الفساد وضده

في أوج مفاوضات “كمب ديفيد”، وعند احدى عقد مسارها، وجّه الرئيس المصري أنور السادات رسالة الى راعيها، الرئيس الاميركي جيمي كارتر، بدأها بعبارة “من رئيس أقدم دولة في التاريخ الى رئيس أحدث دولة في التاريخ”.

فاخر السادات نظيره الأميركي بالجذور التاريخية للدولة المصرية، متخطيا المقارنة بين ما عليه مصر، وما بلغته الولايات المتحدة من مقام، ومتجاهلا ان هذا القِدم هو أحد أبرز معوقات تقدم مصر، كون اثاره على دينامية الدولة في ادارة شؤون المواطنين لا تخفى على المصريين قبل غيرهم.

نشرت مجلة “تايم” الاميركية نص الرسالة في حينه، وليس استنباشها اليوم بمناسبة ذكرى توقيع الاتفاق، بل بمناسبة تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، وما يرافقها من عزف نشيد محاربة الفساد لدى غالبية “الجوقات”، أو الكتل، النيابية. فكما يصعّب عمق جذور الدولة المصرية عملية تحديث اداراتها، فان جذور الفساد اللبناني التي ترقى الى زمن اعلان الاستقلال، تحول دون التعاطي بخفة في شأنه، خصوصا ان نحو سنتين انفقتا من عهد “الاصلاح والتغيير”، ولم نشهد فيهما اي طحن يفسّر الضجيج. على العكس، حين بادر وزير الاعلام ملحم الرياشي الى مقاربة الاصلاح، عبر نمط جديد في اختيار رئيس مجلس ادارة “تلفزيون لبنان”، باخضاع المرشحين للامتحان لدى مجلس الخدمة المدنية، كان الرد ربط الموافقة “الأعلى” بمساومة على موقع آخر في أحد أجنحة الوزارة، وهو ادارة “الوكالة الوطنية للإعلام”.

ليست المساومة جديدة في المسار السياسي للدولة اللبنانية، فتاريخه من تاريخها، لكن الجديد هو تسليم وزير بدور مجلس الخدمة، في توظيف على هذا المستوى، وتمسّكه بأولية هذا الدور، في زمن ترهل أجهزة الدولة الرقابية، وغير الرقابية، وتهميشها، وخضوع بعضها للمشيئة السياسية.

قد يكون ملحم الرياشي الوزير الوحيد الذي حاول تحديث وزارته، لتكون “وزارة التواصل والحوار”، وتحديث هيكليتها والعمل الاعلامي، ومهمات الاعلام الرسمي، ومنه دور “المجلس الوطني للاعلام”، الى خطوات عدة، معظمها لم يجد طريقه الى موافقة مجلس الوزراء، علما انه من وزراء الاعلام النادرين الذين حدّثوا الوزارة وآليات عملها، ومن هؤلاء سلفه طارق متري، كما سعى من دون انحياز حزبي، وهو من حزب “القوات اللبنانية”، الى تحسين اوضاع العاملين في حقل الاعلام، بتطوير حالهم النقابية، وموارد المؤسسات التي يعملون فيها، ومن ذلك تعديلات على قانون الضريبة على القيمة المضافة، وقانون الرسوم والعمولات البلدية، وغيرها.

ما شهدته وزارة الاعلام مع الوزير الرياشي ينبه الى ان الفساد عموما نوعان: فساد الادارة، بترهلها، وفساد في الادارة لتلكؤ القائمين عليها، أو لاطماعهم الشخصية. الاول يحتاج الى استراتيجية لاعادة البناء، والثاني يستلزم ارادة من القيمين على المؤسسات وتعففهم وترفّعهم عن المنافع والحزبيات الضيقة، والاخيرون لا يتكاثر صنفهم في سهولة.

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل