تفاهم معراب كما هو

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1664

 

لا يتعلق تفاهم معراب حصرًا بانتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية فقط. هو اتفاق له ما قبله وما بعده. وهو يتعلق باستراتيجية كاملة للعلاقة بين العماد عون ومعه التيار الوطني الحر قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية وبعدما صار، وبين الدكتور سمير جعجع و”القوات اللبنانية”. ولا تتعلق المسألة بالنصوص فقط وبالبنود التي وضعت على الورق وتم التوقيع عليها بل بالنفوس التي تحمل روحية هذا التفاهم الذي حقق الكثير ولا يمكن التحايل عليه أو نكرانه لأنه لا يزال عليه أن يحقق الكثير ولأن المنتظر منه كثير بعد.

 

في شباط 2017، بعد ثلاثة أشهر فقط على انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية أجرت مؤسسة “غلوبال فيجن” استطلاعًا للرأي في عدد من المناطق ذات الطابع المسيحي يتعلق بالنظرة العامة لتفاهم معراب وكانت النتيجة مثلا أن 92 في المئة من المستطلعين في بيروت الأولى أيدوه و94 في المئة في جزين و90 في المئة في جبيل و91 في بعبدا وقس على ذلك في بقية المناطق. وقد اعتبرت النسبة نفسها تقريبًا أنه يجب ترجمة هذا التفاهم بتحالف انتخابي يمكن أن يضم أحزابًا مسيحية أخرى أو شخصيات مستقلة بحسب المناطق، كما رأت النسبة نفسها أيضًا أن هذا التفاهم حقق ويحقق التوازن الداخلي الذي كان مفقودًا ويعيد المسيحيين إلى دائرة التأثير في السلطة ويؤمن مصلحتهم الوطنية التي هي مصلحة لبنانية في النهاية.

 

كان ذلك الإستطلاع يعكس وجهة نظر مسيحية إجمالاً إلى هذا التفاهم والطريقة التي ينظر بها المسيحيون إليه، وأكثر من ذلك ما يرتجونه ويأملونه منه. وهو حصل وكان الجو العام المسيحي يعيش زهوة انتصار وصول العماد عون إلى قصر بعبدا واعتباره أنه ما كان ممكناً أن يحصل لو لم يكن هذا التفاهم الذي تم الإعلان عنه في زيارة العماد عون التاريخية إلى معراب في 18 كانون الثاني 2016 وتبني “القوات اللبنانية” لترشيحه.

 

عن تلك المرحلة الصاعدة في الآمال التي بنيت على هذا التفاهم قال رئيس “القوات” الدكتور سمير جعجع مرة إن أحد القيادات المسيحية التي هي خارج “القوات” والتيار أخبره أنه التقى مرة في بلدته مزارعًا عائدًا إلى بيته وأخبره بعفويته أنه شعر بأن “كرامتنا رجعت لنا” بعد هذا التفاهم. ولم يتوان الدكتور جعجع عن التعليق بأنه من أجل هذا الإحساس الذي عبّر عنه هذا المواطن يجب أن يبقى التفاهم قويًا وأن يتم احترامه، وأن قوة هذا الدفع الذي يتمتع بها كفيلة بأن لا تسمح بالخروج منه وأن الطرف الذي يفعل ذلك لا بد سيدفع ثمناً كبيرًا لهذا الخيار. وربما من المناسب التذكير بهذا الكلام اليوم في الوقت الذي يحاول فيه الطرف الآخر في التفاهم تحويره أو الإحتيال عليه أو تفسيره على طريقته.

 

لقد ألصقت بالتفاهم اتهامات كثيرة من الذين كانوا يخشون من نتائجه. أول الغيث كان مع استطلاعات الرأي التي اعتبرت أن 85 في المئة من المسيحيين معه وكان الخوف الحقيقي وغير المبرر يعكس وجهة نظر تقول إنه إلغائي ومحاولة من التيار و”القوات” لاحتكار التمثيل الشعبي والنيابي، وعندما حصلت الإنتخابات البلدية بدأ البعض يقيس نتائجها على أساس أنه أعلى أو أدنى من مستوى الـ85 في المئة.

