صادرات إيران تحت المراقبة: كيف سيتصرف لبنان ماليًا وسياسيًا؟

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1663:

دفعة جديدة من العقوبات أصدرتها واشنطن على كيانات وأشخاص قالت إنهم مرتبطون بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى جانب ثلاثة كيانات إيرانية أخرى. واشتملت لائحة العقوبات الأخيرة لأول مرّة على كبار المسؤولين في “حزب الله” وعلى بنك “البلاد” العراقي، في محاولة للضغط على هذه الجهات والحد من حركتها وتأثيرها في البلدان المنتشرة فيها. واللافت في الأمر مسألتان: إدراج دول خليجية لأسماء وكيانات مماثلة، على لائحة الإرهاب. ومسارعة البنك المركزي العراقي فور صدور العقوبات الأميركية، إلى وقف التعامل مع بنك البلاد الإسلامي وحجز حساباته كافّة، إضافة إلى حجز حسابات رئيس مجلس إدارته، “أراس حبيب كريم”. طبعا الوضع في لبنان يختلف، لكن لا بد لهذا المستوى المتقدم من العقوبات إلا أن يترك أثره في غير مجال على المستويين الإقتصادي والسياسي. من هنا منشأ المخاوف لدى المسؤولين اللبنانيين من مُضي “حزب الله” في تقديم مصالحه على الصالح العام.

بدت العقوبات الجديدة التي أعلنتها وزارة الخزانة الأميركية ودول خليجية أنها الأكثر تقدّما في مسار العقوبات ضد إيران و”حزب الله” وكيانات شريكة أخرى، وقالت الوزارة “إن العقوبات جاءت بموجب التشريعات الأميركية التي تستهدف بشكل خاص الإرهابيين الدوليين المشتبه بهم في النشاط المالي الإيراني”.

واستهدفت العقوبات التي شاركت فيها دول خليجية في مركز “استهداف تمويل الإرهاب”، الذي يشمل السعودية والبحرين والكويت وعمان وقطر والإمارات، أعضاء الهيئة الرئيسية لصنع القرار في “حزب الله”، مسميّة أمينه العام السيد حسن نصر الله ونائبه الشيخ نعيم قاسم. ما يعني إنهاء حال الفصل السابقة بين جناح سياسي وآخر عسكري. ويوسع ذلك الإجراء نطاق العقوبات على السيد نصر الله، الذي فرضت عليه واشنطن عقوبات منذ العام 1995، ومرة أخرى في العام 2012. لكنها المرة الأولى التي تتحرك فيها وزارة الخزانة ضد الشيخ نعيم قاسم.

 تقطيع الشبكات

هناك شبكة واسعة من الشركات والأعمال ناشطة من إيران إلى لبنان مرورا بالعراق وطبعا لا تستثني اليمن ودولا عديدة أخرى من الخليج العربي إلى أميركا اللاتينية، تعمل على تمويل الأحزاب والجماعات المدعومة من إيران في المنطقة. وإذا كانت القيادات المباشرة والمعروفة لـ”حزب الله” لا تستخدم القطاع المصرفي اللبناني لتأمين الإحتياجات المالية إلا أن الشركات لا تستطيع ذلك، ما يعني أمرين: أولا أنها ستتأثر بالعقوبات وبملاحقة الشبكة المالية الداعمة للحزب وتفكيكها، وثانيا أن محاولات تجنيبها العقوبات والتفافها عليها، لا بد إلا أن تعرّض بعض المواقع المالية والإقتصادية في لبنان لمزيد من الرصد والتضييق وربما الملاحقة.

فبعض المصارف اللبنانية أو الفروع التابعة لمصارف أجنبية عاملة في لبنان، تنال حصتها من القرارات الأميركية أو الأوروبية المتعلقة بتمويل الإرهاب أو النظامين السوري والإيراني، أو تمويل “حزب الله” والتعامل معه. وبنك صادرات إيران، يعتبر من بين المصارف التي يتم تناولها في هذا السياق. وكان مساعد وزير الخزانة الاميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي، قد طالب بإقفال المصرف التجاري السوري اللبناني وبنك صادرات إيران في لبنان. ومع أن الأخير لم يُدرج على اللائحة التي صدرت مؤخرا، إلا أن الأوساط المصرفية اللبنانية لا تخفي خشيتها من أن يطال توسّع العقوبات أو التمرّد عليها، المصرف الموضوع تحت المراقبة.

والمعلوم أن “صادرات إيران”، هو مصرف إيراني تأسس في طهران في العام 1952، “تخضع أنشطته التجارية لأحكام الشريعة الإسلامية. وبالإضافة الى فروعه في إيران، يملك المصرف فروعاً في أوزباكستان، تركمانستان، الإمارات (مكتب إقليمي واحد)، قطر (فرعان)، عُمان، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، أفغانستان، البحرين، بالإضافة إلى لبنان الذي يملك المصرف فيه مكتباً إقليمياً، و5 فروع موزعة على: فردان، الغبيري، صيدا، بعلبك وبرج البراجنة. ويقول مصدر في هيئة الرقابة على المصارف إن المصرف يعمل حاليا في أطر ضيّقة ومحددة، ولم تسجل عليه مخالفات من النوع الذي يتنافى مع القوانين الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب. ويضيف: نكرر القول إن النظام المصرفي اللبناني متين ومحصّن ضد أية إجراءات. وبالتالي فلا خوف من هذه الناحية. بالإشارة إلى ما حصل مع مصرف “البلاد” العراقي الذي شملته العقوبات وشطبه المركزي من لائحة المصارف العراقية، يؤكد المصدر أن الأمر مختلف بالنسبة إلى لبنان ولا داعي للقلق، والأمور تعالج بحسب الوقائع والمعطيات لا بتأثير المخاوف.

أما ما يدعو للخشية، بحسب الإقتصاديين، فأن للمصرف عدداً من الملكيات، الكاملة أو الجزئية، في شركات مصرفية تابعة له أو مستقلة عنه. وهو كان تعرّض لسلسلة من الحجوزات على أصوله في أكثر من دولة في العالم، خصوصاً في فرنسا وبريطانيا، على خلفية قرارات المجلس التنفيذي للاتحاد الأوروبي. لكن، بعد التوصل إلى إتفاق بشأن برنامج إيران النووي في العام 2016، أفرجت كلّ من بريطانيا وفرنسا عن أرصدة البنك وفروع تابعة له، مثل بنك صادرات بي.أل.سي.

لكن واشنطن كانت تزيد من عقوباتها على إيران، وأحدثها عقوبات على حاكم المصرف المركزي الإيراني وعدد من الكيانات والشخصيات التابعة. واللافت في هذه العقوبات شمولها مسؤولا في “حزب الله” هو محمد قصير. والتهمة بحسب الخزانة الاميركية، تحويل ملايين الدولارات لـ”حزب الله” بالنيابة عن الحرس الثوري الإيراني. وكانت الوزارة قد ادرجت ‏مصرف البلاد الإسلامي للتمويل والاستثمار العراقي، ومديره اراس حبيب محمد، على لائحة الإرهاب، ضمن قائمة عقوبات على مؤسسات مالية وأفراد في إيران والعراق ولبنان. واستجاب العراق سريعا، لقرارات وزارة الخزانة، باتخاذ البنك المركزي العراقي أول إجراء ضد حزب المؤتمر الذي يرأسه حبيب، تنفيذا للقرارات الأميركية.

ومن بين الإجراءات التي اتخذها المركزي: إيقاف المصرف من الدخول إلى نافذة بيع وشراء العملة الأجنبية، والتحفظ على جميع حسابات المصرف وحسابات رئيس مجلس إدارته وإشعار المركزي بتلك الحسابات، إضافة إلى التحفظ على تداول أسهم المصرف والأسهم المسجلة باسم رئيس مجلس الإدارة، في البورصة.

أصداء وآراء

الباحث والخبير في الشؤون الإيرانية قاسم قصير قال ردا عن سؤال لـ”المسيرة”: «صحيح ان العقوبات الخليجية وحتى الاميركية على قيادات “حزب الله” او على مسؤولين في الحزب لا تؤثر على وضعيته او على المسؤولين فيه، لأن هؤلاء ليست لديهم تداولات وعلاقات أميركية أو خليجية. أحيانا يتم اختيار اشخاص يدعي الاميركيون أن لهم علاقة بـ”حزب الله” وهؤلاء تجار مستقلون. ولكن الاميركيين يضغطون عليهم بهدف الضغط على البيئة المحيطة بـ”حزب الله”.

وأضاف: “هذا الامر ينعكس على هؤلاء الاشخاص، ولكن لا ينعكس على “حزب الله”. فقد بات معروفا ان لـ”حزب الله” دورة مالية خاصة به من مؤسسات وإدارات كلها لديها دورة مالية مستقلة وغير مرتبطة بالمصارف العادية أو البنوك الدولية. فالحزب من الأساس لديه هذه التخوفات، لذا قام بهذه العملية وبالتالي لا تستطيع العقوبات ان تؤثر عليه او على وضعيته المالية الخاصة. قد يكون للعقوبات تأثير معنوي لكن ليس لها تأثير عملاني، والاميركيون يعملون منذ عشرات السنين على هذا الموضوع ولم يؤد الى نتيجة. من الواضح أيضا أن هناك اتجاها تصعيديا من جانب الدول الخليجية، لكن ليس هناك اي علاقة مالية بين مسؤولي حزب الله ودول الخليج”.

وردا عن سؤال حول الهدف من هذه العقوبات ما دامت غير ذات تأثير، يجيب قصير بأن “الهدف الاول هو سياسي للتأكيد على ملاحقة “حزب الله”، وهذا هدف الادارة الاميركية وانضمت إليها دول الخليج في السنوات الاخيرة، لأنها تريد القول إن “حزب الله” ارهابي ونحن معنيون بملاحقته. والهدف الثاني هو امكانية تأثير هذه العقوبات على نتائج الانتخابات. لا اعلم ما اذا كانت تؤثر حقا أم لا. ولكن توقيتها أتى بعد الانتخابات التي حقق فيها “حزب الله” نتائج ويطالب على أساسها بدور إضافي في الشأن الداخلي اللبناني. وقد يكون لها بعد سياسي محلي وفيها رسالة للقيادات اللبنانية ألا يتساهلوا مع تزايد دور “حزب الله” الداخلي. البعض يقول إن هذه العقوبات مرتبطة بهذا الموضوع والبعض يقول انه يتم العمل عليه منذ مدة. ولكن وجهة نظري هي أن التوقيت مشبوه”.

ولفت قصير إلى أن “بنك صادرات ايران موجود في لبنان ويعمل في شكل طبيعي والعقوبات الدولية التي كانت قد فرضت على ايران رُفعت ولم يبق سوى العقوبات الاميركية لأن الاوروبيين يريدون التعاطي مع إيران في شكل طبيعي. وبنك الصادرات مستمر ولا يوجد اية معطيات سلبية حوله.

الشيخ عباس الجوهري قال بدوره، “لا شك في أن العقوبات سواء الأميركية أو الخليجية لها تبعات صعبة. إنما لا تأثير لها على “حزب الله” كما لو كانت على دولة لها تعاملات مع دول العالم. لكن في أي حال هي مؤذية لأنها تجعل البيئة الإقتصادية مبتعدة عن “حزب الله” وإن كان هو كحزب لا يتأثر مباشرة بها. وأعتقد أن هذه العقوبات تأتي في سياق الضغط المعنوي”.

وتابع “لحزب الله حالته المعنوية التي يستطيع من خلالها إرغام معارضيه أو إستتباع أتباعه وإذا كان المقصود من هذه الإجراءات إخراج حزب الله من الحكومة بالمباشر، فإن الحزب يستطيع عندها أن يعرقل تشكيل الحكومة وانتظام الحياة السياسية في لبنان وهذا ما لا أعتقد أن الغربيين بوارد تحمّله وهو ما يجعل الحزب يضغط على اليد التي تؤلم الأوروبيين لأن الإستقرار في لبنان مطلب غربي. لكن قد يستفيد منها من يشكلون الحكومة برفع هذه الإجراءات في وجهه والضغط عليه للتخفيف من مطالبه. وبرأيي حزب الله تراجع في الآونة الأخيرة ولم يتقدم كما يشاع”.

مخاوف وتطمينات

أكد مسؤول في وزارة الخزانة الأميركية “أن الخطوات التي تم اتخاذها خلال الأسبوعين الماضيين هي وفق خارطة محددة لاستهداف تمويل حزب الله، لافتا إلى أن استهداف مجلس شورى حزب الله رسالة للجميع، وأنه لا يوجد جناح سياسي للحزب وهو فقط منظمة إرهابية يسيطر عليها الإيرانيون”. واللافت إشارته إلى أن “حزب الله” ليس لديه ميزانية مستقلة، وأن كل شيء يقومون به يتم تمويله من قبل الإيرانيين”. هذا التوصيف أحدث نقزة لدى المسؤولين اللبنانيين ولا سيما الإقتصاديين منهم، من أن يؤدي توسّع العقوبات إلى الإضرار بالمصالح الإقتصادية للبنانيين.

لكن قول المسؤول الأميركي أن استهداف مجلس الشورى التابع لـ”حزب الله”، كونه هو الذي يتخذ القرارات وتمويل الحروب، مؤكدا أن “الخطوة لا تستهدف الشيعة بل تستهدف “جماعة إرهابية”، طمأن القلقين من أن العقوبات ستكون موضعية ومدروسة.

من جهة أخرى، نفى الدبلوماسي الأميركي إن تكون “الخطوة محاولة للتأثير على تشكيل الحكومة. “لم نقم بفرض العقوبات لأغراض سياسية. وعلى اللبنانيين أن يعرفوا أنه إذا سلموا مسؤولين من حزب الله في وزارات معينة هناك عواقب على الحكومة.” لدى واشنطن علاقة كبيرة بالبنك المركزي اللبناني، لكن لا يتوهم أحد أن استمرار وجود دور لحزب الله في المصارف لن تكون له عواقب. سنلاحق كل من لديه حساب بالريال الإيراني خارج إيران، وسنلاحق من يبيع الدولار الأميركي للمصارف الإيرانية.”

إستنادا إلى هذه المواقف التي أشاعت حذرا لدى المسؤولين الماليين والمصرفيين في لبنان، كشف أحدهم لـ”المسيرة” أن لبنان لطالما نجح في تجاوز مثل هذه العقبات. وهو لن يخاطر بتعريض استقراره المالي والنقدي للإهتزاز كذلك علاقاته الدولية للتردي، ومن ناحية أخرى لن نخاطر طبعا بتعريض استقرارنا الداخلي والأمل المنتظر من تشكيل مجلس نيابي جديد وحكومة جديدة، نأمل أن تكون متجانسة وناشطة، للإهتزاز أيضا. وبين هذين الحدين يجري العمل، وعلى حكمة المسؤولين من حزبيين ورسميين تُعلّق الآمال، وعساها ألّا تذهب هباءً.

 

مسؤولو “حزب الله” الذين شملتهم العقوبات (بحسب التوصيف الأميركي والخليجي)

•      السيد حسن نصرالله، قائد تنظيم “حزب الله” (الأمين العام).

•      الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ”حزب الله” وهو يدير الأنشطة السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية للحزب.

•      الشيخ محمد يزبك، أحد مؤسسي “حزب الله” والقائد الحالي للمجلس القضائي، وقد أدار حسابات الحزب المصرفية.

•      الحاج حسين خليل، كان أحد القادة البارزين الذين تشاركوا المسؤولية عن العمليات الخاصة للحزب في أوروبا.

• السيد إبراهيم الأمين السيد، رئيس المجلس السياسي لـ”حزب الله”.

•      طلال حمية، الذي وصفته وزارة الخارجية الأميركية في وقت سابق بأنه هو “رئيس منظمة الأمن الخارجي للحزب، والمسؤول عن خلاياه الخارجية عبر العالم”.

•      هاشم سيف الدين، وهو أحد أبرز القياديين في الحزب.

•      علي يوسف شراره، عضو ومموّل لـ”حزب الله” يستخدم شركته (مجموعة سبكترم “الطيف”) للاستثمار كواجهه لتمويل “حزب الله”.

•      حسن دهقان إبراهيمي، إيراني الجنسية، وله صلات بكبار مسؤولي الحرس الثوري الإيراني، يمتلك شركة ماهر للتجارة والمقاولات ويسهل نقل الأموال لـ”حزب الله”.

•      مجموعة سبيكترم “الطيف”، وهي شركة اتصالات وتعمل أيضا في مجال الاستيراد والتصدير .

•      شركة ماهر للتجارة والمقاولات، تعمل على تمويل الحزب من خلال غسل الأموال وتحويلها، ومسؤولة عن تهريب البضائع لصالح “حزب الله”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل