رعى إفطار قدامى “الحكمة” الرابع والعشرين… مطر: نحن وطن الشراكة المسيحيّة الإسلاميّة وشراكة المصير والمحبّة

 

رعى رئيس أساقفة بيروت وليّ الحكمة المطران بولس مطر، حفل إفطار جامعة قدامى الحكمة – كليمنصو الرمضاني الرابع والعشرين في مناسبة شهر رمضان المبارك، في فندق الـ” فور سيزنس” والذي شارك فيه إلى مطران بيروت، مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة الشيخ عبد اللطيف دريان ممثلًا بالمفتش العام للأوقاف الإسلاميّة الشيخ حسن مرعب والرئيس نبيه برّي ممثلًا بالنائب محمد خواجه والرئيس سعد الحريري ممثلًا بالنائب نزيه نجم ووزراء ونواب حاليون وسابقون وممثلو قيادات روحيّة وسياسيّة وقضائيّة ونقابيّة وعسكريّة وأمنيّة وهيئات إجتماعيّة وبلديّة.

بعد صلاة الغروب والنشيد الوطني اللبناني ألقت السيدة ريتا رزق الله حمّودي كلمة ترحيب وتعريف، جاء فيها: “ما أجمل أن يجتمع الإخوة تحت سقف واحد، ها نحن نلتقي من جديد تحت سقف الحكمة، ونحن نختار ونحب ونفرح بأن نأخذ من نورها أيضاً ودائماً إلهاماً لمواقفنا، في عالم باتت الحكمة الحقيقية حاجة ألحّت لكثرة ما ندرت.

الحكمة المنشودة اليوم لا يمكن أن تكون نتيجة العلوم ولا المؤتمرات ولا الخطابات، بل هي حكمة في المواقف قبل المعارف. في اختيار الأفضل، أي في إعطاء الأولوية للمصلحة العامة على المصالح الفردية الخاصة والضيّقة، للمعنى على الكمية، لهوية لبنان الذي نريده، على التحزبات والارتباطات الداخلية أو الخارجية.

لسنا هنا لنخوض في السياسة بل لنؤكد أن الوطن الذي زرعته الحكمة المدرسة في نفوسنا هو الوحيد الجيّد والممكن. وكل ما عداه لا يمكنه أن يقوم، وإن قام لا يبقى”.

 

المحامي باسم الحوت

ثمّ ألقى رئيس جامعة قدامى مدرسة الحكمة في كليمنصو المختار المحامي باسم الحوت كلمة جاء فيها:

“نحمدُ اللهَ الذي جَمعنَا و اياكُم على هذه المأدُبة الرمضانيةَ المباركة . نَسألهُ تعالى ان يتقبَّلَ مِنّا صِيامنا و ان يُعيدَ هذا الشهرَ الفضيلَ علينا بالخيرِ و اليُمنِ و البَركات.

كَما في كل عامٍ يُشَرِّفُنا ان نستهلَّ كلمتَنا بالتوجهِ الى صاحبِ السيادةِ وليّ أمرِ الحكمة ، شاكرينَ و معتزينَ بفضلهِ و رعايتهِ الابويّةِ التي يَشملُنا بها سنوياً . كما نُسَجِّلُ لهُ غيرتُهُ الدائِمة على الحكمةَ و العملِ بكلِ ما أُوتِيَ من قوّةٍ لكي نَتبوأ أعلى المراتبِ و الدرجات .

يأتي شهرُ رمضانَ الفضيل حاملاً معه الأملِ ببناءِ وطن قائمٍ على الالتزام بالمواعيدِ الدستورية و بعملِ المؤسسات، فبعدَ تأجيل تمَّ إجراء الانتخابات النيابية و نشهدُ عملاً جديا لتأليف الحكومة.

في زمنِ الحقائبِ و الأسماءِ ، التكليفِ و التأليفِ، لا بدَّ لنا من أخذِ العبرِ ، فشهرُ رمضان الفضيل و ما يعيشهُ المؤمنونَ من عودةٍ الى الذاتِ و الصلواتِ و الأدعيةِ، يجعلنا نُدركُ أنّ التقاء الجماعةُ هو من عطاءاتِ الله و تبادُل الاراء و الحوار نعمةٌ للسيَرفي هدي الله و سبيله.

لبنان يحتاجُ الى الكثيرِ من العملِ لانّهُ فقدَ المقومات الأساسية للدولة و باتَ الفسادُ منتشراً يحتاجُ الى كفاحٍ و جهدٍ لمحاربتهِ كونهُ تجذّرَ في بعضِ النفوس، وتفتقدُ الاداراتُ للخططِ الطويلةِ الاجلِ و لمشاريع التنميةُ المستدامة و خطط تحقيقِ المصالحِ العامةِ ، فتحقيق مشاريع مجتزأة و ظرفية لا يؤدي الى بناء وطن و اعطاء الحقوق.