 

كثيرة كانت المراهنات على أن هذا التفاهم سينهار أو سينتهي بعد انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية وينطلق مروّجو هذه النظريات من اعتقاد كان لديهم يقول بأنه قام على مصلحة انتخابية فقط وعلى أساس أن “القوات” لم تتبنَّ ترشيح العماد عون إلا للحؤول دون وصول الوزير السابق رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية إلى قصر بعبدا، وبالتالي فإن العماد عون لن يتمسك به بعدما حقق الغاية المرجوة منه وكذلك “القوات”. ولكن الواقع كان مختلفا. فلو كانت “القوات” تريد مجرد عملية مقايضة انتخابية لربما كانت تبنت ترشيح فرنجية، ولكن كان المطلوب أكثر من ذلك قواتيًا.

 

منذ تم الإعلان عن “النوايا” بين “القوات” والتيار من الرابية في 2 حزيران 2016 كانت “القوات” تعمل لكي تصل “النوايا” إلى مرتبة “التفاهم”. كان المطلوب أولاً بالنسبة إلى “القوات” وإلى التيار معًا أن يتم تجاوز كل آلام المراحل السابقة التي تحفر جراحًا في الذاكرة المسيحية والتي على أساسها بقي التيار و”القوات” متهمين بأنه من خلال انقسامهم تذهب المصالح المسيحية في الدولة فرق عملة ويغيب الحضور المسيحي ويختل التوازن، وأنه من دون تفاهمهما لا يمكن إعادة المسيحيين إلى المعادلة الداخلية وأكبر دليل إلى ذلك فشل العماد عون في تأمين وصوله إلى قصر بعبدا. ولذلك كان من الطبيعي أن يكون هذا البند هو الأول في جدول بنود التفاهم ولكنه لم يكن البند الوحيد. قبل هذا التفاهم وقبل زيارة عون إلى معراب لم يكن ترشيحه إلى الرئاسة إلا مجرد ورقة موضوعة في سوق المزايدات بعده صارت مسألة جدية تنتظر التنفيذ ولذلك كانت مرحلة انتظار بلورة موقف الرئيس سعد الحريري للإنضمام إلى هذا الخيار وعندما اتخذ القرار أصبحت الرئاسة بمتناول اليد.

 

بين إقرار التفاهم وبين انتخاب عون كانت هناك مرحلة عمل لتنفيذه بأبعاده الإستراتيجية. كان التفاهم على المشاركة في السلطة وفي الحكومات التي ستتشكل بعد انتخابه تامًا وناجزًا على قاعدة المشاركة والشراكة الكاملة ليس فقط في أول حكومة يتم تشكيلها بل في كل الحكومات التي تلي وفي كل سنوات العهد وفي كل التعيينات الإدارية. هذه المسألة كانت شقاً تنفيذياً للتفاهم، أما الشق الآخر فكان يتعلق يتحقيق التوازن الداخلي عن طريق رفض إجراء الإنتخابات النيابية على أساس قانون الستين وضرورة التوصل إلى قانون انتخاب جديد يؤمن أكبر قدر من صحة التمثيل المسيحي. وقد كانت القوة الدافعة لهذا التفاهم فاعلة ومؤثرة قبل انتخاب العماد عون وقبل الوصول إلى قانون الإنتخاب الجديد وخير دليل إلى ذلك عندما تمكن “القوات” والتيار معًا من فرض وضع قانون استعادة الجنسية على جدول أعمال مجلس النواب لإقراره. وقد أعطى هذا الإتفاق الدليل إلى أن الشراكة الكاملة بين التيار و”القوات” هي التي تعطيه قوة الحضور والإلزام وهي التي تفرضه. ولذلك كان الهدف الإستراتيجي الآخر بعد انتخاب العماد عون قانون الإنتخاب وعندما تحقق هذا الإنجاز في حزيران 2017 باتت معركة الإنتخابات هي الهدف. أرادت “القوات” من هذه الإنتخابات تأمين وصول أكبر عدد من النواب الذين يمثلون بيئتهم مسيحيًا وقواتيًا وعونيًا.

 

في كل هذه المراحل كانت “القوات” تطالب بأن يتم احترام موجبات هذا التفاهم. ولكن بعد انتخاب العماد عون برزت محاولات من الوزير جبران باسيل للتحايل عليه. أول المحاولات برز في خلال عملية تشكيل الحكومة الأولى برئاسة الرئيس سعد الحريري، ثم كرت السبحة في التعيينات التي حاول باسيل الإستئثار بها، ومع ذلك اعترضت “القوات” ولكنها بقيت تأمل بالعودة إلى تطبيق هذا التفاهم نصًا وروحًا، ولذلك طرحت التعاون في بعض الدوائر الإنتخابية حيث يمكن للتيار و”القوات” معًا أن يؤمنا وصول نواب مسيحيين بأصوات الناخبين المسيحيين في الدوائر التي لا يمكن أن يؤمن أيًا منهما لوحده إمكانية الوصول، ولكن خيارات باسيل كانت مختلفة. وكانت تعتبر أن الخطاب الإنتخابي الذي يحمل بذور نكران التفاهم يمكن أن يكون مبررًا لأسباب انتخابية ولكنها بعد الإنتخابات التي حققت فيها نتائج مفاجئة للجميع بمن فيهم التيار لم يعد بإمكانها السكوت، خصوصًا مع محاولة تكريس الخروج على التفاهم والعبث به وبالتواقيع عليه من خلال محاولة تحديد حجم المشاركة القواتية في الحكومة التي يجب أن تتشكل إن من حيث الحقائب وإن من حيث العدد. ولذلك لا تريد “القوات” إلا العودة إلى روح هذا التفاهم ونصوصه لأنها لا تزال تحمل بذور الشعور باستعادة الكرامة ولأنها لا تزال تشكل الأمل لاستمرار تفعيل الحضور المسيحي داخل السلطة وتؤمن التوازن الداخلي. ولذلك ومن هذا المنطلق كان حضور الدكتور جعجع إلى قصر بعبدا خلال استشارات التكليف النيابية للقاء الطرف الآخر في هذا التفاهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون باعتبار أن هذا التفاهم حصل معه أولاً عندما كان رئيسًا للتيار ويستمر معه بعدما صار رئيسًا للجمهورية، وباعتبار أيضا أن هذا التفاهم بقوته هو الذي يؤمن نقاط القوة الكاملة للعهد حتى يكون قويًا ولذلك يجب الحفاظ عليه والعودة إلى ما نص عليه وليس تجاوزه.

 

وانطلاقا من كل ذلك ومن تجربة ممارسة وزراء “القوات” في الحكومة التي تصرّف الأعمال اليوم، فإن مشاركتها في هذه الحكومة التي يتم العمل على تشكيلها وحجم هذه المشاركة ونوعيتها لم تعد مطلبًا قواتيًا وحسب ولا مسألة متعلقة أيضًا بما نص عليه تفاهم معراب بمقدار ما صارت مسألة نتيجة حتمية لما حققته في الإنتخابات وللتوازنات في المجلس النيابي الجديد، وبمقدار ما صارت قضية وطنية تتعلق بنظرة اللبنانيين عامة إلى ما بات يمثله حضور “القوات” الفاعل في الحكومة من ثقة بها وبعملها وبما يمكن أن تنجزه خصوصًا في ملفات مكافحة الفساد واعتماد الشفافية في العمل والإحتكام إلى مؤسسات الدولة وفي مقدمها إدارة المناقصات، وبالتالي فإن شريحة كبيرة من الرأي العام المؤيد لـ”القوات” والمعارض لها بات يعتبر أنها باتت تمثل نموذجًا في العمل السياسي وفي إدارة الدولة ولذلك، فإن هذه الشريحة باتت ترى أن محاولة إبعاد “القوات” باتت تعني محاولة التخلص من شريك مزعج لا يقبل المساومات والتنازلات لا في ملفات السيادة ولا في ملفات الفساد أكثر مما تعني التخلص من شريك منافس. ولذلك إن أي حكومة من دون “قوات” باتت لا توحي بالثقة. ولا شك في أن الحكومة تحتاج إلى هذه الثقة اليوم أكثر من السابق ليس فقط بالنسبة إلى نظرة الداخل إليها بل بالنسبة إلى نظرة العالم. وربما لذلك لا بد من العودة إلى روح التفاهم الذي حصل في معراب واحترام مندرجاته لأنه لا يزال يحمل بذور قوة الدفع التي تمتع بها عند انطلاقته والتي أوصلت العماد عون إلى قصر بعبدا ولأن العهد والرئاسة لا يزالان بحاجة إلى قوة الدفع هذه لأنها تبقى هي الضمانة الأقوى لكي يستمر هذا العهد قويًا. ولذلك لا بد من قراءة تفاهم معراب بروحه وبنصوصه كما هو في الأصل وفي الأساس من أجل أن يبقى هو الأصل والأساس. وبعيدًا من نظريات العدّ من البعض ربما المطلوب العدّ للعشرة.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل