
(مُهداة الى المُواطِنين اللبنانيّين، ليتعرَّفوا تمامًا الى مواصفات الشياطين).
قبل الخَوض في صُلب الموضوع، للوصول في النهاية الى تبيان “شَيطنة” بعض حاملي الألقاب عندنا، هؤلاء الذين هَشَّموا مفاهيم الحياء والعَيبِ بموبقاتِهم وأكاذيبِهم وتَلفيقاتِهم، لا بُدَّ من إلقاء لَمحةٍ على معنى “الشيطان”، في بُعدَيه الأخلاقي والإِثني.
الشيطان هو ذلك الكيان الشرّير الغامض الذي يملك بُعدًا رمزيًّا أسطوريًّا ويُثير تساؤل النّاس حول طبيعته وسِرّ خَوضه للتحدّي الكَوني. وقد اقترن إسمه بالأحكام الأخلاقيّة، فكانت معرفة
الإنسان به فاتحة التّمييز بين الخير والشرّ، بين الحقّ والباطل، بين الإيمان والشكّ، وبُدِئَ حينها تحديد قيم الأخلاق بأضدادها. وقد اعتُبِر الشيطان جامِعًا لمعاني الشرّ، على اختلاف صُوَره في الثقافات والأديان. لكنَّ الشيطان لم يكن غَبِيًّا، واستنادًا الى خَوفِه من أن تُرديه قدرة الله، عاشَر الظلمة بعواطفه النَّجِسَة وأنجَب أرواحًا شرّيرة أَتَتِ الأعمال الخبيثة، ولا سيّما في وطنِنا، حيث وجدت مساكنَ مُريحة ذات نوايا شرّيرة، فكان الشَرُّ فيها حالة مُستَدامَة تسعى دوماً للأَذِيّة.
إنّ الإنسان الذي يَقترِن به شيطان هو إنسان أَرعَن، يغمس رأسَه في كَومة الأَرجُل، لأنه لا يُدمِن عزَّة النَّفس، ويبيع الشَّرَف بأَبخس الأثمان. وهو بالتالي شخص مُتَقَلِّب مُنقَلِب لم تُفَرِّخْ في جمجمتِه معايير المبادئ، فهو سكيزوفريني مُتناقِض، أي مُزدوج الشخصيّة، فيُثبِت ثمّ يَنفي، يَستكينُ ثمّ يهاجِم، يُعارضُ ثم يُوالي، وذلك من دون أيّ انضباط موضوعيّ وأخلاقيّ.
والإنسان المُقترِن به شيطان، ولاؤُه للوطن عنوان من دون مضمون. فهو كاذبٌ تَبَعِيٌّ وبحاجة الى إعادةِ تأهيل وَلائيّة تغيب عنها مُفردات إنبطاحيّة مُستَورَدة، وهو في هذا المجال، بحاجة الى وكالة غَوث تُعيد الى كيانِه مقاييس الكرامة، ولا سيّما الكرامة الوطنيّة.
والأنسان الذي يقترن به شيطان واهِم يَصطَفُّ في دائرة اللاّمنطق، فهو يتّهمُ من دون دليل، ويُلَفّق تَخَرُّصاتٍ وأكاذيبًا لا تنطلي على فَهيم. فهو إذاً مَشلول العقل، يتفجّر غيظًاا في داخلِه بحيثُ لا يستطيع التركيز فتسيطر عليه الشّكوك والهواجس، فتراه يَتَخَبّط في كلامه على غير اتّزان وتَرابُط، ليَصِل الحكم عليه بأنّ العقلانيّة لم تَمُرَّ إطلاقًا في تلابيبِ نُخاعِه.
يُحكى أنّ الجاحظ كان دَميم الخِلقة بَشِعًا، أَتَته امرأةٌ وقالت له: لي إليك حاجة، أن ترافقني الى أحدِ الصّاغة.
ولمّا وصلا قالت المرأةُ للصّائغ: مِثلَ هذا، وانصرفَت. تَعَجّبَ الجاحظُ
وسألَ الصّائغَ عن حقيقة الأمر، فقال الصّائغ: لقد أتَت إليّ بِخاتمٍ من ذَهَب وطلبَت منّي أن أنقشَ عليه صورةَ الشيطان، فقلتُ لها إنّي ما رأيتُ شيطانًا في عمري، فذهبَت وأتَت بكَ إليّ.
فهل عَرَفتُم مَن له قَرنان وذَنَب؟