 

فإنّ فرصَ العمل لشبابنا تكادُ تكونَ معدمةً ما ينذرُ بعواقبَ سيئةً اجتماعياً ، فانحرافُ الشباب نحو القتلِ و المخدراتِ و السرقةِ و الاعتداءاتِ المسلحةِ  المتكررة ما هي إلاّ بدايةٌ لأزمة نعرفُ كيفَ تبدأ و لا نعرفُ كيف تننتهي ويؤلمنَا أنّنَا نفقدُ الحُجّةَ حينَ نُناشدُ أبناءنا التسلُّح بالعلمِ و التشبثِ بأرضِهم ووطنِهم و هم يعايشونَ يومياً مظاهرَ انهيار الانظمة و القوانين و انعدام القيم .

إنَّ واجبَنا الوطنيَّ يُحتِّمُ علينا التشبُّثَ بأرضِنا و مبادئِنا الوطنيةِ التي نَشأنا عليها في مدرسةِ الحكمةِ، و مَا بناءُ الأوطانِ إلاَّ ثمرةُ التضحياتِ الكبيرةِ التي يبذلُها المواطنون في ايِّ موقعٍ كانوا، و تفاعُلِهم البنَّاءَ و الايجابيَّ معَ كلِّ ما يصُبُّ في مصلحةِ الوطنِ العُليَا و استقرارهِ على كافةِ الصُعدِ .

سننشرُ ثقافةَ الحوارِ و حكمة العمل، و سنسعى الى إلغاء هواجسِ عدمَ الثِقةِ بالوطنِ لأنَّ البطولةُ تكمنُ في نشرَ روحَ التوافقِ و الإنفتاحِ التي قامت عليها الحكمةُ و لم تزل.

فإنَّ رسالةَ لبنان كانت و ستبقى رسالةَ العلمِ و الثقافةِ والحضارةِ والعيشِ المشترك وما عدا ذلك فهو طارئ و سيزول .

أيُّها الرفاق الحكماويّون

حَمَلتُم زاداً من العلمِ و الثقافةِ من مناهلِ الحكمةِ و صروحِها ، فتعالوا نتعاون من أجلِ استعادة لبنانُ المنارةَ و تطويرهُ من خلالِ نشرِ الفِكرِ الحكماوي الذي تحمِلونَهُ ، و كَكلِ عامٍ أنتم مدعوونَ الى المشاركةَ الفَعَّالةِ في رباطةِ الخريجين لكي يكونَ التفاعُلَ الايجابيُّ بيننا بهدفِ العملِ من أجلِ المصلحة العامةِ و كذلكَ تجديدُ صداقات مرحلة الدراسة لكي تمتدُّ على طولِ العمرِ ..

إنَّ مدرسةَ الحكمة سعت من خلالِ تنشئةِ أبنائِها على المبادئِ الإنسانية الجامعةِ بغض النظر عن انتمائِهم الى بِناء الوطنِ الذي يحلَمُ بهِ أيُّ إنسانٍ ، فكان إبداع الحِكماويين في شتَّى الميادين نتيجةَ هذه الأفكارُ المتقدمةُ .

أملنَا أن نَرى أبناءُ الحكمة الذين وصلوا الى أهمِّ المَراكِز يتولّونَ المراكزُ الأساسيةُ في الدولةِ و الوزاراتِ لأنَّ إِبنُ هذِه المدرسةُ الذي تشربُ حُبَّ الوطنَ و عرفَ أهميّةَ التنوع و لديهِ  شعورُ الانتماء و المحافظة على لبنان إنَّما ينجَحُ في قيادةِ البلد إلى برِّ الأمانِ .

و مَا وجودُكُم اليومَ مَعَنا إلاَّ دليلُ رَبَاطِ مقدّسٍ جَمَعَنا اللهُ بهِ لنكُونَ مُسلِمينَ و مَسيحيّين على مائِدةِ هذا الإفطار الكريم ، و نحنُ مستمرُّون على هذا النهجِ لنكونَ عبرةً لغيرِنا في هذا الوَطَنِ ، و سَنَبقى رمزُ حُبٍ و محبّةٍ ، عائِلَةً واحدةً قَوامُها الشَراكَة و الوِحدَة .

و ختاماً ، لا بدَّ لي ان اوجه تحيةً و محبةً ووفاءً و تقديراً الى جميعِ الحكموايين و الى ضُيوفِنا الكِرامِ داعين لكلٍّ منكُم خالصَ الادعيةِ بالتوفيقِ و النجاحِ لكي تبقى الحكمةُ حاملةً مَشعلَ الكلمةِ الحرةِ و الفكرِ الحرِ المُضاءِ، منيرةً دروبَ كلَّ انسانٍ مؤمنٍ صالحٍ، و متمنَين لكُم كلَّ الصحةِ و العافيةِ.

و كلَّ عامٍ و انتم بخيرٍ”.

 

المطران مطر

كلمة الختام كانت لراعي الإفطار المطران مطر جاء فيها: “لمّا كنّا في الأزهر الشريف، نشارك ولأربع مرّات في مؤتمرات حول الإسلام وحقيقته، فرحنا جدًا بهذه اللقاءات بين الأئمة وأهل العلم والتقوى وأخذنا الشيء الكثير مما يجعلنا متفائلين في المستقبل، إن شاء الله. سمعنا كلامًا أثلج صدرنا حول دستور الدولة الإسلاميّة الأولى في المدينة. جاء في دستورها إن المسيحيين مثل المسلمين ومعهم في السراء والضراء. هذا ورد في دستور الدولة الإسلاميّة الأولى. ونحن على يقين أن ذلك الزمان هو زمانٌ ملزم لجميع المؤمنين. ونحن اليوم وبفرح كبير، نلتقي في هذا اللقاء الرمضاني الجامع الذي لا مثيل له إلا في لبنان وفي مصر، والحمد لله. ولكنّ في لبنان أصبح قاعدة حياة. نحن وطن الشراكة المسيحيّة الإسلاميّة، شراكة العيش الواحد الكريم، شراكة المصير والمحبّة. قيل عن لبنان الشيء الكثير خلال الأحداث، إنه بلد ضعيف، بلد ربما غير قابل للحياة. لكنّ الأحداث في نهاياتها، أظهرت أن لبنان هو حجر الزاويّة في بناء المستقبل العربي الكبير. في العالم العربي، مفروض علينا جميعًا، أن يبقل أحدنا الآخر. وقال مفكر يومًا: هناك هواء لكل الصدور. نحن أهل شعوب يجمعها الإيمان ويجمعها المصير الواحد، مسيحيين ومسلمين من كل الطوائف. الطائفة شيء والدين شيء آخر. الدين موّحد، الطائفة مذهب. ذهب مذهبًا وأعطى رأيًا وفكرًا. لكنّ هذا لا يغيّر الإسلام ولا يغيّر المسيحيّة. نحن ملتزمون بعضنا ببعض. هذا الوطن أثبت أنه وطن متين لأن أهله مترابطون، لأن أهله متحابون، لأن أهله يحتفلون بأعيادهم معًا. الأضحى والفطر السعيد  والقيامة المجيدة والميلاد المجيد. نحن نعيّد معًا ونفرح فرحًا واحدًا ونغتمّ غمًّا واحدًا ولنا مثير واحد. هذا ما تعلمناه من أبائنا وأجدادنا، وهذا ما علمته الحكمة والمقاصد. هنأت الرئيس المقاصدي الجديد وقلت له كان لي طالب في الحكمة اسمه الدكتور أكرم سنّو. فقال لي هذا قريبي. هذه هي الحكمة وهذه هي المقاصد. مدرستان عريقتان مع غيرهما من المدارس في خدمة لبنان. خدمة لبنان الواحد، بتميّزه وتنوّعه. وهذا التنوع غنىً، إنما التنوّع يدّل على الوحدة أيضًا. يجب أن نكون وطنًا واحدًا حتى نكون متنوّعين، وإلا إذا سقطت الوحدة لم يعد هناك مجال لأي تنوّع بل تفسّخ وإنقسام. فلندرك هذا إدراكًا تامًا. عندئذٍ نشكر الله على كل نعمه التي نزلت علينا في لبنان ، بأن نكون مجتمعًا متنوعًا وموحدًّا في آن معًا.

نشكر مشاركتم في هذا إفطار الحكمة الرمضاني فردًا فردًا. نشكر حضوركم وتمثيلكم للقيادات الروحيّة والوطنيّة الكبيرة في لبنان. نشكر نوّاب بيروت الأحباء، نواب العاصمة والمناطق ونهنئهم ونسأل الله لهم التوفيق في جمع الكلمة حول مصلحة لبنان. طبعًا لكلٍ رأيه، وهذا أمر مطلوب ومرغوب به، لكننا لسنا معفيين أبدًا من محبّة بعضنا بعض، مهما كانت الظروف. الرأي المتنوّع لا يعفي من محبّة وودٍ. هكذا نفهم الحريّة، حريّة البناء، حريّة التعالي عن الصغائر، حريّة أن نكون مرضيين عند الله تعالى. إذا كنت حرًّا والله غير راضٍ عنّي، فقدت حرّيتي. رضي الله عنكم جميعًا، أيها الأحبّاء، وأوصلنا وأوصلكم إلى العيد، نفرح به ويعطينا أملًا لهذه الأمة كلّها، لوحدتها وتصالحها. من صميم القلب أدعو الله عزّ وجلّ، أن يقبل صومكم وأن يقبل جهادكم في سبيل ترويض النفس. ان يقبل صلاتكم  وزهدكم . أن يقبل كلّ ما تعانون ما تقبلون في هذا الشهر الفضيل، من أجل تجديد الإيمان والرجاء والمحبّة في الأمة كلّها. وصلاتي من أجل تقارب الناس بعضهم من بعض وأن نصل إلى المصالحة الكاملة الشاملة بين أبناء الدين الواحد والوطن الوحد والأمة الواحدة. هذه أدعيتي من صميم القلب . وهذه أدعيتكم، أيضًا. وفقنا الله في هذا السبيل ، نسلكه بنعمته تعالى  وهو سميع مجيب”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل