“المسيرة”- أنا خليل صالح الرجال فيكن يقرّب عليي…

 

 

 

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد 1663:

ترجّل الفارس عن صهوة حصانه، سلّم سيفه شارته العسكرية تاجه تاريخه نضاله وكل حاضره الذي وضعت له النقطة على السطر باكرا، باكرا جدا. قال للدنيا أستسلم ولا أقع. قال للحياة ثمة إله فوق أنا ألحق به. قال لبناته إنتو عمري. قال للرفاق هنا بحبكن قد الدني. قال لـ«قوات» قلبه بتبقي «قوات» محفورة بدمي علامة ولتخلص الدني ببقى «قوات»، بخاطركن… ورحل المناضل خليل رومانوس صالح.

لا أعرف الرجل، ثمة صباح وأنا اتجوّل على صفحات الفايسبوك، قرأت على صفحة الشيف فرنسوا معراوي «فقد كتف قاديشا اليوم فارساً من فرسانه، خليل صالح رفيق الدرب الطويل». على صفحة أخرى لرفيق آخر، حميد ياغي، صور مدروزة لمناضل اسمه خليل، وكلام حزين حزين حتى الضلوع «مش على أساس اتفقنا يا منبقى سوا أو منرحل سوا؟… أول مرة من ٣٩ سنة بمرق بمحنة وما بسمع صوتك ولا بشوفك، عن جد يا صديقي شو حسيت بالفراغ، خليل بحبك يا صديق العمر». صفحة أخرى لتلك الرقيقة القلم والمشاعر رولاند غانم: «هلّأ فَلّ خليل ع مطرح عاصي علينا كلّنا، مطرح بين الحلم والكذبة البيضا، بين المستقبل والمجهول؛ وبفلّتو المفاجئة والسريعة متل كلّ حَوصاتو وأعمالو وحَرَكاتو، علّمني الفرق بين الغِنى والفقر، بين المهمّ والأهمّ. بخاطرَك خليل، شو مهمّة كانت جهودك، بس الأهمّ صار هلّأ غياب. بـ دنية الحقّ عِنّا بيت، كِتروا لـ منحبُّن فيه»…

من هو خليل صالح؟ لماذا هو محبوب الى هذه الدرجة؟ ماذا فعل بزمانه؟ لماذا هذا الحزن الكبير الحب الكبير الذي حاصر رحيله؟ لماذا نتماهى مع تلك الصفحات في الحزن على رجل لم نعرفه يوما؟!

شيف مع مين بدي أحكي؟! وأرشدني المعراوي الى صديق عمره، حميد ياغي «بيعطيكي كل خبارو».

على صفحة ياغي صورة لخليل في البدلة الزيتية من زمن النضال العسكري، كُتب على الصورة «خليل صالح كيف ممكن تستسلم وإنت يللي قهرت العِدا بالحرب والحبس وبعدا صرختك بتهزّ حيطان الحبس، أنا خليل رومانوس صالح والرجال فيكن يقرّب عليي؟».

لم يتوقع ياغي الاتصال، وما ان سألته عن خليل حتى سالت الكلمات كمن يريد أن يحكي ويحكي وألا يصمت الحكي، كمن يريد أن يبقى صديق عمره في واجهة الحياة، في واجهة الحدث «حتى ما يموت عن جد» قال: «مين خليل؟ مقاتل بـ»القوات اللبنانية»، ابن المقاومة من زمن السبعينات، ابن المهمات الصعبة السرية، تعرّفت عليه بثكنة القطارة وكنا سوا مع الحكيم ولليوم ما افترقنا، يخرب بيتو الموت، يخرب بيتو المرض شو بيعمل بالدني والرفقة، الله يرحمك يا حبيب قلبي يا خليل».

خليل رومانوس صالح ابن السابعة والخمسين عاما، أب لخمس بنات ابن تلك الضيعة الجميلة من ذاك الشمال المدروز وعرا وحلا، الديمان، هو ابن المقاومة، رفيق الحكيم وأنطوان زهرا من زمن بنادق الشرف ومتاريسها، في الصورة أنطوان زهرا يحمل نعش رفيقه القديم، «بكل عرس لخليل كان إلو قرص بالحرب، عند كل الجبهات كان، عيون السيمان، جبهات الشمال كنا مع أنطوان زهرا وكنا سوا مثل الجندي المجهول، نعمل خلف المتاريس لأجل المتاريس، غبت عنو قسرا لخمس سنين بزمن الحرب لأسباب ضرورية ورجعنا تلاقينا سنة 1990 وما عدنا افترقنا من هيداك الوقت» يقول حميد.

لم يكن زمن خليل مريحا كما كل الرفاق، عانى الكثير، توقيفات ملاحقات هروب في ليالي البرد بالأحراج والغابات، تشرّد، واعتقالات بالجملة والكل يخبر حكايته حين اعتقله زلم الاحتلال مرّة وكان في زنزانته، فسمع صراخ رفيق له يتعرض للتعذيب من زنزانة أخرى، فبدأ يصرخ في وجه سجانه «اتركوه اتركوه» ولما هددوه بمصير مماثل صرخ في وجههم «بتفوتوا على جثتي هون، يا بتقوصوني يا بقوصكن، أنا خليل رومانوس صالح والرجال فيكن يقرّب عليي»، ولم يجرؤ أحد أن يفعلها فأطلقوه.

كان إيمانه مطلقاً أن «القوات اللبنانية» هي وحدها القادرة على إنقاذ البلد، وكان يعرف أنها ستدفع الثمن من اللحم الحي «عنا شهدا كتير هودي ثروتنا وقضيتنا، وعنا رجال رجال وعنا الحكيم» كان يردد دائما. في الثانية والعشرين من عمره خطفت صبية قلبه الى حب عميق فتزوجها وأنجبا خمس صبايا وأصبح لاحقا جدّو لسبعة أحفاد «يوم لـ تجوّز أخدتو بسيارتي ع الكنيسة وبس أنا تجوزت هو كان معي، ولادو ولادي وولادي ولادو هيدي حكاية رفقة العمر بيني وبينو» يقول حميد. رفاقه يقولون إنه كان من المتوقع ان يموت شهيدا في الحرب وليس على فراش المرض «كلنا كنا مشاريع شهدا، بس إنو يموت بسبب المرض لا أنا ولا هوي توقعنا».

ساحات المعارك تعرف دعساته، ومخططات المعارك تعرف بصماته، يوم أخذوا الحكيم الى المعتقل علم ان لبنان كله صار في الاعتقال، ومع ذلك كان متأكدا ان الاحتلال سيرحل والحكيم سيعود الى الحرية. كان يحب الحياة والمرح ويحب أكثر من أكثر الأرض، وهناك فوق في تلك الأرض الخصبة، أرض قلبه الديمان، زرع بساتينه ثمارا ومواسم، يزرع ويحصد ويطعم، ويغزل بيديه من بركة الأرض مؤونة الأيام، ترك كل إغواء المدينة وزيفها وصعد الى فوق الى حيث عبق التراب عند أول مطرة، وعبق المواسم في أيلول الحصاد، الضيعة حياة قلبه، تعب في كل شيء وعلى كل شيء وعلى كل الأحبّة الذين يحاصرونه، ونسي الأهم، نسي حاله، تناساها لأجل الآخرين والأرض، «كان كريم بكل شي وع كل الناس بس ما اهتم بصحتو، ينسى حالو من دون أكل، كل الوقت لعمله ولعائلته ولحب قلبه القوات».

ما كان على المرض ان يأخذه، كنا قبلنا الأمر أكثر لو مات شهيدا في ساحات العز، لا ان يهزمه هذا الملعون، كتب أحد رفاقه، ما تقبّل الرفاق ولا الأهل الموضوع، هذا دائما شأن الأبطال، نحن من نصنع لهم إطارهم ونرسم طريقة موتهم وحياتهم، نأسرهم في الصورة التي نريدها لهم في مخيلتنا، ومخيلتنا تحب دائما الأسطورة، نريدهم دائما منحدرين منها، أبطال لا يُقهرون، لا تمر عليهم شدائد، أقوى من الزمن نفسه، أقوى من الموت بكل جبروته، وننسى أنهم بشر أولا وآخرا ودروبهم تتقاطع مع دروب الناس والحياة والموت في كل الأوقات، «بدي شوف حالنا منتصرين بالانتخابات ان الله راد» ورأى خليل الانتصار الذي أراده، من جبال الألم والمعاناة علم في لحظات الاستفاقة اننا انتصرنا، ان صار لـ»القوات» 15 نائبا، سيساهمون حتما في محاربة الفساد، إضافة الى رفاقهم في الحكومة، وان رفاقه هناك في المدى الرحب الذين استشهدوا لأجل وطن حقيقي، بدأوا يجنون ثمار الشهادة، وليس أطيب من ثمرة الوطن على قلب شهيد. «86 يوم صمد خليل بمرضو، آخر أسبوعين وقّفت روح لعندو ما عدت اتحمل الوضع أنا لـ من 28 سنة ما افترقت عنو يوم، قررت إنو بدي تضل صورتو الحلوة ببالي، صورة القوي، ما عدت تحملت الوضع كان صعب كتير عليي راقبو عم ينطفي قدّام عيوني ومش قادر أعمل أي شي» يقول ياغي.

رحل خليل رومانوس نصار، لم يغلبه الاحتلال لكن غلبه القدر، يوم رحيله غصت الكنيسة بالرفاق والأصدقاء، بكى إيلي كيروز وأنطوان زهرا وجوزف اسحق، تهافتوا لحمل نعش من حمل القضية و»القوات» تاج عمره، وأين أصبح بيته الأبدي؟ هناك في قلب بستانه حيث يرافق مواسم الأرض بكل فصولها، هناك يزرع له الربيع زهرة، والصيف سنبلة قمح، والخريف عبق التجدد والشتاء عواصف الخير، ارتاح المقاتل من صراعه مع المرض، استكان الى ألمه أخيرا، التقى بأحب أحب الناس الى قلبه، الشهداء، رقص النعش تحت وابل الأرز والورد والحب، وكل دمعة سقطت وقعت على خد الرجاء تماما، وهناك التقطها خليل مع مجد القيامة بالمسيح، وهنا كتب له الرفاق هالكم سطر على صفحات وفائهم كل حكي القلب الحزين على فراق مناضل صديق، وكتب صديق عمره حميد ياغي «رح تتركلي بحياتي فراغ كبير وأنا مش معود ع فراقك الله معك خليل»…

أيها الحارس… أرقد بسلام الأبطال

رولاند غانم*

كان لازم يموت بالحرب.. هذا ما قاله رفيق السّلاح والشدائد، بأن خليل وجب أن يموت ناظراً عدوّه عيناً لعين لا مغدوراً بمرضٍ خبيثٍ حقير.

شو سريع… أضاف الرفيق المصدوم، وهكذا كان خليل، سريع البديهة والحركة في ميادين الوغى ومعتركات الحياة، وسريع المغادرة كان، لم يعطِ المرض لذّة إذلاله.

لا ينعس الحرّاس، إمّا هم دائمو الحركة أو يرقدون بسلام، لا وسطيّة في نضالهم.

لم أتمرّس في شحب الوجوه ووجومها، فقد إفترسني وحش الحزن القابض على عيون زوجته وبناته، النساء يبكين مسيحهنّ. ويحكِ من هذا التشبيه سيُمطرُني البعض، وهم لا يعرفون بأنّ المسيح إنسان ضحّى وأحبّ وعطف وأعطى وبذل، وكذلك خليل.

الصفوف الأمامية الرسمية لم تخلُ من العاطفة أيضاً، فرفاق نضاله، طوني زهرا، إيلي كيروز وجوزف إسحق بكوه بحرقة. فليجثم البروتوكول صاغراً، غصّة فقدان رفيق نضالات شرسة في زمن السّلم أشدّ لوعة من فقدانه في ميدان حرب.

أمّا كلام المطران في تعزية الأهل والرفاق، فكان له وقع البلسم على الحروق، ليس لأنّه كلام منمّق بل لأنّ الإرتجال من القلب يخاطب القلوب. قال الإكليروسيّ بأنّ خليل صاحب قضيّة، لذلك فإنّ غيابه يحمل المعاني الأرقى، كما كان وجوده بيننا، فاعلٌ، مؤمنٌ ومؤتَمَن. والقضيّة التي تكلّم عنها، عنى بها الله والإنسان والوطن، أقانيم المحبّة الثلاث التي عاشت في وجدان خليل طوال مكوثه على هذه الأرض ورقدت معه بسلام ريثما يطأ السّلام.

داخل الكنيسة طغى الصمت والصلاة، أمّا خارجاً، فإنطلقت الأحزان في الفضاء الرّحب، موسيقىً وبكاء. يملكون الحقّ بأن يطلقوا العنان لغضبهم بفرحٍ مستشيط، فعبروا بنعشه في ساحة الكنيسة، في ظلّ الأرز الذي عرفه وأحبّه. تراقص النعش على وقع نشيد «القوّات اللبنانية»، نشيد الرفاق الشهداء والمناضلين الأحياء، الوقع الأحبّ لفقيدنا، وتناقلته أيدي المحبّين والرّفاق حتّى المثوى الأخير.

أمسكت بكاميرتي، أردت تخليد لحظاتٍ وداعيّة أخيرة لبطلٍ عرفته ولم أملك أن أحتفي به في حياته، فأحييته على طريقتي في الصوَر. رُغم أنني أبكي، إلتقطت ما أعتقده درساً من دروس الحياة: أن نولد في ذراع من نحبّ ونموت في ذراع من نحبّ، فتلك النعمة الأجمل.

إرقد بسلام الأبطال، فقد رفعت قضيّتك فوق كلّ الإعتبارات، وفوق الأكفّ رُفعتَ رغم كلّ الإعتبارات. عبورٌ مسالم أيّها الحارس وإلى اللقاء.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل