبعاده عن بكركي؟

مساء اليوم التالي للكتاب الذي أعدّه المطارنة، إستمع صفير الى نشرة الأخبار مع المطران أبو جودة قبل أن يجتمعا في مكتبه مع المدبّر الحلو. عن هذا الاجتماع يقول صفير: «كان يحمل إضبارة زرقاء. فتحها وأخرج منها ورقة وقال: هناك تعليمات من المجمع الشرقي عليّ أن أنقلها إليكما. وتلا ما في الورقة، ومضمونه: أن ولاية النواب البطريركيين تسقط بسقوط ولاية البطريرك، وبإمكان النائبين البطريركيين أن يحتفظا بمنصبهما في بكركي أو أن يذهبا للإقامة في الأبرشية البطريركية، لأن التعليمات تقضي بانتخاب مطرانين أو ثلاثة للأبرشية البطريركية. فإذا اخترنا الإقامة في بكركي انتخب مطارنة للأبرشية، وإذا أقمنا في الأبرشية (جبيل، كفرحي، الديمان، دير الأحمر) انتخب مطرانان لبكركي، غير أن المطران الذي سيقيم في بكركي يجب أن يكرّس نشاطه لبكركي، وليس له أن يتعاطى شؤون الأبرشية البطريركية، كأن يهتم من وقت الى آخر بأمر رعائي كالأخويات والشباب. وأضاف قائلاً: «ما يمنع أن يعقد كل أحد مثلاً اجتماعًا في حريصا لفئة معينة من فئات المؤمنين بعد أن استفسر عن وضع مزار سيدة لبنان من حيث الولاية عليه، هل هي للبطريرك أم لمطران أبرشية جونية. فأجبنا أن الأمر عالق في روما».

ويكتشف صفير في هذا الاجتماع سر القرار البابوي كما رواه له فيه المدبّر المطران الحلو، حيث يظهر أنه كان تبلغه قبل سفره مع البطريرك خريش الى روما، حيث ينقل صفير عنه قوله: «أخبرنا كيف أنه دعي الى روما وبلّغه أمين سر المجمع الشرقي ماروشين وأمين السر المعاون ريتزي، والمسؤول عن القضايا المارونية فانتوري، ومستشار المجتمع القانوني بروجي، تعيينه مدبّرًا، وأنه حاول الرفض فلم يقبلوا، وطلب أن يعيّن مع مطران آخر فقالوا له إن هذا غير قانوني، وأخذ أحدهم كتاب القوانين وتلا فقرة منه تقول باستحالة إقامة لجنة وتوجب الاكتفاء بمدبّر واحد. وأكد أنه استأذن بإعلان البطريرك خريش بالتدبير، فلم يؤذن له بذلك وألزم بحفظ السر حفظاً تامًا. وقابل البابا وحاول الاستعفاء فلم يعفه، وقال له لقد استشرت ودرست وفحصت وصليت وأخذ القرار، فهل يرفض قرار البابا؟

وطلب من البابا تأجيل إعلان القرار الى ما بعد 17 تشرين الثاني موعد تطويب الراهبة رفقا، فقبل ووعد بإعطاء تعليمات للمجمع الشرقي بذلك، لكن تبيّن أن التعليمات لم تعطَ في وقتها. وعاد المدبّر من روما وسأل السفير البابوي أنجيلوني عما إذا كان قد تلقى تعليمات، فأجيب أن التعليمات وردت ويجب إعلانها. وجاء مع السفير الى بكركي حيث اختليا بالبطريرك خريش حوالى ثلاث ساعات، ولما تبلغ البطريرك خريش حاول الامتناع عن الذهاب الى روما للمشاركة في حفلة التطويب، لكنه عاد فقبل بالذهاب. وأرجئ إعلان التدبير حتى 25/11/1985.

وتشعب الحديث وسأل المطران أبو جودة: ألا يمكننا أن ننقل الى أبرشية نستلمها؟ أجاب المدبّر: بلى إذا كان هناك أبرشية شاغرة. وكانت طريقة التبليغ جافة صارمة، إنما في جو هادئ والعاطفة الوحيدة التي بدت في الحديث كانت أننا قمنا بالوجب في الأبرشية البطريركية بطريقة نُشكر عليها.

وبعد أن ترك المدبّر حوالى العاشرة إلا ربعًا تابعنا الحديث مع أبو جودة، واستعرضنا ما تكبدناه من مشقة في إدارة الأبرشية البطريركية، هو طوال عشر سنوات، وأنا طوال خمس وعشرين سنة، بالإضافة الى خمس سنوات قضيتها كاهناً وأمين سر البطريركية».

كان واضحًا أن هذه المسألة كان لها تأثير سلبي عميق في نفس المطران صفير، وقد بدا هذا الحزن من خلال ما كتبه.

الأربعاء 25 كانون الأول 1985، في مناسبة عيد الميلاد، حضر رئيس الجمهورية الشيخ أمين الجميل القداس الساعة الثامنة صباحًا في بكركي، وقد احتفل به المدبّر الرسولي، وألقى كلمة تمنى للرئيس النجاح في إعادة السلام الى لبنان. وحضر البطريرك خريش على العرش. وكان المدبّر قد وجه رسالة الميلاد الى اللبنانيين والموارنة في لبنان والبلدان العربية والمهاجر.

كل ذلك كان يحصل بينما كانت المناطق الشرقية على موعد مع تحوّل كبير من خلال إصرار رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات» إيلي حبيقة على توقيع الاتفاق الثلاثي في دمشق. ولم يكن هناك موقف حازم في بكركي ولدى المدبّر، بل تم الاكتفاء باستضافة اللقاءات المسيحية الموسعة التي بحثت في هذا الموضوع، بينما سيظهر لاحقاً أن صفير لم يكن يخفي معارضته لهذا الاتفاق، معبّرًا بوضوح في كتاباته عن هذا الرفض. وقد كتب حول هذا الموضوع: «يوم الجمعة 27 كانون الأول، عُقد اجتماع في السادسة مساء في بكركي اشترك فيه بعض المطارنة الموارنة، وعدد من النواب الموارنة والوزراء السابقين والفاعليات للبحث في الاتفاق الثلاثي الذي سيوقع قريبًا في دمشق، والذي ينهي الحرب، ويغيّر النظام السياسي اللبناني في بعض جوانبه، ولا سيما إلغاء الطائفية السياسية، والمناصفة بين النواب المسيحيين والمسلمين، وإعادة تأهيل الجيش على يد السوريين».

كانت لديه نظرة ثاقبة حول أخطار هذا الاتفاق، وقد اكتفى بتدوين خبر التوقيع عليه في 28 كانون الأول 1985 من دون تعليق: «وقع الاتفاق الثلاثي في دمشق بحضور عدد من رجال السياسة اللبنانيين الذين دعوا الى حفل التوقيع. الموقعون: إيلي حبيقة ونبيه بري ووليد جنبلاط وعبد الحليم خدام بصفة شاهد».

يوم الأربعاء في 15 كانون الثاني 1986، تم إسقاط الاتفاق الثلاثي. «منذ الخامسة صباحًا بدأ تبادل إطلاق الرصاص بين قوات إيلي حبيقة وسمير جعجع في المناطق الشرقية، وكانت الطلقات من جميع الأسلحة تسمع بوضوح في بكركي، وتبيّن أن هناك محاولة لاحتلال ثكنات الأول من قبل قوات الثاني، وشوهدت أعمدة الدخان في منطقة أدونيس ونهر الكلب والأشرفية وما سواها». هكذا وصف المطران صفير الوضع وكان دائمًا من موقعه في بكركي قادرًا على رصد الأحداث ومتابعتها واستطلاع الآتي من الأيام والتطورات. وهو على أي حال لم يقبل قرار نقله من بكركي. بدل أن ينكفئ بادر الى الهجوم.

ـ يتبع في العدد المقبل: صفير في الفاتيكان ـ

* المصدر: «السادس والسبعون» لأنطوان سعد

«حارس الذاكرة» لجورج عرب

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل